الطيبـة الزايـدة ج ٢ حكـايات مني السيد حصري

حماتي صوتها رن في بير السلم

لمحة نيوز

صوت عمي فتحي على الإسبيكر قفل المكالمة برزعة خلت الهوا في الصالة يتقل كأنه خرسانة. التليفون فضل يسكت بعد الرنة الطويلة، والهدوء اللي عم فجأة كان أخطر من أي زعيق. بصيت لطارق ولقيت عروق رقبته نافرة، وإيديه مضمومة لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضت. عيالي كانوا باصين من باب أوضتهم، يوسف حاضن أخوه الصغير سيف وعينيهم فيها خوف كأنهم مستنيين غارة جوية.
قربت من طارق، وحسيت إن أي دموع هتنزل مني دلوقتي هتكون رخيصة وضعيفة، كفاية ضعف لحد كدة، الضعف هو اللي وصلنا للباب المقفول ده. حطيت إيدي على كتفه وقلت بصوت حاولت أخليه أثبت من الجبل طارق، استهدى بالله. بلاش تقابل النار بنار. عمك فتحي راجل كبير، ومامتك أكيد حكتله القصة مقلوبة زي ما هي عايزة تبان.. مظلومة وابنها افترى عليها.
طارق لف وشه وبصلي، وكان في نظرته مزيج من التعب والوجع اللي يهد الحيل عارف يا ندى.. عارف إنها هتقلبهالي مظلمة وإنها ست مكسورة الجناح طردتها في عز الضهر، بس اللي واجع قلبي بجد هو رخص الحركة. يعني مروة تاكل، وتخلي جوزها يتريق، ولما أدافع عن كرامة بيتي، يروحوا يجروا يستقووا بعمي الكبير؟! ماشي يا مروة.. القعدة دي مش هتخلص إلا على حق واضح، ولو فاكرين إن عمي فتحي هيخليني أطاطي وأكسر مراتي قدامهم، يبقوا ميعرفوش طارق.
طب والعيال؟ سألته وأنا باصة ناحية الأوضة.
العيال يدخلوا جوة، يوسف ياخد سيف ويقفلوا الباب، وميطلعوش مهما سمعوا صوت. وإنتِ.. تقفي جمبي، راسك مرفوعة، ومترديش غير لما أقولك، بس متنزليش عينك من عين حد فيهم. إحنا مغلطناش، وإحنا أصحاب حق.
دخلت الولاد، بوست راس يوسف وقلتله حبيبي، خليك جوة وذاكر لأخوك ومتقلقش خالص، بابا وماما مفيش حاجة هتحصلهم، بس ده عمو فتحي جاي يسلم ويمشي. يوسف هز راسه بذكاء يفهم أكتر من سنه، وقفل الباب وراه بالراحة.
مرت نص ساعة تقيلة، كل دقيقة فيها بتمر كأنها سنة. عقارب الساعة في الصالة كانت بتكتك بصوت عالي كأنها بتعد تنازلي للمواجهة. وأخيرًا، سمعنا صوت خطوات تقيلة وكثيرة طالعة على السلم، خطوات مفيهاش ذوق ولا استئذان، وفجأة، رن الجرس رنة طويلة ومزعجة، ومعاها خبطتين بكف الإيد على الخشب.
طارق بصلي، أخد نفس طويل، وراح فتح الباب.
دخل عمي فتحي الأول، لابس عبايته الرمادي وطاقيته البيضا، راجل في أواخر الستين، وشه مبيضحكش للرغيف السخن، وماسك عكازه في إيده بيخبط بيه في الأرض مع كل خطوة. وراه كان عمي إبراهيم، راجل طيب شوية ومبيحبش المشاكل بس ماشي ورا فتحي في أي كلمة. ووراهم كان أحمد، جوز مروة، داخل عينه في الأرض وعامل نفسه الراجل المصلح والمحروق على العيلة، وأخيرًا، طلعت حماتي مسنودة على بنتها مروة، حماتي حاطة منديل على عينيها وبتمسح دموع مفيهاش أثر للبلل، ومروة ماشية وراها بصة بغيظ وكبرياء كأنها كسبت الحرب.
اتفضلوا.. البيت بيتكم، قالها طارق بصوت هادي وجامد، مفيش فيه لا ترحيب زايد ولا عداوة، مجرد وقفة راجل متمكن من مكانه.
عمي فتحي دخل وقعد على الكنبة الكبيرة في صدر الصالة، سند عكازه بين رجليه، ومردش السلام على طول. استنى لما الكل يقعد؛ حماتي قعدت جنبه وهي بتشهق، ومروة وقفت وراها زي الحرس، وأحمد قعد على طرف الكرسي جمب عمي إبراهيم. أنا وقفت جمب طارق، لا قعدت ولا دخلت المطبخ أعمل شاي ولا قهوة؛ الموقف ده مكانش فيه مكان للمجاملات العبيطة اللي بتضيع الحقوق.
عمي فتحي بص لطارق من فوق لتحت، وقال بنبرة صوت تقيلة وبطيئة إيه اللي سمعته ده يا طارق؟ من إمتى ولاد الحاج محمود الله يرحمه بيعلوا صوتهم على أمهاتهم؟ من إمتى يا ابن أخويا شقى السنين بيترد لأمك بزعيق وقلة قيمة قدام الجيران في بير السلم؟.
حماتي مسكت في الكلمة وانفجرت في العياط بصوت عالي شوفت يا أخويا فتحي؟ شوفت اللي جرالي على كبرتي؟ طردني وبهدلني وقال لي الباب اتقفل بالضبة والمفتاح، وكل ده عشان خاطر صينية أكل! بقى أخته العيانة اللي ضهرها واجعها تستكتر عليها لقمة نزلت في بطنها؟ وعشان مين؟ عشان خاطر السنيورة اللي واقفه جنبه دي، اللي ملت دماغه عليا وعلى أخته!.
مروة دخلت في الكلام بسرعة بنبرة مظلومة والله يا خالو، أنا ما كنت قادرة أقف على رجلي خالص من التعب، وأمي كتر خيرها شافتني كدة قالتلي خدي الصينية عشي بيها عيالك وراجل الغلبان ده اللي طالع عينه، قمت أنا فرحت بحنية أمي ومشيت، أفاجأ بجوزي بيقولي طارق بيكلمني يزعق ويغلط فيا في التليفون ويقول إحنا شحاتين وعايشين على أكل بيته! بقى إحنا شحاتين يا طارق؟.
أحمد جوزها هز راسه وقال بحزن مصطنع عيب يا طارق، إحنا نسايب ولحمنا واحد، وأنا لما كلمتك العصر كنت بهزر معاك وبشكرك على كرمك، تقوم تقلبها خناقة ومسخرة وتخلي عمك فتحي ينزل من بيته في عز الليل عشان صينية مكرونة؟.
الكلام كان متوزع بمهارة، سيناريو محبوك كأنهم مراجعينه على السلم قبل ما يدخلوا. حسيت بدمي بيفور، وحسيت إني لو سكت دلوقتي هبقى فعلاً الخاطية اللي خربت بين الراجل وأهله. بصيت لطارق، لقيت وشه اتغير من الجمود للغضب الحقيقي، بس قبل ما يفتح بقه، حطيت إيدي على دراعه وتقدمت خطوة واحدة لقدام.
عمي فتحي بصلي بحاجب

تم نسخ الرابط