بصمة بالإكراه ج 1 حكايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

المنهار
حبيبتي! فوقي يا نور عيني! متسبنيش ونبي!
وفوزية فتحت الباب وهي بتولول وتلطم على وشها بتمثيل رخيص.
لما المسعفين دخلوا وشالوني على النقالة، لمحت كارت واقع من جيب بدلة حازم على الأرض شاهيناز عز الدين للأجهزة والمستلزمات الطبية.
في اللحظة دي.. وأنا طالعة في نقالة الإسعاف بين الحياة والموت، فهمت حاجة واحدة
الإسعاف مكنش جاي بس عشان ينقذ بنتي من بين إيديهم..
الإسعاف ده كان طوق نجاة ربنا باعتهولي، عشان أعيش، وأردلهم الصاع صاعين، وأسوّد عيشتهم واحد واحد!
طول الطريق في عربية الإسعاف، سارينة الإنذار كانت بتصرخ كأنها بتصرخ بالوجع اللي جوايا. الأكسجين محطوط على وشي، والمسعف بيحاول يثبت الكانيولا في إيدي اللي كانت بتترعش من البرد والرعب.
كنت سامعة نبضات بنتي على الجهاز.. سريعة ومكتومة، كأنها بتستغيث وتقولي اتمسكي بيا يا ماما. حازم كان راكب قدام جنب السواق، ووشه في المراية باين فيه التوتر، مش عليا ولا على بنته، لأ.. عينه كانت رايحة جاية على تليفونه، بيطمن إن الفلوس وصلت للست هانم بتاعته، وإن الرسائل ممسوحة ومفيش أي أثر لجريمته.
أول ما نقالة الإسعاف دخلت طوارئ مستشفى النساء والتوليد الحكومي، الدنيا اتقلبت حالة ولادة متعسرة، انفصال جزئي في المشيمة، جهزوا العمليات حالاً لقيصرية طارئة!
حازم جه يمثل دور الزوج المحروق قلبه قدام الدكاترة والتمريض، مسك إيدي وعينه بتلمع بدموع تماسيح رخيصة حبيبتي متخافيش.. قوميلي أنتي والبنت بالسلامة، الدنيا ملهاش طعم من غيرك!
بصيت في عينه وأنا بنهج، ولساني تقيل من البنج اللي بدأ يسري في عروقي، ضغطت على إيده ضغطة خفيفة ومردتش بكلمة.. بس نظرتي كانت كافية تقوله أنا شوفتك. وشه جاب ألوان وسحب إيده بسرعة كأنه لمس جمرة نار.
دخلت العمليات، والستاير الخضرا اتحطت قدامي.. صوت الدكاترة وأجهزة النبض، وبعد نص ساعة من الرعب، سمعت صوت صرخة ضعيفة.. صرخة شقت قلبي وخلت دموعي تنزل من غير حس. مبروك، بنوتة زي القمر.. بس لازم تدخل الحضانة كام يوم عشان نفسها سريع ومية الجنين كانت ناقصة.
غمضت عيني وأنا بقول في سري الحمد لله.. بنتي عايشة، والحي باقيله حق.
خرجت على أوضة الملاحظة وتاني يوم الصبح اتنقلت أوضة عادية. حازم مكنش موجود؛ سابني وراح بحجة إنه بيجيب طلبات من البيت وبيطمن على أمه. أما فوزية، فشرفت العصر، داخلة ولابسة عبايتها الشيفون ودهبها، وماشية تتبختر في الطرقة كأنها جاية تتفرج على مسرحية، ومعاها قريبتها عشان تكمل البرستيج قدام الناس.
أول ما دخلت، رمت كيس جوافة دبلانة على الكومودينو وقالت ببرود حمد الله على السلامة يا ختي.. شوفتي بقى إنك كبرتي الموضوع؟ ولادة قيصرية زي كل الستات، مكنش له لزوم الفضايح وسارينة الإسعاف اللي لمت علينا التجمع كله، والناس فكرونا قاتلين قتيل في وقفة العيد!
