قبضت الجمعية بـ ١٠٠ الف جنيه ج 1 حكايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

حكايات مني السيد حصري 
قبضت الجمعية... ١٠٠ ألف جنيه كاملين، حطيتهم قدامي على السرير وأنا مش مصدقة إن الفلوس دي بقت في إيدي.
كل جنيه فيهم كان وراه شقى وتعب.
كنت بشتغل في محل ملابس من الصبح لحد بالليل، وأرجع البيت جسمي كله واجعني، لكن كنت بستحمل وأقول لنفسي
معلش... كلها كام شهر وهقبض الجمعية وأساعد بابا في تجهيزاتي.
بابا كان مجهزني من الألف للياء، وماكانش مقصر معايا في حاجة. وأنا من جوايا كنت حاسة إني لازم أشيل عنه شوية، حتى لو الفلوس دي هتروح في حاجة من حاجات جوازي.
كنت قايلة لخطيبي وحماتي من بدري إني داخلة جمعية وهقبضها، وكنت فاكرة إنهم هيفرحوا عشاني.
خصوصًا إن خطيبي كان دايمًا يقول لي
إنتِ مش مطالبة بحاجة، وأنا هتصرف.
كنت بصدق الكلام ده.
يمكن لأني كنت بحبه...
ويمكن لأني كنت عايزة أصدق إن فرق الإمكانيات بينا مش مهم.
أنا عندي 32 سنة، وشغلي كويس ومرتبي الحمد لله كويس، وأهلي حالتهم مستقرة. أما خطيبي فعنده 35 سنة ومرتبه 3500 جنيه، والمبلغ ده أصلًا بالكاد بيكفي مواصلاته ومصاريفه، وكان أغلب الوقت بيعتمد على سلف أهله.
لكن كنت بقول
مش مشكلة... أنا هساعد نفسي، ومش هخليه يحس إنه أقل مني.
كنت فاكرة إن ده اسمه حب.
لحد ما قبضت الجمعية.
ماكملتش ساعات، وموبايلي رن.
حماتي.
رديت وأنا مبتسمة
ألو يا ماما.
قالت من غير حتى ما تسألني عاملة إيه
إنتِ قبضتي الجمعية؟
قلبي اتقبض.
قلت
أيوه، الحمد لله.
سكتت شوية، وبعدين قالت بمنتهى الهدوء
بصي يا بنتي... إحنا محتاجين الفلوس.
افتكرتها بتتكلم عن مبلغ بسيط.
قلت
خير؟
قالت
الشقة محتاجة تشطيب، وإحنا لو ماخلصناش التشطيب دلوقتي، الفرح هيتأجل سنة كمان.
سألتها وأنا مش فاهمة
طب يعني نتصرف إزاي؟
قالت بمنتهى الوضوح
إنتِ تدي المية ألف جنيه.
سكت.
حسيت إني مش سامعة كويس.
أديهم لمين؟
قالت
لينا طبعًا... نصرفهم على الشقة.
بصيت للفلوس اللي قدامي، وقلت
بس يا ماما، الفلوس دي أنا كنت متفقة مع بابا أساعده بيها في تجهيزاتي...
هنا صوتها اتغير.
قالت
بصي، أنا هقولك حاجة ومش عايزاكي تزعلي.
سكت.
إوعي تقولي لأبوكي.
اتخضيت.
ليه؟
قالت
عشان شكل ابني مايتهزش قدام أهلك. هو هيجيب منين؟ وإحنا عايزين نخلص الشقة ونفرح بيكم.
وبدأت تحلفني إني ماقولش كلمة.
لا لبابا...
ولا لماما...
ولا لأي حد.
قفلت معاها وأنا إيدي بتترعش.
قعدت أبص للفلوس قدامي، ولأول مرة ماحستش إنها فرحة.
حسيت إنها امتحان.
أنا مش زعلانة بس من طلبها...
أنا مرعوبة من اللي وراه.
لأن السؤال اللي ضرب في دماغي كان واضح
لو من دلوقتي فلوسي بقت جزء من خطة جوازهم... هيعملوا فيا إيه بعد الجواز؟
والأغرب إن الفرح قرب جدًا، والوقت بيجري. حصري على صفحة روايات و اقتباسات فضلت طول الليل أفكر، لحد ما موبايلي رن تاني.
المرة دي كان خطيبي.
رديت وأنا ساكتة.
قال
حبيبتي، ماما كلمتني.
