ثـمن البـخل ج 2 حكـايات مني السيد حصري
الاسم اللي كان بينور ويطفي على شاشة التليفون مكنش مجرد رقم غريب ولا زميل في المصلحة، الاسم كان: "الحاج إبراهيم صاحب المعرض".
إيد حسام ارتعشت لدرجة إن الموبايل كاد يقع من بين صوابعه على السيراميك، صوته اللي كان لسه بيهز البيت وبيرعد بيه اتقطع فجأة وبقى يتنفس بصعوبة كأن الأكسجين اتسحب من الصالة. بصيت له باستغراب، حسام اللي عامل فيها راجل البيت اللي مبيتهزش، وشه اتخطف وبقى لونه بلون الجير.
حاول يقفل الخط بسرعة ويدس التليفون في جيبه، بس الرنة قطعت ورجعت دقت تاني بإصرار أرخم من الأول.
ـ مين الحاج إبراهيم ده يا حسام؟ وليه خايف ترد عليه كدا؟ سألته وأنا عيني مركزة في عينيه، والعيال كانوا واقفين ورايا، مصطفى بيبص لأبوه بنظرة كلها شك. حسام بلع ريقه بصعوبة وقال وهو بيحاول يسترد صوته المصطنع: ـ ده.. ده واحد معرفة من الشغل، موضوع كدا ميخصكيش.. ادخلي جوة ومسمعش صوتك!
لسه بيلف ضهره عشان يهرب ويدخل أوضة النوم، التليفون رن تالت، وبدل ما حسام يلحق يدوس كنسل، بالغلط صباعه ضغط على فتح الخط، وفتح الاسبيكر كمان من كتر اللخمة والرعشة اللي في إيده. صوت جهوري وفظ خرج من التليفون، صوت راجل صوته يهد جبال ومش باقي على حاجة: ـ ألو! جرى إيه يا حسام بيه؟! مبتردش على تليفوناتك ليه يا أستاذ؟! فاكر نفسك هتفلت بالقرشين اللي عليك؟ تلات كمبيالات ورا بعض مكسورين ومعداش منهم مليم، والقسط بتاع العربية متأخر بقاله أربع شهور! يا حسام وحياة ولادي لو الستين ألف جنيه المتأخرين ما اندفعوا لغاية يوم الحد الصبح، لاكون رافع الكمبيالات في النيابة وساحب منك العربية من قدام بيتك ومفرّج عليك المنطقة كلها! أسبوع واحد، يا تدفع يا إما البيات هيكون في الحجز! سامع ولا مش سامع؟!
الخط قفل برقعة ترن في الودان، وسكتت الصالة سكون الموتى.
حسام وقف مصلوب مكانه، باصص للأرض، كأنه عريان من كل هيبة كان بيحاول يصنعها على مدار سنين. السر انكشف، والستارة اترفعت عن المسرحية الهزلية اللي كان عايشنا فيها.
قربت منه خطوة واحدة، وصوتي طلع هادي، بس هدوء يزلزل: ـ عربية ملاكي بأقساط وكمبيالات؟ ستين ألف جنيه متأخرة؟ ومهدد بالحبس؟.. عشان إيه يا حسام؟ عشان المنظرة الكدابة؟ عشان تنزل الصبح تركب عربية وتركنها قدام المصلحة ويقولوا الباشا راح والباشا جه؟ وأنت مش لاقي تاكل وبتديني 300 جنيه وتقولي اتصرفي في فطار وغدا وعشا لخمس بني آدمين؟! مكنتش بتنزل تشتغل بيها أوبر ليه؟ خايف على مقامك؟! ولا خايف حد من زمايلك يشوفك وتضيع البرستيج الفارغ اللي كاسر بيه عيالك ومجوعهم عشانه؟!
حسام رمى التليفون على السفرة وحط إيديه الاتنين على راسه، وقعد على أقرب كرسي كأنه جبل واتهد، صوته كان مبحوح ومكسور لأول مرة في حياته: ـ كنت مفكر هعرف أسددها.. الجمعية اللي كنت داخلها طارت، والمرتب مش مقضي، والفوائد نزلت عليا.. مكنتش عايز أصغر قدام حد، كنت عايز الناس تقول حسام عايش ومرتاح..
ـ والناس اللي كنت خايف تصغر قدامهم، هينفعوك بإيه لما تتجرجر في الكلبشات قدام عيالك؟! مصطفى قاطع الموقف، ابني الكبير قرب ووقف جنب أبوه، باصص له بحزن عميق: ـ بابا، إحنا مكنش فارق معانا تركب عربية ولا تركب ميكروباص، إحنا كان فارق معانا نحس بالأمان.. إنت جوعتنا عشان تركب حديدة وتخبي وراها فقرك!
حسام مقدرش يرفع عينه في عين ابنه، فضل باصص في الأرض والدموع اتجمعت في عينيه، راجل محبوس بين غروره اللي اتدمر وبين حبل المحكمة اللي اتلف على رقبته خلاص.
قعدت قدامه على الكرسي التاني، وبصيت له وبصيت للعيال. كان ممكن أشمت، كان ممكن ألم هدومي وأقوله طلقني وأسيبه يغرق في البلاوي اللي عملها بغبائه، بس دي مش أنا، والبيت ده بيتي وعيالي دول لحمي ودمي ومش هسمح لمركبنا تغرق عشان نزوة كبرياء من راجل اتعمى عن الحقيقة.
ـ حسام.. ارفع راسك وبصلي هنا. رفع راسه ببطء، مكسور ومذلول، منتظر مني الكلمة اللي تنهي كل حاجة.
ـ إنت غلطت، غلطت في حق نفسك وفي حقنا، وظلمتنا وظلمت بيتك عشان شوية مظاهر متسواش مليم.. بس أنا مش هسيب أبو ولادي يتحبس، ومش هسمح لعيالي يشوفوا أبوهم متهان، بس بشرط واحد ملوش تاني.. من اللحظة دي، البيت ده إدارته تتغير بالكامل، وكلامك اللي مبيودي ولا يجيب هينتهي، والحل هيكون طريقي أنا، هتقبل ولا نلم هدومنا ونسيبك تواجه المعرض والمحكمة لوحدك؟