بصيتلها من تحت لفوق، وكنت لسة تعبانة والخرطوم في إيدي، بس صوتي طلع هادي، هدوء يسبق العاصفة والمهم.. المعازيم انبسطوا في العزومة يا حماتي؟ كلوا الرقاق والجلاش؟
فوزية بوزت وشها وقالت بغل معازيم إيه بقى! العزومة باظت واللحمة نشفت بسببك! الناس اتصلوا يباركوا بالعيد، اضطريت أقولهم إنك اتمارضتي وجاتلك طلقة كدابة، ومحدش جه.. شفتي كسرة النفس اللي حطيتي ابني فيها؟
سكتّ، ومردتش.. كنت محتاجة أجمع طاقتي لحاجة تانية خالص. أول ما فوزية خرجت ترغي في التليفون في الطرقة، مديت إيدي بالعافية وفتحت درج الكومودينو، كان فيه تليفوني اللي الممرضة حطتهولي مع شنطة هدومي.
أول حاجة عملتها، فتحت تطبيق البنك. الرصيد 14250 جنيه. من أصل 2 مليون و ألف جنيه! كشف الحساب مكتوب فيه بوضوح تحويل بنكي لحظي لحساب شاهيناز عز الدين الغرض دفعة تعاقد مستلزمات.
دمي فار، بس مكنش وقت عياط ولا نواح.. البكا للضعاف، وأنا بنت الورشة اللي ربتني مكن الخياطة والحديد والتعامل مع حيتان السوق في المناصرة.
فتحت تليفوني التاني.. تليفون صغير قديم كنت شايلاه في شنطة المستشفى للطوارئ، ومسجل عليه أرقام الصنايعية بتوعي. كلمت المعلم بيومي، كبير الأسطوات في ورشتي وراجل عجوز كان صاحب أبويا الله يرحمه وبيعتبرني زي بنته.
ألو، أيوة يا معلم بيومي.. ست البنات! ألف حمد الله على سلامتك، الواد صابر قال لي إنك ولدتي.. إيه الأخبار، أنتي كويسة؟ بيومي.. اسمعني كويس، ومتقاطعنيش. الورشة مفتوحة؟ مقفولة عشان العيد يا بنتي، بس أنا قاعد في القهوة اللي قصادها، خير فيه إيه؟ عايزاك تروح حالا على الورشة، تاخد دفتر الشيكات اللي في الخزنة الحديد، وعقود التوريد بتاعة مطاعم الشيخ زايد، وتغير كالون الباب البراني وباب المكتب، ومتسلمش مفتاح لمخلوق، حتى لو حازم جه وصرخ وقالكم إنه جوزي وهيطلب الشرطة.. فاهم يا بيومي؟ فاهم يا بنتي ومن غير ما تسألي.. بس قوليلي في إيه؟ المحروس عمل معاكي حاجة؟ حازم سرقني يا بيومي.. سرق شقا الورشة ومقدم المخزن وراح يفتحه مع واحدة تانية. وحياة تربة أبوكي الغالي ما هيطول منها مليم، ولا هيلمس مسمار في المناصرة طول ما أنا على وش الدنيا! ارتاحي أنتي بس وبصي لصحتك، والرجالة هنا في ضهرك.
قفلت مع بيومي، وحسيت إن ضهري اتسند شوية، بس المعركة الكبيرة مكنتش في الورشة.. المعركة كانت إزاي أرجع حقي قانونيًا من غير ما يقدروا يثبتوا إني حولت بمزاجي، لأن حازم استغل بصمتي والتحويل تم من على جهازي المعتاد.
مسكت التليفون وكلمت أستاذ عصام، محامي الورشة وصاحب خبرة
تقيلة في قضايا النصب والشركات. حكيتله كل تفصيلة اللي حصل في المطبخ، مية الولادة اللي نزلت، رمي التليفون، المنديل المبلول اللي مسحوا بيه صباعي عشان البصمة تلقط، والتحويل اللي تم وأنا بين الحياة والموت والإسعاف على الباب.
