الطيبـة الزايـدة ج ٢ حكـايات مني السيد حصري
حماتي صوتها رن في بير السلم
أنا مكنتش أقص....
اسكتي خالص! عمي فتحي زعق فيها ونهرها بحدة، مسمعش صوتك! إنتِ ست متمردة ومبتشبعيش، طول عمرك باصة في إيد أخوكي ومراته، وجوزك ده لو راجل بجد مكنش قبل ياكل لقمة طالعة بحسرة من بيت حد!.
عمي فتحي وقف على حيله، سند على عكازه، وبص لطارق اللي كان واقف بكرامة وثبات، وبصلي بنظرة كلها احترام وقال حقك عليا أنا يا بنتي. إنتِ بنت أصول، والبت اللي تصون جوزها وتكرم أهله لحد ما يجوا على عيالها وتقف بالحق كده، تتشال على الراس. وطارق مغلطش لما زعل، أي راجل حر عنده نخوة كان هيعمل أكتر من كدة لما يحس إن بيته استبيح.
لف عمي فتحي لحماتي ومروة وقال بلهجة قاطعة لا رجعة فيها اسمعي يا أم طارق.. واسمعي يا مروة، القعدة دي خلصت على الآتي، وتسمعوه كويس عشان لو اتخالف، ماليش قعدة معاكم تاني ولا أنا عمكم ولا أعرفكم أولاً أحمد يطلع من جيبه دلوقتي حالا تمن الطلبات اللي ندى كلفتها في الصينية، ويحطها قدام طارق هنا على الترابيزة، مش عشان طارق محتاج، عشان يتعلم إن أكل الناس مش بلاش، واللقمة الحرام والمنظرة الفارغة بتدفع تمنها من جيبك! ثانياً مروة تعتذر لندى قدامنا كلنا على قلة ذوقها، ورجلك يا مروة متخطيش الشقة دي ولا تمدي إيدك على حاجة تخص بيت طارق، لو هتموتي من الجوع تروحي لبيتك وراجلك يطبخلك، بيت أخوكي له احترامه! ثالثاً أم طارق.. تفضلي في شقتك معززة مكرمة، وابنك يخدمك بعينيه، لكن تتدخلي في أكل وشرب الشقة دي، أو توزعي وتفرقي على حساب ندى وعيالها، ده ممنوع منعا باتا، والحدود دي لو اتكسرت، متلوميش غير نفسك.
أحمد مكدبش خبر، طلع محفظته بإيد مرتعشة، وحط الفلوس على الترابيزة من غير ما ينطق ولا كلمة، وشه كان في الأرض من الخزي. ومروة، بوش مكبوت ومحروق، قربت مني وقالت بصوت واطي ومخنوق حقك عليا يا ندى.. مكنتش أقصد.
بصيت لمروة وقلت بهدوء وثقة حقيقية لأول مرة أحس بيها مسمحاكي يا مروة، بس ياريت تفهمي إن عيالي ولقمتهم خط أحمر، وأنا لما بكرمك بكرمك بأصلي مش عشان أنا ضعيفة أو خايفة منك.
عمي فتحي هز راسه برضا، وطبطب على كتف طارق أنا ماشي يا ابن أخويا، وعايزك تهدي، أمك ملهاش غيرك برضو، بس الحدود دي اتعملت عشان البيوت تفضل عمرانة والمودة تفضل موجودة. يلا يا جماعة.. قدامي على تحت.
نزلوا كلهم، ورا بعض، بخطوات مكسورة وموطيين راسهم، الباب اتقفل وراهم بهدوء، بس المرة دي الهدوء كان معناه راحة، معناه إن كل واحد اتعرف مقامه، وإن الحق رجع لأصحابه من غير ما نكون إحنا اللي ظلمنا أو اتعدينا.
طارق مسك الفلوس اللي أحمد حطها على الترابيزة، مسكها واداهالي في إيدي وقفل صوابعي عليها الفلوس دي تمن تعبك، وبكرة الصبح تنزلي تجيبي اللي نفسك فيه ليكي وللعيال.
بصيت لطارق وابتسمت، حسيت إن جبل كان على صدري وانزاح. الطيبة حلوة، بس لما يكون وراها راجل وسند، ولما تكون الست عارفة إمتى تقول لأ وإمتى توقف أي حد عند حده. فتحت باب الأوضة، لقيت يوسف وسيف باصين ومبتسمين، جريوا عليا وحضنوني، قعدت على الأرض وسطهم وطارق نزل قعد جمبنا وضمنا كلنا في حضنه.
ومن الليلة دي، اتعلمت الدرس اللي عمري ما هنساه الإحراج اللي يضيع حق عيالك مش أدب، ده خيبة.. واللقمة اللي تطلع بكرامة، بتشبع البيت كله رضا وعزة نفس.