الطيبـة الزايـدة ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

عارفاني راجع هلكان ومستني اللقمة دي بفارغ الصبر؟ فين البشاميل اللي ريحته سابقة البيت كله؟ وفين الصينية اللي أنا قايلك الصبح اطبخيها وأنا باعتلك تمن اللحمة والجبن مخصوص عشان أرجع ألاقي أكل يشبعنا أنا وإنتِ والولاد؟.
حسيت رجلي مش شيلاني، الدموع وقفت في حلقي وخوفت أنطق. قلتله بصوت واطي مهزوز أصل... أصل مامتك تحت يا طارق....
قاطعني برزعة إيده على الترابيزة خلت الأطباق ترن أمي! وعارفة أنا عرفت منين ومن مين؟ عرفت من جوز أختك المحترم! أحمد جوز مروة لسه قافل معايا، بيتصل يغيظني ويقولي ببرود تسلم إيدك يا ندى، المكرونة البشاميل اللي بعتوهالنا تجنن، أصل مروة مكنتش قادرة تطبخ ومامتك كتر خيرها خدت صينيتكم وادتهالنا عشان إحنا أولى بيها! متخيلة؟! متخيلة جوز أختي بيكلمني يشكرني بتريقة وشماتة عشان بياكل أكل بيتي وأكل ولادي اللي لسه مكملوش عشر سنين، وأنا داخل بيتي ألاقي عيالي طافحين مكرونة ناشفة بالصلصة كأننا شحاتين؟!.
الكلام نزل عليا زي الكرباج. حسيت بوجع في صدري ملوش أول من آخر. يعني مروة مروحتش سكتت وكلت في سرها وحمدت ربنا، لأ، دي راحت ورمت الكلام لجوزها عشان يتصل بيه يتمنظر ويحرجه! ومين اللي دفع تمن الطيبة والخيبة دي كلها؟ أنا وعيالي الغلابة.
يا طارق والله العظيم ما كان قصدي.. الدموع نزلت غصب عني، أمك ندهتلي وقالتلي مروة ضهرها واجعها ومش قادرة تقف على حيلها، ومكسورة الخاطر ومش عارفة تعمل إيه، وقالتلي نزليلها الصينية وهديكي فلوس تنزلي تشتري لحمة ولبن وتعملي واحدة تانية.. وأنا اتكسفت، مقدرتش أقول لأ قدام بنتها، مقدرتش أكسر كلام أمك في وشها...
طارق حط إيديه الاتنين على راسه وفضل يروح وييجي في الصالة وهو بيتنفس بصوت عالي كأنه بيطرد شياطين من جواه. بصلي وقال بقهرة فلوس مين اللي هتديهالك؟! هو إنتِ عبيطة يا ندى؟! إنتِ بقالك معايا كام سنة في البيت ده؟ لسه مفرزتيش أمي وطريقتها؟ لسه متعلمتيش إن الطيبة مع اللي مبيقدروش اسمها غباء وخيبة؟! هتديكي فلوس منين وهي لو لقت في جيبها مليم هتديه لبنتها وعيال بنتها ومستخسرة فينا اللقمة؟! وبعدين فرضي إدتك فلوس.. هتعملي صينية تانية في دقيقة؟ هتاكلي الولاد الهوا لحد ما تسلقي وتعصجي وتخبزي؟ العيال راجعين من مدارسهم ودروسهم جعانين، وأنا طالع عيني من سبعة الصبح في الشغل، عشان في الآخر أكلنا يتاخد على الجاهز يروح لبيت تاني راجلها ممدد على السرير ومروة مأنتخة وبتتفرج على التليفزيون؟!.
الولاد فضلوا باصين وساكتين، ابني الكبير يوسف قام براحة وقرب من أبوه، مسك إيده وقال بصوت طفولي موجوع بابا، متزعقش لماما.. ماما كانت زعلانة والله في المطبخ وبتعيط وهي بتعمل الصلصة، وكانت بتقولنا حقكم عليا مكنش بإيدي.
الكلمة دي هدّت طارق شوية، بص ليوسف وطبطب على راسه، بس غليانه الداخلي مهدّاش، بالعكس، شكله كان ناوي على قفلة حساب قديم متراكم بقاله سنين. بصلي بنظرة صارمة، نظرة عمري ما شفتها فيه قبل كدة، وقال اسمعي يا ندى.. السكوت بتاعك ده اللي جابنا ورا، وخلاكِ ملطشة في البيت ده. من أول ما اتجوزنا وإنتِ تراضيهم على حساب نفسك وعلى حسابي، أمي تطلب نديها، مروة تحتاج حاجة تاخدي من بيتك وتعطيها، وكل ده وأنا بقول معلش، ندى بنت أصول وبتشتري خاطر العيلة.. بس لحد لقمة عيالي، ولحد كرامتي قدام الغريب، الخط الأحمر اتقطع خلاص.
مسك إيدي بقوة، شدني من المطبخ للباب، وقال بصوت حاسم انزلي معايا دلوقتي حالا.
أنزل فين يا طارق؟ أرجوك استهدى بالله بلاش فضايح في العمارة، بلاش نعمل شوشرة الناس تسمعنا!.
فضايح؟ هو اللي عملوه ده مش فضيحة؟! الفضيحة إن بنتها تاكل لقمتنا وجوزها يشمت فيا ونتعشى إحنا قهرة! انزلي ورايا وما تفتحيش بقك بكلمة، تشوفي بس الراجل لما يقرر يحط النقط على الحروف بيعمل إيه، عشان تتعلمي إزاي توقفي أي حد عند حده لما يتعلق الأمر بحقك وحق ولادك.
نزل طارق على السلم بخطوات ترن في العمارة كلها، وأنا ماشية وراه بقلب مقبوض ورجليا بتخبط في بعضها من الرعب. كنت عارفة حماتي كويس؛ ست قوية، صوتها عالي، مبتعترفش بغلط، ودايمًا شايفة إن ابنها وبيته ملكية خاصة ليها ولعيالها التانيين، وإن أي كلمة من مرات الابن تعتبر قلة أدب وعقوق.
وصلنا قدام باب شقة حماتي في الدور الأرضي. طارق ممدش إيده يرن الجرس بهدوء، خبط على الباب تلات خبطات جامدين ورا بعض ورا بعض ورا بعض.
ثواني والباب اتفتح، وظهرت حماتي لابسة جلابيتها السودة الواسعة، حاطة الطرحة على كتافها، وماسكة في إيدها كوباية شاي بنعناع، وعلى وشها ابتسامة باردة اتحولت فجأة لاستغراب لما شافت وش طارق وهو بيغلي خير يا طارق؟ في إيه يا ابني داخل ترزع على الباب كده ليه كأن البيت بيولع؟ مفيش سلام عليكم؟.
طارق مدخلش وقفل الباب، فضل واقف على العتبة، وقال بصوت جهوري مسموع في كل شقق العمارة وعليكم السلام يا أمي. فين مروة؟.
حماتي حطت كوباية الشاي على التربيزة اللي جنب الباب ورفعت حاجبها مروة خدت الصينية ومشيت من بدري روحت لبيتها ولراجلها، خير في إيه؟ قلبك واكلك على أختك أوي كدة ليه؟.
قلبي واكلني على أختي؟ طارق ضحك ضحكة استهزاء توجع القلب، لأ يا أمي، قلبي مش واكلني على أختي، قلبي واكلني
تم نسخ الرابط