قلبي وقع.
سألته
قالتلك إيه؟
سكت ثواني، وبعدين قال
قالتلي إنك وافقتي تدينا المية ألف جنيه.
صرخت من الصدمة
أنا وافقت؟!
قال بسرعة
أيوه... ماما قالت إنك وعدتيها.
قفلت عيني وأنا حاسة إن نفسي اتقطع.
لأن حماتي ماكانتش بس طلبت مني الفلوس...
دي كانت بتتكلم باسم موافقتي قبل حتى ما أوافق.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها...
إن المكالمة اللي هتحصل بيني وبين خطيبي بعدها بدقايق، هتخليني أعيد حسابات جوازي كله من أول وجديد...
فضلت باصة في الفراغ وأنا حاطة إيدي على ودني، وسامعة صوته في الموبايل بيتكلم بنبرة كلها راحة غريبة، كأنه واحد كان شايل جبل من على كتافه ولقى حمار يشيله بداله. الدم اتجمد في عروقي، ورجليا الاتنين ما بقوش شايليني، فقعدت على طرف السرير جنب الرزم المرصوصة... الرزم اللي فجأة اتحولت من مكافأة تعبي لقنبلة موقوتة محطوطة وسطينا.
قلت بصوت مرتعش ومش قادرة ألم أنفاسي أنا وعدتها؟! أنا قلتلها موافقة؟! إنت بتجيب الكلام ده منين يا طارق؟!
طارق اتفاجئ من نبرتي، سكت ثانية كده وبعدين صوته بدأ ياخد الحتة الحنينة المزيفة اللي بيلبسها لما يحب يبلعني الحبة المرة مالك يا حبيبتي مخضوضة كده ليه؟ اهدي بس وصلي على النبي. ماما كلمتني وقالتلي إنها فتحت معاكي الموضوع، وإنك بنت أصول وما رضيتيش تكسفيها، وقالتلي خطيبتك أصيلة يا واد وهتدفع المية ألف جنيه عشان نمشي مركبنا وماتتعطلش.. هو في إيه مالك؟
قمت وقفت، والدم كله فار في نافوخي في إن مامتك بتكذب يا طارق! مامتك حطتني قدام الأمر الواقع، طلبت الفلوس وقالتلي متقوليش لأبوكي وقفلت في وشي من غير ما أنطق بحرف، والأنكح من كده إنها دخلت عليك وقالتلك إني وافقت! إنتوا إيه.. إنتوا متفقين عليا؟!
هنا بقى النبرة الحنينة بدأت تتشقق ويطلع من تحتها الوش التاني، الوش اللي عمري ما شفته منه على مدار سنة خطوبة متفقين عليكي إيه يا نهى؟! إيه الألفاظ دي؟! هو إحنا داخلين حرب؟ ماما كلمتك بالذوق، والفلوس دي مش هتترمي في الشارع، دي هتتحط في شقتنا، الشقة اللي إنتِ هتعيشي فيها وتتمددي فيها وتاكلي وتشربي فيها! هو إنتِ مفكرة نفسك غريبة؟
ضحكت ضحكة مسخوطة، ضحكة طالعة من قعر وجعي شقتنا؟! الشقة اللي باسمك؟ الشقة اللي أبوك كاتبها لك في عمارته اللي مش هكتب فيها قشة ولا حتة حيطة باسمي؟! الشقة اللي إنت المفروض تشطبها على داير مليم حسب الاتفاق اللي قعدت بيه قدام أبويا ورجالة عيلتي؟! ودلوقتي جاي تقولي شقتنا؟!
طارق صوته علي لأول مرة إيه حكاية باسمي وباسمك دي؟! هو إحنا تاجرين وبنصفي حسابات؟! وبعدين ما تشوفي العرايس التانيين بيعملوا إيه! كل البنات بتساعد رجالتها، كل واحدة داخلة بشوية قرشينات من شغلها بتقول لجوزها فداك وفدا بيتنا، لكن إنتِ.. إنتِ طالعة عينك ماسكة في الفلوس كأنها حتة من كبدك! هو أنا مش جوزك المستقبلي؟! هو أنا مش اللي هستتك؟!
