جوزي أرسل إليَّ مئةً وخمسين ألف
جوزي أرسل إليَّ مئةً وخمسين ألف دينارٍ عراقي عن طريق الخطأ فرحتُ من أعماق قلبي، لكن حين قرأتُ الرسالة المكتوبة أسفل التحويل، شعرتُ بصدمةٍ لم أعش مثلها طوال حياتي
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وثلاثٍ وأربعين دقيقة ليلًا.
كانت ليان تجلس في مطبخ شقتها بمدينة بغداد، وقد أثقل الحملُ قدمَيها في شهرها السابع، بينما تنتظر غليان شاي البابونج فوق الموقد.
في الخارج، كان المطر يضرب نوافذ الشرفة بعنف، والبرد يملأ الأزقة الهادئة.
وفجأة
اهتز هاتفها فوق الطاولة.
تمت إضافة مبلغ 15000000 دينار عراقي إلى حسابكم.
لثانيةٍ واحدة، ابتسم قلبها بسذاجةٍ بريئة، وظنت أن زوجها حيدر قد عاد إلى رشده أخيرًا، وأرسل المال الذي طالما تشاجرا بسببه؛ مال غرفة الطفلة ومصاريف الولادة.
فكل يومٍ كان يكرر عليها الأعذار نفسها
العمل متوقف يا ليان
الشركة تمر بأزمة
أنتِ تبالغين في المصاريف
الأطفال لا يحتاجون إلى كل هذا الترف!
لكن الصدمة لم تكن في المال
بل في الملاحظة المكتوبة أسفل التحويل
إلكِ يا زهراء يا عمري ولابننا الجاي. أحبج.
شعرت ليان بأن الأرض تدور بها.
اختنق الهواء في صدرها، وتحولت حركة طفلتها داخل بطنها إلى طعناتٍ موجعة.
زوجها متزوج سرًّا والمرأة الأخرى حامل منه أيضًا؟!
لكن ليان لم تكن امرأةً ضعيفة.
تذكّرت كلمات والدتها الراحلة دائمًا
المرأة المكسورة تبچي بعدين أمّا أولًا، فتحمي نفسها.
لذلك
لم تبكِ.
ولم تُحطم الهاتف.
بل التقطت صورةً للشاشة فورًا، وأرسلتها إلى بريدها الإلكتروني، ثم حمّلت إيصال التحويل واحتفظت بكل شيء أكثر من مرة.
بعدها أغلقت الموقد وجلست تنتظر عودته.
عاد حيدر بعد الواحدة ليلًا، تفوح منه رائحة عطرٍ نسائي فاخر.
خلع سترته بتعبٍ مصطنع، ثم نظر إليها مستغربًا لأنها ما تزال مستيقظة.
قال بلهجةٍ باردة
بعدچ صاحيّة؟ واضح تعب الحمل مأثر عليچ هواي.
نهضت ليان ببطء، بينما تخفي ارتجاف جسدها خلف هدوءٍ مرعب.
وسألته
شلون الشغل؟
تنهد وهو يسكب لنفسه كوب ماء
ضغط وخسائر ومشاكل ولهذا دائمًا أطلب منچ تخففين المصاريف شويّة. دا أحاول أأمّن مستقبلنا.
كادت تضحك في وجهه.
مستقبلهم؟
أم مستقبل طفله من امرأةٍ أخرى؟
لكنها اكتفت بالقول
زين روح ارتاح.
نظر إليها بدهشة.
كان يتوقع شجارًا، أو أسئلة، أو دموعًا
لكنها لم تمنحه شيئًا.
وفي صباح اليوم التالي، بينما كان داخل الحمّام، أضاء هاتفه الموضوع قرب السرير.
لم تلمسه ليان بدافع الشك
بل بدافع امرأةٍ تجمع الأدلة الأخيرة لإغلاق القضية.
ظهرت رسالة من زهراء تقول
حبيبي، إنت حولت الفلوس لحساب مرتك بالغلط أمس! ما كالت شي؟ أموت من الضحك من أتخيّل شكلها من شافت المبلغ!
ثم ظهرت رسالة أخرى بعدها مباشرة
ولا تنسى إن دفعة قاعة الفندق لازم تندفع اليوم، ووالدتك أكدتلي إنها راح تقنع ليان توقّع على التنازل عن بيت الكرخ بعد الولادة.
