جارتي كانت بترمي زبالتها جنب بيتي
جارتي كانت بترمي زبالتها جنب بيتي، لأنها مش عايزة تدفع فلوس جمع الزبالة بتاعتها... لكن في الآخر، قررت أعلّمها درس عمرها ما هتنساه.
في سن الخامسة والخمسين، كنت أخيرًا فاكرة إني اشتريت لنفسي حياة هادئة.
بعد سنين طويلة من التوفير، اشتريت بيتًا صغيرًا في منطقة هادئة، له مدخل أبيض، وفناء متواضع، وشجرتان كبيرتان أمامه.
وبعد ما بعت بيتي القديم ودفعت تقريبًا كل مدخراتي في البيت الجديد، لم أكن أريد سوى شيء واحد.
الهدوء.
طوال معظم حياتي، كنت من النوع الذي يقول
ولا يهمك.
حتى عندما يكون هناك شيء يزعجني فعلًا.
لم أكن أحب المشاكل، وكنت دائمًا أفضل أن أحافظ على هدوء الأمور بدلًا من أن أدخل في خلاف مع أحد.
معظم جيراني الجدد كانوا لطفاء.
كان هناك جابر، الذي يسكن بالقرب مني، وكان دائمًا يعطيني نصائح لم أطلبها عن الزرع والعناية بالحديقة، لكنه كان رجلًا طيبًا في النهاية.
ثم كانت هناك هالة.
كانت تسكن على بُعد منزلين مني، في واحد من أكبر البيوت في الشارع.
زوجها كان طبيب أسنان ناجحًا، وهالة كانت تتصرف وكأن المنطقة كلها ملك لها، وأن من حقها أن تتدخل في كل شيء.
في أول مرة قابلتها، انتقدت المكان الذي وضعت فيه أصيص الزهور.
وبعد أسبوع، دخل أطفالها إلى حوض الزهور الذي كنت قد زرعته حديثًا وبدأوا يركضون بداخله.
قلت لها إن عليهم أن ينتبهوا.
فقالت لي
دول عيال يا نجلاء، يعني عايزاهم يقعدوا في البيت؟
وفي مرة أخرى، دخلت إلى الجراج الخاص بي، فوجدتها تمسك بمقص تقليم النباتات الخاص بي.
قلت لها
كان ممكن تطلبي.
ابتسمت فقط.
وقالت
وكنتِ هتقوليلي لأ؟
هكذا كانت هالة.
كانت تتعامل مع ممتلكات الآخرين وكأن
ولأنني كنت دائمًا أترك الأمور تمر، كانت تتمادى أكثر.
وفي إحدى المرات، أثناء تجمع بعض الجيران أمام أحد البيوت، رفعت هالة إطار صورة خشبيًا كان زوجي الراحل قد صنعه بيده.
كان الإطار مائلًا قليلًا وغير متقن تمامًا، لكن هذا تحديدًا هو سبب حبي له.
قالت هالة
كان ممكن تحطي الصورة دي في برواز أحسن من كده.
قلت
جوزي هو اللي عامله.
هزت كتفيها وقالت
براحتك. خليه كده معوّج.
وفي صباح اليوم التالي...
اختفى الإطار.
بحثت عنه في كل مكان.
في الصناديق.
والأدراج.
وخلف الأثاث.
وفي النهاية أقنعت نفسي بأنني ربما وضعته في مكان ونسيته.
لكن بعد أسبوعين، بدأت تحدث أشياء غريبة أخرى.
ظهرت كيسان كبيران من القمامة بجوار صناديق القمامة أمام بيتي.
لم يكونا لي.
وفي صباح اليوم التالي، أصبحا أربعة.
وبحلول يوم الجمعة، كان العدد قد وصل إلى سبعة أكياس.
وفي النهاية، استيقظت قبل شروق الشمس ووقفت أراقب من النافذة.
وبعد حوالي عشرين دقيقة، رأيت هالة تمشي في الشارع وهي تحمل كيسين آخرين.
وضعتهم بجوار صناديق القمامة أمام بيتي، ثم استدارت وعادت إلى منزلها.
فتحت النافذة وناديتها
هالة!
التفتت إليّ بكل هدوء.
صباح الخير يا نجلاء.
نزلت إلى الخارج.
وقلت
إنتِ بتحطي الزبالة بتاعتك عندي ليه؟
لم تبدُ عليها أي علامة إحراج.
قالت
أنا لغيت خدمة جمع القمامة عندي. غالية جدًا.
حدقت فيها.
بس إنتِ لسه عندك زبالة.
ابتسمت.
وقالت
ما هو العربية بتيجي عندك أصلًا.
قلت
عشان أنا اللي بدفع.
فقالت بكل بساطة
بالضبط. ليه ندفع إحنا الاتنين؟
ثم أضافت
أفضل أوفر الفلوس دي وأعمل بيها حاجة لنفسي.
في تلك اللحظة
كل مرة كنت أقول فيها
ولا يهمك.
كانت هالة تسمع
استغليني أكثر.
فقلت لها
خدي الأكياس دي وحطيها قدام بيتك.