عصام اتنهد تنهيدة طويلة وقال دي جريمة مركبة يا مدام ندى.. بس فيها نقطة قاتلة لصالحنا، ونقطة تانية هما افتكروا إنهم أذكياء فيها، بس هتوديهم في ستين داهية! نقطة إيه يا متر؟ وقت التحويل! أنتي مسجلة خروج وتاريخ تحرك عربية الإسعاف في الدفاتر الرسمية بيبدأ 235، ودخولك المستشفى متسجل 305.. التحويل تم الساعة كام من الأبلكيشن؟ بصيت في الإشعار تم الساعة 231 الضهر! الله ينور عليكي! في نفس الدقيقة اللي المسعفين كانوا بيخبطوا فيها على الباب، وتقرير الإسعاف الأولي بيثبت إنك كنتي في حالة إغماء وهبوط حاد في الدورة الدموية وانفصال مشيمة.. يعني يستحيل طبيًا وعقليًا تكوني في كامل وعيك وأنتي بتكتبي أرقام وبتحولي ملايين بمزاجك! دي سرقة بالإكراه واستغلال عجز طبي، غير البلاغ اللي هنعمله في مباحث الأموال العامة ومباحث الإنترنت عن اختراق وسرقة رصيد بنكي.
قبل ما أرد، لقيت باب الأوضة بيتفتح فجأة. حازم دخل، ومعاه شنطة هدايا صغيرة شكلها شيك جداً، وباين عليه الانتشاء والروقان، ورافع مناخيره في السما كأنه بقى مليونير رسمي.
قفل الباب وراه وابتسم ابتسامة صفرا حبيبتي.. بقيتي أحسن؟ جبتلك شوكولاتة من المحل اللي بتحبيه.. وجبتلك كمان خبر هيفرحك أوي.
بصيتله وأنا بقفل الشاشة وبخفي التليفون تحت المخدة خبر إيه يا حازم؟ قرب وقعد على طرف السرير، ووطى صوته كأنه بيقولي سر خطير خلاص.. اشتريت حصة في شركة توريد مستلزمات طبية، وبقيت شريك رسمي مع ناس تقال في السوق، والعيادة الجديدة اللي في التجمع اتكتبت باسمي أنا وشريكتي دكتورة شاهيناز.. يعني خلاص، مش هنحتاج لورشة العفش والمفروشات المقرفة بتاعتك دي تاني، كفاية عليكي ترتاحي وتربي البنت!
كنت باصة في عينيه بكل هدوء وغيظ مكتوم، وسألته بنبرة باردة زي التلج وشريكتك دكتورة شاهيناز دي.. هتديك النسبة بتاعتك كده ببلاش يا حازم؟ ولا أنت دفعتلها حاجة من جيبك؟
وشه اتخطف لثانية، بعدين ركب وشه البجح تاني وقال دفعت طبعاً.. أنا راجل وعندي مصادري، وربنا فتحها عليا، ملكيش دعوة بالتفاصيل المهم إننا هنعيش في مستوى تاني.
في اللحظة دي، تليفون حازم اللي على التربيزة رن. الاسم نور على الشاشة قدامي بوضوح شاهيناز المستلزمات. حازم اتوتر، ومد إيده بسرعة عشان يقفل الخط، بس أنا خطفت التليفون من قدامه بحركة أسرع مما يتخيل، وصوابعي داست على زرار فتح الخط وفتحت السبيكر بصوت عالي..
صوت واحدة مايع وواثق جه من السماعة حازومي.. حبيبي، الفلوس سمعت في حساب الشركة خلاص، 2 مليون و ألف كاملين.. العقد اتطبع باسمي وباسمك زي ما اتفقنا، مستنياك في كافيه المعادي نحتفل ونمضي الأوراق قبل ما نسافر الغردقة بكره.. متتأخرش عليا يا روحي!
الأوضة بقت ساكتة سكوت الموت. حازم وشه بقى لونه أبيض زي الكفن، وعينيه جحظت وهو باصصلي، مش عارف ينطق ولا يمد إيده ياخد التليفون.
بصيتله وابتسمت ابتسامة هادية جداً، وقربت وشي منه وقولتله في المايك بصوت واضح خلى اللي على الطرف التاني تتصنم ألف مبروك يا شاهيناز يا حبيبتي.. بس اعملي حسابك تلبسي أنتي وحازومي طقمين حلوين كده ويدفوا، عشان حجزتلكوا سهرة الليلة دي، بس مش في كافيه المعادي.. السهرة هتبقى في نيابة الأموال العامة وقسم التجمع!
يتبع

تم نسخ الرابط