وهنا فقط شعرت ليان بأن الكارثة أكبر مما تخيلت.
لم يكن الأمر خيانةً فقط
بل مؤامرة كاملة شاركت فيها العائلة بأكملها!
جلست على طرف السرير للحظات، والهاتف ما يزال بين يديها، بينما صوت المياه المتساقطة من الحمّام يملأ المكان.
كان حيدر في الداخل
يقف بكل هدوء تحت الماء
في الوقت الذي كانت حياتها كلها تنهار خارجه.
رفعت ليان عينيها ببطء نحو خزانة الغرفة.
هناك
فوق الرف العلوي
كان ملف الأوراق الذي كانت والدة حيدر تُصرّ منذ أشهر أن توقع عليه.
مجرد وكالة بسيطة لتسهيل المعاملات بعد الولادة.
هكذا كانوا يقولون دائمًا.
لكن الآن فقط
فهمت معنى الإلحاح.
وفهمت سبب استعجالهم.
وفهمت لماذا كانت حماتها تكرر دائمًا
بعد الولادة ستكونين متعبة دعي حيدر يهتم بكل شيء.
لم يكونوا ينتظرون راحتها
بل ضعفها.
شعرت ليان بقشعريرةٍ باردة تسري في جسدها كله.
فنظرت نحو باب الحمّام المغلق
ولأول مرة منذ زواجهما
شعرت بالخوف الحقيقي من الرجل الموجود خلف ذلك الباب.
لكن بدل أن تنهار
فتحت هاتفها بهدوء.
صوّرت الرسائل.
أرسلتها إلى بريدها الإلكتروني.
ثم نقلت كل الأدلة إلى مساحة تخزين سرية كانت تستخدمها قديمًا في عملها.
بعدها أغلقت الهاتف ببطء
وكأنها تغلق بابًا أخيرًا في قلبها.
وحين خرج حيدر من الحمّام بعدها بدقائق، وجدها تجلس بهدوءٍ مخيف، تحتسي كوب الماء وكأن شيئًا لم يحدث.
ابتسم لها بثقة الرجل الذي يظن أن الجميع
أما ليان
فكانت تنظر إليه للمرة الأخيرة بعين الزوجة.
لأنها منذ تلك اللحظة
بدأت تتحول إلى امرأةٍ تقاتل لتحمي نفسها وطفلتها.
في ظهر ذلك اليوم، لم تنتظر ليان عودة حيدر إلى المنزل.
ارتدت عباءتها السوداء الواسعة، وأخفت بطنها المنتفخ بصعوبة، ثم خرجت تحت المطر وهي تشعر أن كل خطوةٍ تسحب من روحها شيئًا.
كانت تعرف وجهتها جيدًا.
بيت أهلها في الأعظمية.
منذ زواجها، كان حيدر يحاول دائمًا إبعادها عن عائلتها بحججٍ كثيرة
إخوتكِ يتدخلون كثيرًا
أمكِ تكرهني
البيت لا يُبنى بكثرة الشكاوى
حتى أصبحت تزورهم قليلًا، وتخفي عنهم نصف ما تعيشه.
لكن هذه المرة
لم تعد تستطيع حمل كل شيء وحدها.
فتحت لها شقيقتها الكبرى، سارة، الباب، وما إن رأت وجهها الشاحب حتى شهقت بفزع.
ليان؟! ماذا حدث؟!
حاولت ليان التماسك، لكن الدموع التي حبستها طوال الليل خانتها أخيرًا.
انهارت في حضن أختها وهي ترتجف.
وخلال دقائق، كان إخوتها الثلاثة يجلسون حولها في غرفة الضيوف، بينما والدها أبو علي يضغط سبحته بعصبيةٍ واضحة.
وضعت ليان الهاتف أمامهم بصمت.
قرأوا الرسائل.
ثم عمّ الصمت.
صمت ثقيل يشبه ما يسبق الانفجار.
أول من تكلم كان أخوها الأوسط مصطفى، وقد احمرّت عيناه غضبًا
والله لأدفنه حيًّا
لكن والدها رفع يده فورًا.
لا أحد يتحرك.
نظر الجميع إليه.
كان وجهه قاسيًا بطريقة أخافت ليان نفسها.
وقال ببطء
الرجال الذين يخونون
يخافون الفضيحة والقانون وخسارة كل شيء.
ثم التفت نحو ابنته.
هذا البيت بيتك يا ليان قبل أن