تنام امرأة حامل بجوار أفعاها الأليفة الضخمة
همست الطبيبة بصوت منخفض
“الطفل بخير… لكن هناك شيئًا آخر لا يبدو طبيعيًا داخل بطنك.”
شعرت سكينة بأن أنفاسها انقطعت فجأة.
نظرت إلى الطبيبة بوجه شاحب، بينما كانت الأخيرة ما تزال تحدق في شاشة الموجات فوق الصوتية وكأنها تحاول التأكد مما تراه بعينيها.
دخلت الممرضة بعد لحظات وهي تحمل بعض الملفات، لكن الطبيبة أشارت لها بسرعة أن تخرج وتغلق الباب.
زاد خوف سكينة أكثر.
“ماذا يحدث؟”
لم تجبها الطبيبة فورًا.
بل أعادت تمرير الجهاز فوق بطنها مرة أخرى، ثم سألتها بهدوء:
“هل تشعرين بتعب شديد مؤخرًا؟ دوخة؟ ألم في الجهة اليمنى؟”
هزت سكينة رأسها بتوتر.
“ظننت أن هذا طبيعي بسبب الحمل…”
تنهدت الطبيبة ببطء، ثم أبعدت الجهاز أخيرًا وقالت:
“يبدو أن لديكِ نزيفًا داخليًا بدأ منذ فترة، وهناك تجمع للدم داخل البطن. الوضع ليس بسيطًا كما ظننتِ.”
اتسعت عينا سكينة بصدمة.
“نزيف؟!”
أومأت الطبيبة بجدية.
“لو تأخرتِ أكثر، كان الأمر قد يصبح خطيرًا عليكِ وعلى الطفل.”
شعرت سكينة بأن الغرفة بدأت تدور حولها.
وضعت يدها فوق بطنها لا إراديًا، ثم تذكرت فجأة ميمونة…
تذكرت كيف كانت تلتف حول بطنها كل ليلة.
كيف توقفت عن الأكل.
كيف بقيت قربها لساعات طويلة دون أن تتحرك.
وكيف أصبحت عصبية كلما حاول ياسين إبعادها.
في تلك اللحظة فقط، شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها.
خرجت الطبيبة بسرعة لإحضار طبيب آخر، وبعد دقائق امتلأت الغرفة بأصوات متوترة وحركة سريعة لم تفهم منها سكينة شيئًا.
أحد الأطباء طلب
وآخر كان يسأل عن نتائج التحاليل.
أما سكينة فبقيت مستلقية مكانها، عاجزة عن استيعاب ما يجري.
حين وصل ياسين إلى العيادة، وجد زوجته تبكي بصمت بينما الأطباء يحيطون بها.
اقترب مذعورًا:
“ماذا حدث؟ هل الطفل بخير؟”
أجابته الطبيبة بسرعة:
“الطفل ما يزال بخير، لكن زوجتك تحتاج إلى تدخل عاجل.”
شحب وجه ياسين فورًا.
وبينما كانوا ينقلون سكينة على السرير المتحرك، أمسكت بيده فجأة وهمست بصوت مرتجف:
“ميمونة…”
نظر إليها بعدم فهم.
“لا تؤذها… أرجوك.”
رغم خوفه من الأفعى، هز رأسه موافقًا فقط ليهدئها.
في تلك الليلة، أُجريت العملية بشكل عاجل.
مرت الساعات ثقيلة على ياسين وهو يجلس وحده في ممر المستشفى البارد، يتذكر كل ما حدث خلال الأسابيع الماضية.
كلمات الجارات.
نظرات الناس.
التعليقات المرعبة على الإنترنت.
حتى هو نفسه…
كان مقتنعًا أن الأفعى تخطط لشيء مخيف.
لكن الآن…
بدأ يشعر أن الأمر ربما كان مختلفًا تمامًا.
بعد ساعات طويلة، خرج الطبيب أخيرًا.
وقف ياسين بسرعة وهو يكاد ينهار من التوتر.
ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة وقال:
“زوجتك والطفل بخير… لقد وصلتما في الوقت المناسب.”
أغمض ياسين عينيه للحظة من شدة الارتياح.
ثم سأل فورًا:
“وكيف لم نكتشف هذا من قبل؟”
أجاب الطبيب:
“الحالة كانت نادرة، والنزيف بدأ تدريجيًا. أحيانًا لا تظهر الأعراض بوضوح إلا متأخرًا.”
صمت قليلًا قبل أن يضيف:
“لكن يبدو أن هناك من لاحظ الأمر قبلكم جميعًا.”
تجمد ياسين مكانه.