مسكت راسي وحسيت إن الشرايين في صدغي هتفرقع من الضغط تستتني بإيه يا طارق؟! تستتني بمرتبك اللي ما بيكفيكش سجاير ومواصلات؟! هو أنا عمري فتحت بقي؟ عمري عايرتك؟ عمري جيت قولتلك إنت ليه ما بتفسحنيش ولا ليه ما بتجيبليش هدية في المناسبات زي بقية البنات؟! كل ده كنت بلعاه وبقول راجل بيعافر والظروف صعبة، لكن توصل لدرجة إنك تمد إيدك على شقايا وتعتبره حق مكتسب ليك ولمامتك، وتكذبوا وتقولوا وافقت؟!
طارق سكت خالص.. الصمت بتاعه ما كنش ندم، كان صمت واحد بيفكر إزاي يلف الحبل حوالين رقبتي أكتر. وبعدين قال بنبرة واطية مسمومة بصي يا نهى.. من الآخر كده. الصنايعية بتوع السيراميك والنقاشة واقفين على الباب. والشقة واقفة على تسعين ألف جنيه مصاريف خامات ويوميات. لو الفلوس دي ما نزلتش في حسابي بكرة الصبح، الشقة هتتقفل بالضبة والمفتاح، والفرح اللي متحدد كمان شهرين ده.. انسي إنه يتعمل، ومش بس هيتأجل، ده هيتلغي خالص.. ووريني بقى شكلك هيبقى إيه قدام قرايبك وصاحباتك وأنتِ مفسوخة قبل الفرح بشهرين، وانتي كاسرة التلاتين!
الجملة نزلت عليا زي جردل مية مغلية. وانتي كاسرة التلاتين! الكلمة دي.. المعايرة دي.. هو عارف كويس إني كنت بضايق لما حد من طنطات العيلة يلمح بيها، كان عارف نقطة ضعفي، عارف خوفي المدفون من نظرة المجتمع للبنت اللي سنها بيكبر من غير جواز، جه وضغط عليها بكل قسوة وبكل خسة، عشان يلوي دراعي ويسحب مني شقى سنيني وأنا ساكتة وببوس إيده كمان.
لساني اتشل.. معرفتش أرد بحرف. هو افتكر سكوتي ده استسلام وخضوع، فراح مكمل ببرود يغيظ الحجر أنا عارف إنك عاقلة وهتفهمي مصلحتنا فين.. بكرة الساعة اتناشر هعدي عليكي عند المحل، تكوني جهزتي الفلوس في كيس حلو كده، وأنا هروح أشتري البضاعة وأفك زنقتي.. سلام يا روحي.
قفل الخط. تيت.. تيت.. تيت.. الصوت كان بيرن في دماغي كأنه نقرات شاكوش في جمجمتي.
قعدت على الأرض قدام السرير، مش قادرة أطلع السرير تاني. بصيت للرزم الملفوفة بأستك، مية ألف جنيه.. يا الله.. دا كل ألف فيهم كان بساعات وقفة على رجلي في المحل، بمسح أرفف، بتعامل مع زباين تقال الدم بيبهدلوني وأنا ببتسم عشان صاحب المحل ما يخصمش مني.. كنت بوفر في أكلي وشربي، بطلت أشتري هدوم لنفسي من المحل اللي بشتغل فيه وبشوف الهدوم الحلوة بتتباع قدامي لغيري وأنا نفسي فيها.. كنت بركب أرخص مواصلة، وأمشي نص ساعة على رجلي في عز الحر وعز الشتا عشان أوفر جنيهات الجمعية، وفي الآخر أتحول لكيس فلوس بيتصادر بلي دراع وتهديد بالفسخ والمعايرة بسني؟!
دموعي نزلت، سخنة وبتحرق خدي. في اللحظة دي بالذات، الباب خبط خبطتين حنينين. مسحت دموعي بسرعة وحاولت أعدل صوتي مين؟ الباب اتفتح وظهر وش بابا، وشه الطيب اللي الزمان خطط فيه خطوط تعب سنين عشاني أنا وإخواتي. كان شايل كوباية شاي بالنعناع في إيده.
نهى.. لسه صاحية يا بنتي؟ شفت النور من تحت الباب قلت أجيبلك كوباية شاي تروق دمك بعد يوم الشغل الطويل ده. دخل بابا، وعينه أول ما نزلت، نزلت على الفلوس اللي على السرير.. وبعدين بص لوشي، وشاف عيني الحمر ووشي المخطوف.
