منذ أن دخلت شهرها السادس

لمحة نيوز

منذ أن دخلت شهرها السادس، وزوجةُ سفيان ترفض مغادرة الفراش تمامًا… لا تفتح باب غرفتها، لا تسمح لأحد بلمسها، وتبقى طوال اليوم مختبئة تحت بطانيةٍ سميكة وهي ترتجف كلما اقترب منها زوجها، حتى بدأت والدته تتهمها بالكسل والتمارض، مؤكدةً أنها تخدعه وتستغل تعبه وعمله الطويل.

في البداية، حاول سفيان الدفاع عنها.

كان يقول لنفسه إن الحمل مُرهق…
وإن زوجته “مليكة” ليست من النوع الذي يتصنع المرض أو يتهرب من المسؤولية.

لكن شيئًا ما داخل البيت بدأ يتحول ببطء إلى كابوس خانق.

مليكة لم تعد تخرج من الغرفة أبدًا.
أصبحت ترفض الطعام إلا بصعوبة.
حتى ضوء الشمس كانت ترفض دخوله.

والأغرب من ذلك كله…
أنها كانت تدخل في حالة رعب حقيقية كلما حاول سفيان الاقتراب من البطانية التي تغطي جسدها بالكامل.

أما والدته، فكانت تستغل الأمر كل يوم لتزيد النار اشتعالًا.

“زوجتك ليست مريضة… إنها تتلاعب بك.”
“أنت تعمل كالحمار طوال اليوم وهي نائمة منذ أسابيع!”
“في زماننا كانت المرأة الحامل تطهو وتغسل وتتحمل، لا تختبئ تحت الأغطية كالأطفال!”

ومع مرور الأيام…
بدأ الشك يتسلل إلى قلبه رغم حبّه الكبير لها.

خصوصًا بعدما لاحظ أنها لم تعد تسمح له حتى بأن يساعدها على النهوض أو السير إلى الحمام، وكانت تتمسك بالبطانية بقوة مرعبة كلما حاول لمسها، وكأن تحتها سرًا لا تريد لأحد أن يراه.

وفي ليلةٍ باردة ماطرة…
عاد

سفيان إلى شقته المتواضعة في إحدى أحياء العاصمة الجزائرية بعد أكثر من خمس عشرة ساعة من العمل المتواصل.

كان مرهقًا، مبتلّ الثياب، بالكاد يقف على قدميه.

وما إن فتح الباب…
حتى سمع صوت والدته يخرج من المطبخ بسخرية حادة:

“اذهب وانظر إلى زوجتك… منذ يومين لم تتحرك من فوق السرير وكأنها جثة!”

شعر بشيء ينفجر داخله.

دخل الغرفة بخطوات سريعة، ليجدها كما تركها صباحًا…
مستلقية في الظلام، تضم البطانية إلى جسدها وكأنها تحتمي بها من العالم كله.

اقترب منها وقال بصوتٍ مرتجف من الغضب والتعب:

“مليكة… إلى متى سيستمر هذا؟ أخبريني ماذا تخفين عني!”

لكنها بدأت تبكي فورًا…
ثم تشبثت بالغطاء بكل قوتها وهمست بصوتٍ مخنوق أرعبه:

“أرجوك يا سفيان… لا تنظر إليّ… أرجوك.”

في تلك اللحظة…
شعر لأول مرة بالخوف منها.

لكن كلمات والدته، والتعب، والأسابيع الطويلة من الصمت والغموض…
حطمت آخر ذرة صبرٍ داخله.

فأمسك البطانية بعنف…
وجذبها دفعةً واحدة.

وفي الثانية التالية…

سقط سفيان على ركبتيه، وقد تحطم تمامًا بعد أن اكتشف الحقيقة المرعبة التي كانت زوجته تخفيها تحت البطانية طوال تلك الأسابيع.

الجزء الثاني

ما إن سحب سفيان البطانية بعنف…
حتى شعر أن قلبه توقف داخل صدره.

تجمّد في مكانه للحظات طويلة، غير قادر على استيعاب ما تراه عيناه.

كانت ساقا مليكة متورمتين بصورة مخيفة، حتى بدا جلدهما مشدودًا

بطريقة مؤلمة، وقد غطّت الكدمات الزرقاء والبقع الداكنة معظم قدميها حتى أعلى ساقيها، بينما ظهرت عروق منتفخة بلونٍ مخيف تحت الجلد الشاحب.

