أول ما رجعت من خدمتي بره المحافظة حكايات انجى الخطيب
مظلمة تماماً. أول ما شافت سارة، بدأت تصرخ بصوت مخنوق ومتقطع مين دي؟! انتي مين؟! اطلعي بره! فين ابني ياسين؟! انتوا أخدتم ياسين فين؟!
سارة بصتلي بنظرة معناها شفت بعينك؟ وقربت من أمي ببطء وهي بتقول بنبرة مزيفة يا طنط اهدي، أنا سارة مرات ياسين.. وده ياسين واقف قدامك أهو. أمي بصتلي بعينين فاضية تماماً، وقالت بجمود يرعب انت مش ياسين.. ياسين مات في الحرب من زمان! انتوا جايبين واحد شبهه عشان تاخدوا الشقة والمصاغ! ارجعوا بره! وفجأة زقت الكومودينو الصغير بجنبها فالأباجورة اترمات على الأرض واتكسرت ميت حتة.
سارة اتخضت ورجعت لورا خطوة، وقالتلي وهي بترتعش شفت؟ مش قلتلك؟ الحالة بتدهور بسرعة جداً، أنا مجهزة ورق المصحة والدكتور يستنى المكالمة بس عشان يبعت عربية الإسعاف. بصيت لأمي اللي كانت باصالي من تحت لفيها بعين فيها لمعة دهاء أبرد من التلج، ردت عليها بهدوء مرعب عندك حق يا سارة.. الحالة فعلاً متدهورة ومش هينفع نسكت أكتر من كده.. اتصلي بالدكتور فوراً ييجي يكتب التقرير.
سارة ابتسمت ابتسامة انتصار سريعة جداً وحاولت تخفيها، وطلعت موبايلها فوراً واتصلت بالدكتور أيوة يا دكتور مدحت.. أيوة الأزمة رجعتلها تاني وبقت عدائية جداً وكسرت الأوضة ومشتتة.. ياريت تيجى فوراً بالتقرير اللي جهزناه. بعد أقل من ساعة، جيه الدكتور مدحت، راجل في الخمسينات، لابس نظارة ومبين على وشه الجدية والموضوعية المزيفة. قعدنا في الصالون، والدكتور أخرج ملف وقال بثقة أستاذ ياسين، أنا تابعت حالة الوالدة الفترة اللي فاتت بناءً على طلب مدام سارة، وللأسف الفحوصات والأعراض بتقول إنها بتعاني من خرف كبار السن المتقدم المصحوب بنوبات ضلالات واضطهاد، والحل الأمثل لسلامتها وسلامتكم إنها تتنقل للمصحة تحت إشرافي، ومحتاجين بس توقيعك على إقرار الوصاية المؤقتة لمدام سارة للتكفل بإجراءات العلاج والمصاريف.
طلّع الدكتور الورق وحطه على السفرة، وسارة قدمتله القلم وهي بتبصلي بلهفة مكتومة. حطيت إيدي على الورق، وبصيت للدكتور وقلتله تمام يا دكتور.. بس قبل ما أوقع، حابب أسألك سؤال بسيط.. هي نوبات الخرف دي بتخلي المريض برضو يرفع قضية حجر أو يوقع على طلبات تحويل بنكي بتمانين ألف جنيه؟
الدكتور اتهز في مكانه وعينيه اتسعت، وسارة وشها اصفرّ تماماً واللون هرب منه. كملت بصوت واطي وبارد وأعراض الخرف برضو بتخلي الحروق وعلامات التربيط الأزرق تظهر على إيد المريض بشكل منتظم كأنه كان مربوط بحبل في السرير لمدة أسبوع؟
سارة وقفت فجأة وقالت بتوتر واندفاع ياسين! انت بتقول إيه؟! انت بتتهمني بإيه؟ أنا كنت بشيلها من الأرض لما تقع! في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات ثابتة وناعمة نازلة من السلم.
أمي كانت نازلة بكل هدوء، لابسة عبايتها الشيك، وطرحتها متظبطة بالملي، وعينيها فيها ثبات وقوة يهدوا جبل. مشيت بخطوات واثقة وقفت جنب السفرة، بصت لدكتور مدحت وقالت بنبرة حادة وصافية زي السيف أهلاً يا دكتور مدحت.. ولا أقولك يا دكتور الحسابات السرية؟ أخبار النسبة اللي سارة وعدتك بيها إيه من الوديعة اللي في بنك مصر؟
الدكتور قام وقف وهو بيلعثم إيه الهبل ده! أنا دكتور محترم ومش هسمح بالإهانات دي!
أمي ضحكت ضحكة خفيفة وقصيرة، وبصت لسارة وقالت أنا مش مجنونة يا سارة.. ولا عندي خرف. الأكل اللي كنتِ بتحطيلي فيه الدواء اللي بيوقف الأعصاب وبيخليني أدروخ وأنسى اسمي، كنت برفيه في الورد اللي تحت الشباك من أول يوم. والضرب والتربيط اللي كنتِ بتعمليه فيا وأنا مخدرة عشان أوقع على أوراق التنازل، كنت بكتب كل تاريخ وساعة ولحظة عملتيه فيها في مذكرات صغيرة شايلاها في حتة عمرك ما هتفكري تدوري فيها.