حط الشاي على الكومودينو وقرب مني، قعد على الكرسي قصادي وبصلي بحنان يوجع القلب مالك يا ضنايا؟ في إيه؟ الفلوس دي اللي قبضاها؟ مش المفروض تبقي طايرة من الفرحة؟ إيه اللي مبكيكي كده؟
الكلمة خلت السد اللي كنت حابساه ينهار. رميت راسي في حجر بابا وقعدت أعيط بحرقة.. عياط واحدة كانت غرقانة ومش لاقية قشة. بابا فضل يطبطب على ضهري ويمسح على شعري وهو بيهديني بس يا حبيبتي.. اهدي واستغفري الله.. إيه اللي حصل؟ حد زعلك؟ طارق كلمك؟ قوليلي يا بنتي ده أنا أبوكي وسرك كله معايا.
افتكرت كلام حماتي في التليفون إوعي تقولي لأبوكي.. عشان شكل ابني مايتهزش قدام أهلك. ضحكت من بين دموعي بسخرية.. شكل ابنها؟! هي خايفة على شكل ابنها، ومش فارق معاها إنها تنهبني وتكسرني وتذلني؟! هو أبويا اللي أفنى عمره عشان يربيني ويكبرني ويسترني، يستاهل مني إني أخبي عليه وأطعنه في ضهره عشان خاطر واحد نرجسي وأمه؟
رفعت راسي، وبصيت في عينين بابا، وحكيتله كل حاجة. كل حرف.. من أول مكالمة حماتي وأمرها إني أدفع المية ألف ومقولش لحد، لحد مكالمة طارق، واتهامه ليا بالبخل، وتهديده بفسخ الخطوبة وإلغاء الفرح ومعايرته ليا بسني وكسري للتلاتين. حصري على صفحة روايات و اقتباسات 
طول ما أنا بحكي، كنت مراقبة وش بابا. ملامحه الطيبة الهادية بدأت تتصلب.. عروق جبهته برزت، وإيده اللي كانت ماسكة طرف الترابيزة اتقبضت لحد ما مفاصل صوابعه ابيضت. بابا راجل طيب ومسالم جداً، لكن لما بتيجي عند كرامة بناته.. بيتحول لجبل مابيهتزش.
لما خلصت كلامي وأنا بنهج، بابا فضل ساكت دقيقة كاملة. دقيقة كانت أطول من عمري كله. بعدها بصلي بصوت واطي جداً، بس فيه هيبة تخوف هو فاكرك مالكيش ضهر يا نهى؟
قلتله وأنا برتعش يا بابا أنا خايفة.. خايفة من الفضيحة، وخايفة من الناس، الفرح متحدد، والبطايق طبعناها، والناس كلها عارفة.. هيقولوا عليا إيه لو اتفسخت دلوقتي؟ هيقولوا معيوبة؟ هيقولوا كبرت وعنست؟
بابا مسك وشي بين إيديه الخشنين اللي شقيوا عليا، وبص في عيني بصرامة ما شفتهاش منه قبل كده يقولوا اللي يقولوه يا نهى! جزمة بنتي برقبة أي حد يتكلم! الناس هتتكلم تلات أيام ويسكتوا، لكن لو رميتي نفسك في التهلكة دي ودخلتي البيت ده وانتي مكسورة، هتعيشي تلاتين سنة مدفونة بالحيا! الراجل اللي يبدأ حياته معاكي بالطمع واللوي دراع، بكرة لما تتقفل عليكم باب شقة هياخد منك قرشك بالعافية وهيذلك على لقمة عيشك! الفلوس دي شقاكي وعرقك، ولا هو ولا أمه ولا حتى أنا ليا حق أمد إيدي على جنيه واحد منها!
كلام بابا نزل على قلبي زي المية الباردة على حريق. سألته طب هعمل إيه بكرة؟ هو قايلي هيجيلي المحل الساعة اتناشر عشان ياخد الفلوس.
بابا ابتسم ابتسامة غريبة، ابتسامة فيها ثقة وتحدي سيبيه يجي.. وماتفتحيش بوقك بكلمة. نامي دلوقتي يا بنتي، وريحي بالك.. بكرة ربنا هيعمل اللي فيه الخير، وأنا معاكي ومش هسيبك ثانية واحدة.
تاني يوم، صحيت الصبح وجسمي كله مهدود كأني كنت في معركة. نزلت المحل الساعة تسعة، كنت بحاول أركز في الشغل وفي الزباين، بس كل دقيقة عيني كانت بتروح على عقارب الساعة اللي بتجري ناحية الساعة اتناشر. الفلوس ما كنتش خدتها معايا طبعاً، سبتها في البيت تحت عين بابا.
