الطيبـة الزايـدة ج 1 حكـايات مني السيد حصري
حماتي صوتها رن في بير السلم فجأة يا ندى! إنتِ يا بت.. عملتي أكل إيه النهاردة؟.
كنت لسه طافية الفرن، وريحة البشاميل السخنة قالية ريحة البيت كله، صينية واخدة وش دهب، ومغرقة بمشكل الجبن اللي هي نفسها بتعشقه. رديت عليها من البلكونة بضحكة صافية عاملك صينية بشاميل يا ماما تستاهل بقك، بالموتزاريلا والرومي زي ما بتحبيها بالظبط. لقيتها بتقولي بنبرة آمرة وفي نفس الوقت ناعمة طب انزليلي بحتة يا ختي، عشان صبيتك قاعدة معايا هنا، مستنية ابنها يخلص درس وينزل تاخده ومكسلة تروح وتيجي.
صبيتك دي تبقى ندى أخت جوزي، عايشة الدور دايمًا إنها ضيفة شرف في الدنيا، بتيجي ترمي عيالها في الدروس وتقعد تفرش عند أمها بالساعات. قلت في بالي عيب، دي مهما كان أخت جوزي، وأنا أصلي ميرضاش إني آكل لوحدي. قطعت خرطتين محترمين مليانين لحمة وجبنة سايحة، وحمرت جنبهم طبق بطاطس مقرمشة من اللي بحبها، وطلعت كانز بيبسي مثلج، ونزلت بيهم وأنا رافعة الصينية الصغيرة ومبتسمة.
دخلت الشقة، حطيت الأكل قدامهم، حماتي كلت وبصت لبنتها بلقمة في إيدها وقالت صحيح يا مروة، هتروحي تطبخي إيه للراجل وعيالك لما تروحي؟. مروة سابت الشوكة ومطت شفايفها بتمثيل متقن وحطت إيدها على وسطها آه يا ماما.. ضهري هيتكسر، مش قادرة أقف على رجلي خالص، وجوزي هيرجع من الشغل جعان ومش عارفة أعمل إيه بجد، شكلي هقضيها أي حاجة ناشفة وخلاص.
هنا حماتي لفت وشها ليا، ومن غير مقدمات ولا حتى إحم، قالتلي وكأن الموضوع منتهي بقولك إيه يا ندى.. اطلعي هاتي بقية الصينية لمروة تاخدها وهي مروحة، وأنا هديكي فلوس تنزلي تشتري لحمة ومكرونة ولبن وتعملي واحدة تانية ليكم، إنتِ لسه في بيتك وصحتك فيكي وبنت حلال.
الكلمة نزلت عليا زي الماية الساقعة. وقفت مبرقة، لساني اتربط، الدم غلي في عروقي بس خوفي من المشاكل وإحراجي العقيم اللي دايمًا مودييني في داهية شل حركتي. حماتي بتوزع تعبي وأكل ولادي ببساطة كدة؟ ومروة قاعدة عنيها بتلمع وساكتة مستنية! قلت بصوت مهزوز حاضر يا ماما...
طلعت شقتي ورجلي بتجر بعضها على السلم. دخلت المطبخ، بصيت للصينية الكبيرة اللي كنت عاملاها بحب ومكلفة فيها عشان تكفينا غدا وعشا، غلفتها بالسلوفان ودموعي محبوسة في عيني، ونزلت بيها وسلمتهالها بإيدي. قعدت خمس دقايق، مستنية حماتي تمد إيدها في جيبها زي ما قالت، مستنية تقول خدي يا بنتي حق الطلبات، أو حتى مروة تنطق بكلمة شكر حقيقية أو تعزم عليا بلقمة من اللي خدتها.. ولا الهوا! حماتي شالت الصينية حطتها في شنطة كبيرة لمروة، وفتحت كلام في موضوع تاني خالص كأنها مسلمتنيش الهوا.
طلعت شقتي وقفلت الباب ورايا، وانفجرت في العياط. قعدت أضرب كف على كف، أنا إزاي ضعيفة كدة؟ إزاي مقولتش لأ، ده أكل عيالي وجوزي وزمانهم راجعين من المدرسة والشغل جعانين؟ إحراجي الخايب دايماً كاسرني، وبدل ما أكون قوية بقيت بضحي بحق بيتي عشان أرضي ناس مبتشبعش.
بصيت في الساعة لقيت معاد ولادي خلاص قرب، جريت على التلاجة مفيش لحمة ولا فيه حتى حتة بطاطس واحدة أحمرها، كلها نزلت تحت. طلعت شوية طماطم ضربتهم في الخلاط وسبكتهم وسلقت شوية مكرونة عادية بالصلصة.. طبق ناشف مكسور الخاطر. أول ما الباب خبط ودخل ابني الصغير رامي شنطته وبيقول ماما.. أنا شامم ريحة بشاميل من على أول الشارع، هاتي طبق بسرعة جعان أوي، حسيت بسكينة بتدبحني، وذنب ولادي متعلق في رقبتي.
حطيتلهم المكرونة الحمرا ووشي في الأرض، والولاد بياكلوا باستغراب وعينيهم بتدور في المطبخ، وفجأة، رن مفتاح جوزي في الباب.. دخل شادد حيله وريحته عرق من التعب، وقبل ما يقلع جزمته، كان بيتكلم في التليفون وهو بيزعق بطريقة عمري ما سمعتها منه، وصوته بيهز جدران الصالة بقى أنا أرجع ألاقي أمي وأختي بيعملوا الحركة دي؟! طب والله العظيم ما هعديها، وانزليلي تحت يا ندى حالا ومعاكي...!
وقفت في مكاني متسمرة، معلقة إيدي في الهوا وأنا بمسح الترابيزة، والعيال اتخضوا وسابوا المعالق في أطباق المكرونة بالصلصة وبصوا لأبوهم برعب. طارق جوزي مش من النوع اللي بيعلي صوته في البيت عمال على بطال، راجل هادي وبيحب يشتري دماغه ويعدي، فلما يدخل داخلة زي دي وصوته يرج الشقة كلها، يبقى فيه مصيبة حاصلة برة، مصيبة أنا لسه مش فاهمة أولها من آخرها.
قفل السكة بغل، ورزع التليفون على الكومودينو جنب الباب لدرجة حسيت إن الشاشة هتتكسر مية حتة. عينيه كانت طالع منها شرار، ووشه أحمر دم من كتر العصبية، قميصه مفتوح أول زرارين منه وربطة الكرافتة مفكوكة بمايل كأنه كان في خناقة في الشارع.
بلعت ريقي بصعوبة، وقربت منه خطوة واحدة وأنا بفرك إيديا في المريلة من التوتر في إيه يا طارق؟ خير يا راجل سمي الله، مين اللي مزعلك ومين اللي كان بيكلمك في التليفون؟.
بصلي بنظرة كلها لوم وعتاب، نظرة وجعتني أكتر من أي قلم كان ممكن ينزل على وشي. شاور على السفرة وعلى أطباق العيال اللي مافيهاش غير شوية مكرونة حمرا باهتة حتى من غير حتة مخلل جنبها، وقال بصوت مكتوم بيغلي إيه ده يا ندى؟ إيه الأكل ده؟ مش إنتِ مكلماني العصر وبتقوليلي عاملة بشاميل بمشكل الجبن ومكلفة الصينية
عشان