ست سنين وأنا دافنة شبابي
المحتويات
نور أوضة طارق.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كان فيه سلم خدمة قديم في آخر الحديقة، بنستخدمه أحيانًا للصيانة والوصول للشرفة.
طلعت عليه بهدوء.
وصلت للشرفة.
الستارة كانت مقفولة، لكن فيه فتحة صغيرة.
بصيت منها.
وساعتها...
حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
السرير كان فاضي.
وطارق...
كان واقف.
واقف على رجليه.
مش واقف بس.
كان لابس الشورت الأسود اللي لقيته.
وقميص أبيض.
وفي إيده سيجارة.
وكان بيتحرك في الأوضة براحة، كأن الست سنين اللي فاتوا ما حصلوش أصلًا.
قدامه كانت إلهام قاعدة على الكرسي.
بتضحك.
طارق نفخ الدخان وقال
نورة لسه فاكرة إني مش قادر أحرك صباع.
إلهام ضحكت.
وإنت سايبها تخدمك لحد دلوقتي؟
قال
ما هي اللي اختارت. أنا ما طلبتش منها تضيّع عمرها.
ضحكت إلهام.
وبعدين قالت
المهم التوكيل.
طارق رد
المحامي خلص معظم الورق. ناقص توقيعها على كام مستند، وبعدها نبدأ ننفذ التوكيل ونستخدمه في إدارة حساباتها والتصرف في الممتلكات اللي يسمح بيها.
إلهام قالت
وحسابات الشركة؟
هنخلصها واحدة واحدة. المهم تاخدنا التوكيلات قبل ما تبدأ تشك.
سكت شوية.
وبعدين قالت
بس إنت ليه مستعجل دلوقتي؟
طارق رد
عشان نورة بدأت تراجع حسابات الشركة بنفسها. لو فهمت إن فيه تحويلات ومستندات ناقصة، هتوقف كل حاجة.
إلهام بصت له.
ونورة؟
وشه اتغير.
وقال بهدوء بارد
بعد ما نخلص كل حاجة، وجودها هيبقى مشكلة.
إلهام بصت له.
يعني؟
قال
هنخلي موتها يبان طبيعي. ست سنين وهي عايشة تحت ضغط وتعب، وكل الناس عارفة إنها بتخدمني طول الوقت. محدش هيستغرب لو حصل لها حاجة.
حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.
إيدي كانت على بوقي عشان ما أصرخش.
وفي اللحظة دي...
حسيت بإيد بتمسك كتفي من ورا.
اتخضيت.
ولفيت.
كانت أم حنان.
وشها كله دموع.
حطت صباعها على بوقها وقالت
اسكتي يا هانم... والنبي اسكتي.
بصيت لها وأنا مش مستوعبة.
همست
إنتِ كنتي عارفة؟
هزت راسها وهي بتعيط.
من شهرين.
ومخبية عليا؟!
قالت بسرعة
كنت خايفة! إلهام عرفت إني شاكّة. هددتني بولادي. قالت لي لو اتكلمت، هتخلي ناس توصل لهم. أنا ست غلبانة يا هانم، وما كانش معايا دليل.
بصيت لها بصدمة.
قالت
أنا حاولت أحذرك مرة، بس إلهام كانت دايمًا لازقة فيا ومراقباني. حتى تليفوني كانت بتسألني عنه، وكانت بتفتش شنطتي بحجة إنها خايفة أكون باخد حاجة من البيت.
سألتها
وطارق؟ هو بقى قادر يمشي من إمتى؟
قالت
من أكتر من أربع سنين. في الأول كان لسه ضعيف فعلًا. بس بعد ما اتحسن، هو والدكتور قرروا يخفوا ده عنك.
والدكتور؟
متفق معاهم، وكان بياخد فلوس عشان يكتب تقارير عن حالته بشكل يخلي تحسنه ما يبانش.
سكتت لحظة وبعدين كملت
طارق كان بيتحسن قدام الدكتور، والدكتور كان بيسجل إن حالته لسه محتاجة رعاية وإن قدرته على الحركة محدودة. وإلهام كانت بتديه الأدوية في مواعيد معينة عشان لما تدخلي عليه يبقى خامل وما يستجيبش.
حطيت إيدي على صدري.
يعني هو كان واعي وأنا بكلمه؟
أم حنان هزت راسها.
أيوه.
الكلمة دي كانت أوجع من كل حاجة.