الساعة حداشر وخمسة وأربعين دقيقة، لقيت طارق داخل المحل. كان لابس قميص جديد، ورابط شعره بجيل، ولابس النضارة الشمس، وماشي بخطوات واثقة كأنه داخل يستلم أرباح شركة هو شريك فيها. بصلي وابتسم ابتسامة النصر، الابتسامة اللي بتقول شوفتي بقى إنك ملكيش غيري وإنك هتسمعي الكلام.
قرب من الكاشير اللي كنت واقفة وراه، وقال بصوت واطي ومسبسب صباح الخير يا قمر.. عاملة إيه النهاردة؟ إن شاء الله تكوني رايقة وهادية كده زي ما أنا شايفك؟
بصيتله بجمود تام عايز إيه يا طارق؟
كشر حاجبيه بخفة وقال عايز إيه إزاي؟ إحنا مش متفقين؟ الأمانة جاهزة؟ عشان الصنايعية مستنيني في الشقة ومعايا عربية نص نقل رايحة تجيب السيراميك والدهانات.
فتحت بقي عشان أرد، وأقوله الفلوس مش معايا، لكن قبل ما أنطق بحرف، سمعت صوت فتحة باب المحل، والجرَس اللي فوق الباب رن. بصيت.. ولقيت المفاجأة اللي خلت طارق يتسمر مكانه وتطير من وشه كل علامات الثقة.
بابا داخل المحل.. ومش لوحده! كان معاه عمي الكبير الحاج إبراهيم، وخالي عصام.. الاتنين كبار العيلة، والاتنين ليهم هيبة تقطع المية والنور. بس الصدمة الأكبر ما كانتش فيهم.. الصدمة كانت في الست اللي دخلت وراهم، بتجري وتنهج وشكلها متوتر جداً.. حماتي! أم طارق!
طارق رجع خطوة لورا، وعينه وسعت بذهول وبص لأمه وقال بربكة ماما؟! إيه اللي جابك هنا؟ وفين بابا؟ وإيه الجمع ده؟!
بابا قرب بخطوات هادية ووقف قدام طارق، بينما عمي وخالي وقفوا وراه سادين باب المحل تقريباً. حماتي كانت واقفة وشها جايب ألوان، بتبص للأرض ومش قادرة تحط عينها في عين بابا.
بابا بص لطارق بمنتهى البرود وقال أهلاً يا عريس.. مامتك كانت بتشرب معانا شاي في بيتنا من نص ساعة، ونزلنا سوا وجينا على هنا عشان نعمل الحسبة اللي إنت جيت تقبضها بنفسك.
طارق بدأ يعرق، ووشه بقى شاحب زي الأموات ح.. حسبة إيه يا عمي؟ هو في إيه بالظبط؟ نهى، إنتِ حكيتي إيه؟!
بابا خبط بإيده خبطة خفيفة على ترابيزة الكاشير، صوتها كان كافي يرعب المحل كله نهى ما حكتش إلا الأصول اللي إنت وأمك نسيتوها! بنتي مش لحمة رخيصة، ولا جاية من الشارع عشان تبتزها بكسر التلاتين وتلوي دراعها بفسخ الخطوبة عشان تنهب شقاها وتشطب بيه شقة أبوك!
حماتي اتكلمت بصوت مرتعش بتحاول تلم الموضوع يا حاج أحمد صلي على النبي بس، إحنا كنا بنهزر والولية عشم.. يعني العشم ما يفسدش للود قضية..
عمي إبراهيم قاطعها بصوت جهوري هز أركان المحل هزار وعشم؟! لما تقولي لبنتنا إوعي تقولي لأبوكي عشان ما تهزيش صورة ابني، وتبعتي ابنك يهددها بفسخ الجوازة ويفضحها، ده تسموه هزار وعشم في عرف مين؟! إنتوا فاكرين بنات الناس ملهمش أهالي يكسروا رقبة اللي يفكر يدوس على طرفهم؟!
الزباين اللي كانوا في المحل بدأوا يبصوا، وصاحب المحل طلع من مكتبه مخضوض، بس لما شاف بابا وعمي وعلم بالموضوع من النظرات، انسحب باحترام وسابنا نقفل الحساب.