“ماذا تقصد؟”
رفع الطبيب حاجبه باستغراب خفيف.
“الأفعى.”
ظل ياسين صامتًا.
فأكمل الطبيب:
“الحيوانات، خصوصًا الزواحف الكبيرة، تشعر بتغيرات الحرارة ورائحة الدم واضطراب الجسد بطريقة مختلفة عن البشر. ربما لهذا السبب بقيت ملازمة لبطنها طوال الوقت.”
لم يعرف ياسين ماذا يقول.
لأول مرة منذ أشهر…
شعر بالخجل من خوفه منها.
بعد يومين، استعادت سكينة وعيها بالكامل.
كانت أول كلمة خرجت من فمها:
“ميمونة…”
تنهد ياسين بخفة.
“إنها بخير.”
ثم جلس قربها وأخبرها بما قاله الطبيب.
ظلت سكينة صامتة لثوانٍ طويلة.
تذكرت كل لحظة قضتها الأفعى قربها.
كل ليلة نامت فيها ملتفة حول بطنها.
كل مرة رفضت الطعام.
كل هسهسة أطلقتها حين حاول أحد إبعادها.
وفجأة…
امتلأت عيناها بالدموع.
همست بصوت خافت:
“كانت تحاول أن تخبرنا…”
ابتسم ياسين لأول مرة منذ أيام.
“ويبدو أننا كنا أغبى من أن نفهم.”
وبعد أسبوع، عادت سكينة إلى المنزل.
كان الليل هادئًا في بيتهم القديم بمراكش، والهواء يحمل رائحة النعناع القادمة من الفناء.
وما إن دخلت حتى ظهرت ميمونة ببطء من الزاوية المظلمة المعتادة.
تجمد ياسين تلقائيًا.
أما سكينة…
فابتسمت فقط.
اقتربت الأفعى منها ببطء شديد، ثم توقفت أمامها دون أي حركة عدائية.
ولأول مرة منذ بداية الحمل…
لم تلتف حول بطنها.
بل اكتفت بالاستلقاء قرب قدميها بهدوء تام.
راقبتها سكينة طويلًا، ثم رفعت يدها وربتت على رأسها برفق.
وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا لن تنساه أبدًا…
أحيانًا،
قد تكون الوحيدة التي تحاول إنقاذنا فعلًا.
مرّت الأسابيع التالية ببطء، حتى جاء اليوم الذي سمعت فيه سكينة أول صرخة لطفلها داخل غرفة الولادة.
بكت وقتها بصمت، بينما كان ياسين يقف قربها ويداه ترتجفان من شدة التوتر والفرحة معًا.
وحين عادت إلى المنزل بعد أيام، بدا البيت المغربي القديم أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.
اختفت همسات الجارات خلف الأبواب.
وتوقفت نظرات الخوف كلما ذُكر اسم ميمونة.
حتى ياسين نفسه…
لم يعد ينظر إلى الأفعى بالطريقة ذاتها.
في تلك الليلة، كانت سكينة تجلس قرب طفلها الصغير داخل الفناء، بينما يتصاعد بخار الشاي المغربي في الهواء البارد، وصوت الأذان البعيد يملأ المكان بسكينة غريبة.
أما ميمونة…
فكانت مستلقية قرب الباب الحجري بهدوء تام.
لا تقترب كثيرًا.
ولا تتحرك بعصبية كما كانت تفعل سابقًا.
وكأنها أدركت أن الخطر انتهى أخيرًا.
ظلت سكينة تراقبها طويلًا، ثم تذكرت فجأة كل ما حدث خلال الشهور الماضية…
الخوف.
التعليقات المرعبة.
تحذيرات الناس.
وإصرار الجميع على أن الأفعى كانت تستعد لافتراس طفلها.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
الكائن الوحيد الذي خاف منه الجميع…
كان أول من شعر بأنها تموت ببطء.
اقترب ياسين وجلس قرب زوجته، ثم نظر إلى ميمونة للحظات قبل أن يقول بهدوء:
“لو لم تكن موجودة… ربما ما كنا لنعرف شيئًا إلا بعد فوات الأوان.”
أخفضت سكينة عينيها نحو طفلها النائم بين ذراعيها، ثم همست بصوت ممتلئ بالمشاعر:
“أحيانًا
وفي الزاوية المقابلة…
رفعت ميمونة رأسها ببطء، ثم عادت لتستلقي في هدوء، بينما غمرت رائحة النعناع البيت القديم من جديد.
ومنذ تلك الليلة…
لم تعد سكينة تسمح لأحد أن يصف أفعاها بالوحش أبدًا.