أنا كنت بقعد بالساعات أحكيله عن يومي.
كنت ببكي جنبه.
كنت بمسك إيده وأقوله
أنا جنبك.
وهو كان سامعني.
وكان ساكت.
بإرادته.
سألتها
طب ليه استنوا كل السنين دي؟
قالت
عشان إنتِ ما كنتيش بتوقعي على كل حاجة بسهولة. وطارق كان محتاج وقت بعد الحادثة عشان يستعيد قوته، وهم كانوا بيبنوا الخطة واحدة واحدة. بدأوا الأول بمحاولة معرفة حساباتك، وبعدها تجهيز التوكيلات، وبعدها المستندات الخاصة بالشركة.
وبعدين بصت لي وقالت
ولما بدأتِ تراجعي أوراق الشركة وتسألي عن حاجات ناقصة، طارق خاف إنك تكتشفي.
سكتُّ.
وفجأة سمعنا صوت الشرفة فوقنا.
اتجمدنا.
طارق ظهر عند الشرفة.
كان واقف.
بيبص للحديقة.
أشعل سيجارة.
فضل واقف ثواني.
أنا حبست نفسي.
أم حنان شدت إيدي.
وبعدها رجع جوه.
استنيت لحد ما النور اختفى.
وبعدين قلت
أنا مش هواجهه دلوقتي.
أم حنان بصت لي.
هتعملي إيه؟
قلت
هخليه يفتكر إن الخطة ماشية زي ما هو عايز.
رجعت إسكندرية فعلًا.
قضيت الليلة هناك.
وفي الصبح رجعت البيت كأني راجعة من السفر.
دخلت أوضة طارق.
ابتسمت.
صباح الخير يا طارق.
انحنيت وبوست راسه.
وبصيت في عينه.
لثانية واحدة بس، شفت فيها نظرة ساخرة.
وبعدين رجع فورًا لوش الرجل العاجز.
إلهام كانت واقفة جنبه.
قالت
حمد لله على السلامة يا مدام نورة. طارق كان مستقر طول غيابك.
ابتسمت لها.
ربنا يخليكي. أنا فعلًا مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك.
ما كانوش يعرفوا إن الجملة دي كانت أول خطوة في الخطة.
اتصلت بالمحامي ناصر.
ناصر كان محامي الشركة من أكتر من عشر سنين، وكان متابع العقود والتوكيلات والملفات القانونية الخاصة بيها.
قابلته في مكان هادي بعيد عن البيت.
وحكيت له كل حاجة.
لكن ما اكتفيتش بكلامي.
وريته الصور.
والمستندات.
والأوراق اللي لقيتها.
وحكيت له عن أم حنان.
ناصر قال لي
إحنا محتاجين نوثق كل حاجة بالطريقة القانونية المناسبة، ومش هنعتمد على كلام حد لوحده.
قلت
أنا عايزة أجيبهم وهم بيتكلموا.
بدأنا نشتغل بهدوء.
راجعنا الحسابات القديمة.
واكتشفنا محاولات تحويل ومكاتبات غير واضحة، وبعض المستندات اللي كان فيها اختلاف في التوقيعات والتواريخ.
وبدأنا نوثق كل حاجة.
ناصر وجّهني لجمع الأدلة بالطريقة اللي يقدر يعتمد عليها قانونيًا، وتم تركيب كاميرات مراقبة في الأماكن المشتركة ومداخل البيت، زي الممر المؤدي لأوضة طارق، ومدخل الغرفة، والشرفة، والصالون.
وأنا قدامهم كنت عاملة نفسي مش واخدة بالي من أي حاجة.
كنت أخرج من البيت.
أسيب إلهام لوحدها معاه.
وأرجع فجأة أحيانًا.
وكنت بتابع كل حاجة مع ناصر.
وفي الليلة الرابعة...
ظهر اللي كنا مستنيينه.
طارق كان واقف في الأوضة.
وإلهام قاعدة قدامه.
قالت
المستندات جاهزة.
قال
ناقص توقيعها.
ولو رفضت؟
ضحك.
هتوافق. هي لسه فاكرة إنها بتحميني.
سكت شوية.
وبعدين قالت
وبعدها؟
قال
بعدها نخلص منها.
إزاي؟
قال
مش مهم إزاي. المهم ما يبقاش عندها فرصة تراجع حاجة.
التسجيل
متابعة القراءة