طارق لقى نفسه محاصر، الوش الحنين والواثق راح خالص، وطلع وشه الحقيقي، وش المستقوي لما بيتحشر في زاوية. بصلي بحقد وعينه بتطق شرار وقال بقى كده يا نهى؟ دخلتي أهلك في وسطينا؟ فضحتيني وجيبتي كباراتك عشان مية ألف جنيه؟! ده إنتِ طلعتي ناكرة للجميل، وأنا اللي كنت راضي بيكي وبسنك وكنت هلمك وأسترك!
أول ما نطق الكلمة دي، بابا ما استحملش، رفع صباعه في وش طارق وكان هيمد إيده، بس خالي مسكه. أنا بقى في اللحظة دي، حسيت بقوة غريبة دخلت قلبي.. الخوف اللي كان كابس على نفسي طول الليل اتبخر. حسيت إني لأول مرة شايفة طارق بحجمه الحقيقي.. قزم.. قزم مادي وحقود ومعقد.
طلعت من ورا الكاشير، ووقفت قصاده بالظبط، وبصيت في عينه من غير ما يتهز مني رمش تسترني من إيه يا طارق؟ إنت اللي محتاج حد يسترك ويستر فقرك وخيبتك! الراجل اللي مرتبه ما يكفيش أكله وعايش عالة على سلف أهله، وجاي ينهب عرق خطيبته عشان يبيض حيطان شقته، ده ما يسترش ولية.. ده يتعطف عليه! والسن اللي بتعايرني بيه ده، هو السن اللي خلاني أعمل قرشين بشرفي وعرقي، مش بشحاتة ولي دراع زي ما إنت بتعمل!
قلعت الدبلة من صباعي.. الدبلة الدهب اللي كنت دايماً فرحانة بيها وبلمعها كل يوم.. قلعتها ورميتها في صدره بكل قوتي. الدبلة خبطت في صدره ونزلت ترن على الأرض.
دبلتك أهي.. وفرحك اللي بتهددني بيه اعمله لنفسك يا طارق، شطب بيه شقتك واقعد اتفرج عليها لوحدك!
طارق اتنتر وشه، وحماتي شهقت وصرخت بنتك بترمى الشبكة في وش ابني يا حاج أحمد؟! دي قلة رباية!
بابا بص لحماتي باحتقار وقالها بنتي متربية أحسن تربية، واللي رماها ده رمى الزبالة في مكانها الصح. شبكتكم ومصاريفكم وحاجتكم هتوصلكم لحد باب بيتكم بالورقة والقلم والمليم، ومن اللحظة دي.. بنتي ما تعرفش حد بالاسم ده، ولو شفت خيال ابنك بيهوب ناحية المحل هنا أو ناحية بيتنا، ما تلوموش إلا نفسكم.. يلا يا نهى، اجمعي حاجتك وخدي إجازة النهاردة.
طارق كان واقف مذهول، وشه بقى أحمر زي الطماطم من الإحراج وسط العمال والزباين، وطي على الأرض يلم الدبلة وهو مش قادر يرفع عينه في حد. أمه مسكت في دراعه وبدأت تجره وهي بتبرطم وتدعي بكلام ملوش معنى، وخرجوا من المحل وراسهم في الأرض، بعد ما كانوا داخلين رافعين مناخيرهم في السما.
رجعت مع بابا وعمي وخالي البيت. أول ما دخلت أوضتي وقفلت الباب، حسيت إني اتولدت من جديد. بصيت للسرير، الفلوس كانت محطوطة زي ما هي. مية ألف جنيه.. بس المرادي ما كانش وراهم رعب، كان وراهم خلاص. خلاص من جوازة كانت هتبقى جحيم مستمر.
قعدت على السرير وابتسمت، وكنت فاكرة إن الموضوع خلص عند النقطة دي.. وإن الحكاية اتقفلت لما رميت الدبلة في وشه وخرجوا مطرودين من المحل.
لكن بعد المغرب بالظبط.. تليفون بابا رن. ولما بابا رد، وشه اتغير تاني، بس المرة دي ما كانتش علامات غضب.. كانت علامات صدمة وذهول أكبر بكتير من كل اللي فات.
بصلي بابا وهو حاطط إيده على الموبايل وقال بهمس نهى... طارق عمل حادثة بالعربية النص نقل، وهو دلوقتي في المستشفى... وأمه قالبالنا الدنيا وبتتهمك رسمي إنك إنتِ السبب في موته لو مات!

تم نسخ الرابط