ست سنين وأنا دافنة شبابي
ست سنين وأنا دافنة شبابي تحت رجلين طارق... ست سنين ببكي فوق راسه، وبحميه، وبأكّله بإيدي، لقمة لقمة، بالمعلقة، وهو مرمي على السرير، لا بيهش ولا بينش. ست سنين والناس بتحلف بوفائي وإخلاصي، وأنا فاكرة إن جوزي عاجز، مش قادر حتى يرمش بعينه!
ست سنين وأنا بدفن شبابي تحت رجلين طارق...
ست سنين وأنا بصحى على صمته، وأدخل أوضته أطمن عليه، وأغسله وأغير له هدومه، وأطعمه بإيدي لقمة لقمة، وأقلب جسمه كل شوية على جنبه التاني عشان ما تصيبوش قرح الفراش.
ست سنين والناس كلها كانت بتقول إني أخلص زوجة في الدنيا.
وأنا كنت فاكرة إن جوزي فقد القدرة على الحركة والكلام، وإن الحادثة اللي حصلت له سلبته كل حاجة... حتى إنه يرمش بعينه.
كنت فاكرة إني بضحّي بعمري عشان راجل محتاجني.
لحد الليلة اللي اكتشفت فيها إن الراجل اللي كنت بحمله بإيدي...
كان قادر يمشي على رجليه.
والأغرب...
إنه كان بيخطط يقتلني.
الحكاية بدأت من ست سنين.
طارق عمل حادثة في ليلة شتوية والمطر كان نازل بغزارة. عربيته انزلقت على الطريق، خرجت عن مسارها وخبطت في شجرة.
نقلوه المستشفى، وبعد ساعات طويلة من الفحوصات، خرج الدكتور وقعد قدامي.
قال لي
إصابة المخ شديدة يا مدام نورة. هو دلوقتي في حالة وعي منخفض جدًا، ومش قادر يتواصل أو يتحرك بشكل طبيعي. وممكن فترة التعافي تطول جدًا، ومحدش يقدر يحدد إمتى هيرجع لحالته الطبيعية.
أنا وقتها ما كنتش فاهمة المصطلحات الطبية.
كل اللي فهمته إن جوزي ممكن ما يرجعش زي الأول.
فضلت جنبه أيام وشهور.
وفي الشهور الأولى فعلًا كانت حالته صعبة جدًا.
كان وعيه محدود، وحركته ضعيفة، وكان محتاج مساعدة في كل حاجة تقريبًا.
لكن بعد حوالي سنة، بدأ يتحسن.
وبدل ما يكون تحسنه خبر يفرحني...
كان بداية أكبر كذبة في حياتي.
لأن طارق اكتشف خلال فترة علاجه إن الشركة اللي أنا شريكة فيها باسمي، وإن عندي حسابات وممتلكات، وإن لو قدر يسيطر على التوكيلات والحسابات، هيقدر يوصل لفلوس كتير.
وساعتها اتفق مع الدكتور اللي كان بيتابع حالته.
الدكتور كان بياخد منه فلوس مقابل إنه يخفي عني حقيقة التحسن.
ومع الوقت، لما طارق بقى يقدر يحرك إيده ويقعد، وبعدها يقف ويمشي خطوات، بدأوا يخططوا للمرحلة التانية.
كان طارق قدام الناس يظهر إنه لسه عاجز.
لكن لما أبقى مش موجودة، كان يتحرك.
إلهام، الممرضة اللي كانت مسؤولة عن متابعته، كانت عارفة بكل حاجة.
وكانت بتختار مواعيد أدويته بعناية.
في وجودي، كانت تديه الأدوية في مواعيدها بحيث يبقى خامل ومرهق ومش قادر يستجيب.
وفي الأوقات اللي كنت فيها بره الأوضة أو نائمة، كانت تقلل التدخل وتسيبه يتحرك تحت مراقبتها.
وبمرور الوقت، بقى قادر يمشي داخل الأوضة ويستخدم الحمام ويأكل ويشرب لوحده، لكن إلهام كانت بتساعده في كل ده بعيد عن عيني.