سارة بدأت تتنفس بصعوبة وبصتلي وهي بتبكي دموع تماسيح ياسين.. صدقني! أمك هي اللي بتتبلى عليا! هي بتكرهني ومن زمان عايزه تخرب بيتنا! انت هتصدقها وتكدب مراتك؟!
طلّعت موبايلي من جيبي، وشغّلت تسجيل صوتي واضح جداً.. صوت سارة وهي بتتكلم في المطبخ بالليل مع الدكتور مدحت بتقوله الواد ياسين رجع من الخدمة، لازم تخلص التقرير بسرعة وتخليه يوقع على الوصاية بكرة، قبل ما يكتشف إن الحسابات اتصفرت وإن أمه مكنتش بتاخد دواء الزهايمر، ده كانت بتاخد مهدئات أعصاب ثقيلة بتدمر التركيز!
الصوت كان مالك المكان. سارة حطت إيديها على بقها وانهارت على الأرض وهي بتعيط بحرقة، والدكتور جرى ناحية الباب عشان يهرب، لكن أول ما فتح الباب، وجد قدامه اثنين من رجال الشرطة وبصحبتهم ضابط المباحث اللي كنت بلّغته الصبح بدري وقدمتله كشوف الحسابات وسجلات الكاميرات الممسوحة اللي استرجعتها من السحابة.
الضابط دخل وبص للدكتور وسارة وقال بصرامة دكتور مدحت، مدام سارة.. اتفضلوا معانا على القسم بتهمة التزوير، والنصب، والإيذاء العمدي، وشروع في الاستيلاء على أموال غير مستحقة.
الشرطة أخدت سارة والدكتور، وسارة كانت بتبصلي بنظرة ترجي وأنا واقف مكاني زي الصخرة، مفيش في وشي أي تعبير غير القرف. أول ما الباب اتقفل والبيت هدي تماماً، المكان بقى فاضي وساكت.
بصيت لأمي، لقيتها واقفة بتتأمل الفراغ اللي سابته سارة، وبعدين التفتت ليا. وجها المجهد كان باين عليه تعب السنين والأسى، لكن عينيها كانت مليانة حب ورضا. قربت منها، مسكت إيديها اللي فيها العلامات الزرقا، وبستهم واحدة واحدة وبكيت لأول مرة من يوم ما رجعت.
أمي حطت إيدها على رأسي، ومسحت شعري بالحنية اللي حرمت نفسي منها طول فترة خدمتي، وقالتلي بصوت دافي وراسي خلاص يا ياسين.. الكابوس خلص يا ابني. روح ولّع على البراد.. واعملنا فنجانين القهوة بتوعنا، وعليها بشر الليمون اللي بتحبه.
ابتسمت من بين دموعي وهزيت رأسي، وطلعت على المطبخ فوراً. شغّلت النار على البراد، وجبت الليمونة وبشرت قشرها بهدوء، والبيت كله كان راجع له نَفَسه الطبيعي بعد كابوس طويل كان كاتم على نفسنا.
عملت الفنجانين ورحت قعدت جنب أمي على الكنبة في الصالون. مسكت الكوباية بإيديها المجهدة، وشربت أول بق وغمضت عينيها براحة وقالت الله يا ياسين.. بقالي شهور مشاميتش ريحة القهوة دي، كانت تحطلي في كل حاجة طعم ممرر عشان أدوخ وأنام.
مسكت إيدها وقلت لها حقك عليا يا أمي.. أنا السبب، سبتك مع واحدة مكنتش أتصور إن جوه قلبها كل العلّة والسواد ده.
ردت عليا بحكمة ما تقولش كده يا ابني، العسكري في خدمته مبيبقاش فاكر إن الحرب ممكن تجيله جوه بيته.. المهم إنك جيت، وإنك شغّلت عقلك وما خلتش غضبك يعميك.
بعد ساعتين، التليفون رن. كان ضابط المباحث بيطلبني أروح القسم علشان أقدم أقوالي الرسمية وأسلم أصل التوكيل، ومذكرات أمي، والشريحة اللي عليها تسجيل المطبخ وسجلات الكاميرات السحابية. نزلت القسم، ولقيت سارة قاعدة على الكرسي في المكتب، الميك أب بتاعها سايح، ووشها شايل الخزي كله. أول ما شافتني قامت وقفت وحاولت تقرب مني وهي بتبكي ياسين! عشان خاطري سامحني! أنا اتضحك عليا، الدكتور مدحت هو اللي أوزني وهو اللي قاللي هنعمل كده ونقسم الفلوس! والله أنا بحبك ومش عايزة أخرب بيتي!
بصيت لها ببرود تام، وقلت للضابط بصوت ثابت حضرتك يا فندم، أنا بقدم بلاغ رسمي بتهمة الشروع في قتل أمي