بدت وكأنها تتعذب بصمت منذ أسابيع طويلة.

سقطت البطانية من يده ببطء…
ثم تراجع خطوة إلى الخلف وهو يضع يده على فمه، وكأن الهواء اختفى فجأة من الغرفة.

أما مليكة…
فما إن رأت نظرات الصدمة في عينيه حتى انفجرت بالبكاء بطريقة هستيرية، وأسرعت تحاول تغطية نفسها بيديها المرتجفتين.

قالت بصوتٍ متقطع تختنق فيه الكلمات:

“كنتُ خائفة يا سفيان… والله كنت خائفة…”

لكن سفيان لم يكن قادرًا على الكلام.

كان ينظر إلى زوجته وكأنّه يراها للمرة الأولى.

كل تلك الأيام…
كل تلك الليالي التي ظنّ فيها أنها تتصنع المرض…
كانت تتألم وحدها بهذا الشكل؟

اقترب منها أخيرًا، وجثا على ركبتيه أمام السرير، ثم أمسك يدها المرتجفة بكلتا يديه وهو يقول بصوتٍ مكسور:

“لماذا يا مليكة؟ لماذا أخفيتِ عني كل هذا؟”

أجهشت بالبكاء أكثر، ثم قالت وهي تحاول التقاط أنفاسها:

“لأنني خفت أن أفقد طفلنا…”

ارتجف قلبه عند سماع الجملة.

أخفضت رأسها وأكملت بصوتٍ ضعيف:

“بعد حملي الأول… وبعدما فقدتُ الجنين… أصبحت أخاف من كل شيء. كنت أظن أن أي شكوى أو أي تعب يعني أنني سأخسره مرة أخرى…”

ثم رفعت عينيها إليه وقد امتلأتا بالدموع:

“وكل يوم كانت والدتك تردد أمامي أن المرأة الضعيفة تؤذي طفلها،

وأن الزوج يملّ من المرأة كثيرة الشكوى… حتى بدأت أصدق أن صمتي أفضل من أن أخسركما معًا.”

شعر سفيان وكأن الكلمات تغرس السكاكين داخل صدره.

تذكّر كل مرة سمع فيها والدته تسخر منها والتزم الصمت.
كل مرة رأى الدموع في عيني زوجته ولم يسألها بجدية.
كل مرة عاد متعبًا وفضّل الهروب من المشاكل بدل احتضان المرأة التي كانت تنهار بصمت أمامه.

وفي تلك اللحظة…
شعر بأنه خذلها.

سمعا صوت والدته من خلف الباب تقول بنبرة ضجر:

“ماذا يحدث؟ ألم أقل لك إنها تبالغ فقط؟”

رفع سفيان رأسه ببطء، ثم نهض واتجه نحو الباب.

كانت والدته تقف في الممر، تنظر بقلقٍ ممزوج بالإنكار.

قالت وهي تحاول التخفيف من الأمر:

“ربما مجرد تورم طبيعي… النساء الحوامل يحدث معهن هذا دائمًا…”

لكن سفيان قاطعها لأول مرة بصوتٍ هادئ، إلا أنه كان ممتلئًا بالألم:

“أمي… زوجتي كانت تموت بصمت.”

ساد الصمت لثوانٍ طويلة.

ثم تابع وهو يخفض عينيه بحزن:

“لا أريد أن أرفع صوتي عليكِ… ولا أريد أن أكون عاقًا لكِ… لكن مليكة تحتاج إلى الراحة والطمأنينة، وهذا البيت لم يعد يمنحها ذلك.”

بدت الصدمة على وجه والدته.

أما هو فأكمل بصوتٍ مبحوح:

“أرجوكِ يا أمي… عودي إلى بيت خالتي لبضعة أشهر حتى تضع مليكة طفلها بسلام. هذا أفضل لنا جميعًا.”

اتسعت عيناها بعدم تصديق، وكأنها لم تتوقع يومًا أن تسمع منه هذا الكلام.

قالت بحزن:

“أتطلب مني المغادرة

لأجل زوجتك؟”

أطرق سفيان رأسه للحظة، ثم قال بهدوء مؤلم:

“لا يا أمي… أطلب منكِ ذلك لأجل ابني… ولأجل المرأة التي استأمنني الله عليها.”

ساد الصمت مجددًا.

تم نسخ الرابط