أما قدامي...
كان يرجع لنفس الدور.
الرجل اللي مش قادر يتحرك.
وأنا؟
كنت آخر واحدة تعرف.
رفضت أحطه في دار رعاية.
تركت شغلي اليومي، وعينت مديرًا يدير الشركة بدلًا مني، وكنت أراجع الأمور على قد ما أقدر من البيت.
حوّلت أوضة نومنا لغرفة رعاية.
كانت أم حنان، الست اللي كانت بتساعدني في البيت من سنين، بتيجي كل يوم تقريبًا تساعدني.
وكانت إلهام بتيجي يوميًا تقريبًا، بحكم إن حالة طارق كانت محتاجة متابعة مستمرة.
في البداية كنت شايفة إلهام نعمة.
كانت هادية، دقيقة، وبتفهم في شغلها.
لكن بعدين اكتشفت إنها كانت جزء من الخطة.
واللي كشفها لي ما كانش مستند...
ولا رسالة...
ولا مكالمة.
كان شورت رجالي أسود.
في يوم رجعت فيه البيت بدري.
وأنا داخلة أوضة طارق، شممت ريحة غريبة.
ريحة صندل...
وبعدها ريحة سجاير.
وقفت مكاني.
طارق عمره ما كان بيدخن.
وأم حنان أصلًا بتكره ريحة السجاير.
بدأت أدور في الأوضة.
فتحت الأدراج.
فتحت الدولاب.
ولما فتحت آخر درج، لقيت الشورت.
مسكته في إيدي.
كان جديد تقريبًا، ماركة غالية، ومقاسه أصغر من مقاس طارق بدرجة واضحة.
أنا اللي كنت بشتري كل هدومه.
كنت عارفة مقاسه كويس.
الشورت ده مش بتاعه.
نزلت لأم حنان.
لقيتها في المطبخ.
قلت لها
يا أم حنان... حد دخل أوضة طارق النهارده؟
إيدها اتوترت وهي بتغسل الأطباق.
قالت
لا يا هانم... محدش دخل.
بصيت لها.
طب ريحة السجاير اللي في الأوضة دي جاية منين؟
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت
يمكن من الشارع يا هانم.
ردها ما ريحنيش.
تاني يوم لما إلهام جات، سألتها.
إلهام، حد دخل عند طارق امبارح؟
عدلت نظارتها وقالت
لا يا مدام نورة.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
يمكن من كتر التعب وقلة النوم بقيتي مركزة مع حاجات مش مهمة.
الجملة وقفتني.
ليه بتحاول تقنعني إن المشكلة في دماغي أنا؟
بعد يومين، وأنا بنضف الشرفة، لقيت عقب سيجارة ورا أصيص الزرع.
وقتها فهمت إن الموضوع مش ريحة جاية من الشارع.
حد كان بيدخن في البيت.
والحد ده كان بيطلع لحد الشرفة.
لكن مين؟
قررت أعمل نفسي ما شفتش حاجة.
وفي اليوم اللي بعده قلت قدام أم حنان وإلهام
أنا مضطرة أروح إسكندرية بسبب موضوع في الشركة. ممكن أقعد يومين.
إلهام سألتني
هترجعي إمتى؟
قلت
بعد يومين.
وأنا بجهز شنطتي، قبّلت راس طارق.
كالعادة كان ساكن تمامًا.
خرجت من البيت.
لكن بدل ما أروح إسكندرية مباشرة، روحت مكان بعيد، ركنت عربيتي، واستأجرت عربية تانية، وروحت بيها إسكندرية فعلًا.
قضيت هناك كام ساعة في فندق، وخليت حجز الفندق باسمي، عشان لو حد سأل، يبقى عندي ما يثبت إني فعلًا كنت هناك.
وبعدها رجعت للقاهرة في نفس الليلة، من غير ما حد يعرف.
وقفت بالعربية بعيد عن البيت.
ودخلت من باب الحديقة الخلفية.
البيت كان هادي جدًا.
الساعة كانت حوالي تسعة بالليل.
كل الأنوار تقريبًا مطفية.
إلا