رفضت.
أما أنا، فابتسمت وقلت
خلاص، سيبيهم.
نظرت إليّ بسعادة، وكأنها انتصرت.
ثم أضفت
بس أي حاجة تسيبيها على أرض بيتي تبقى من حقي.
ضحكت.
وقالت
إنتِ عايزة الزبالة بتاعتي؟
قلت
أنا بس عايزة كل واحدة فينا تبقى فاهمة حدودها.
لوحت بيدها نحو الأكياس وقالت
خدي أي حاجة مفيدة تلاقيها.
ثم رحلت.
ولم تكن تعرف وقتها أن تلك الجملة تحديدًا...
ستكلفها الكثير.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، تمزق أحد أكياس هالة.
وظهرت من داخله بطانية شبه جديدة.
ارتديت قفازات الحديقة، وفتحت الكيس لأرى ما بداخله.
وجدت كتبًا.
ومصباحًا.
وزهرية.
وصندوقًا خشبيًا.
لم يكن أي شيء منها يبدو كأنه قمامة.
ثم أخرجت شيئًا آخر.
مقص تقليم النباتات.
شعرت بانقباض في معدتي.
كان أحد مقابضه ملفوفًا بشريط لاصق أصفر باهت.
الشريط الأصفر الخاص بي.
كنت قد وضعته على المقبض منذ سنوات، لأن الجزء المطاطي أصبح ينزلق عندما يبتل.
عدت إلى الجراج بسرعة.
مقصي كان مفقودًا.
هالة أخذته.
مرة أخرى.
وبينما كنت واقفة أحاول أن أفهم ما أراه، مر ابنا هالة أمام البيت.
نظر الابن الأصغر إلى الأشياء الملقاة على الأرض وقال
دي حاجات الجراج بتاعتنا.
ضربه أخوه بمرفقه بسرعة وقال
اسكت.
التفت إليهما.
وقلت
حاجات جراج إيه؟
بدأ الولد الأصغر يشرح لي أن والدته كانت تحتفظ بصناديق مليئة بأشياء داخل الجراج.
سألته
بتجيبها منين؟
قال
من أماكن مختلفة.
قلت
أماكن إيه؟
هز كتفيه.
وقال
بيوت الناس.
تغير وجه أخيه فورًا.
وقال
إنت مش المفروض تقول الكلام ده!
لكن الولد
قال إن والدته كانت تأخذ أشياء من بيوت الناس باستمرار.
لم تكن تشتريها.
كانت تأخذها فقط.
ثم، عندما تمل منها، كانت تلقيها في القمامة.
ثم قال شيئًا جعل الدم ينسحب من وجهي
ماما بتقول إن الناس أصلًا مش بتاخد بالها من حاجتها غير لما تختفي.
فجأة، أصبحت كل قطعة موجودة داخل أكياس القمامة تبدو مختلفة في عيني.
كان هناك ملعقة تقديم فضية.
وكتاب أطفال مكتوب عليه اسم صاحبه من الداخل.
وصندوق خشبي صغير للمجوهرات محفور أسفله بأحرف.
وطبق خزفي أزرق.
هذه لم تكن أشياء تخلص منها أصحابها.
كانت ممتلكات جيراني.
ويبدو أن هالة سرقت معظمها.
فكرت في أن أطرق أبواب الجيران وأسألهم إن كانوا يتعرفون على الأشياء.
لكنني كنت أعرف أن هالة ستنكر كل شيء.
ثم تذكرت ما قالته لي
خدي أي حاجة مفيدة تلاقيها.
فقررت أن أفعل ذلك بالضبط.
في صباح السبت التالي، رتبت كل الأشياء التي وجدتها داخل أكياس هالة على ثلاث طاولات قابلة للطي أمام بيتي.
ثم علقت لافتة كبيرة
توزيع مجاني لأهالي المنطقة كل شيء مجانًا.
توقف جابر عندما رأى ما أفعله.
وقال
إنتِ بتعملي إيه يا نجلاء؟
قلت
بحاول أدي الحاجات دي لأصحابها الجدد.
قال
وهالة؟
قلت
هي قالت لي أحتفظ بحاجاتها.
ثم دعوت بهدوء كل الجيران في الشارع.
وبحلول الساعة العاشرة صباحًا، كان المكان مزدحمًا.
وفي تلك اللحظة ظهرت هالة.
صرخت
إنتِ بتعملي إيه في حاجتي؟!
نظرت إليها بهدوء.
وقلت
بوزعها.
قالت
إنتِ مالكش أي حق!
قلت
إنتِ سيبتيهم على أرض بيتي. فاكرة اتفاقنا؟
وفجأة، أدركت هالة أن عددًا كبيرًا من الجيران يقفون حولها.
فتغيرت شخصيتها في لحظة.
رفعت رأسها وقالت بصوت عالٍ
الحقيقة
بالطبع.
الآن أصبحت تريد أن تبدو وكأنها إنسانة كريمة.
قالت إحدى السيدات
بجد؟ ده كرم منك.
ابتسمت هالة بفخر وقالت
أنا
أفضل