منذ أن دخلت شهرها السادس
ولأول مرة منذ سنوات…
شعرت والدته أن كلماتها ربما ذبحت إنسانة دون أن تنتبه.
لم تجادل كثيرًا.
دخلت غرفتها بهدوء، وبدأت تجمع أغراضها بصمتٍ ثقيل، بينما كان سفيان يسمع صوت بكائها الخافت من خلف الباب.
أما هو…
فعاد مسرعًا إلى مليكة.
وجدها ترتجف من الحمى، ودموعها لا تتوقف.
اقترب منها فورًا، ثم جلس بجانبها وضمّها إلى صدره بحذر شديد.
ولأول مرة منذ أسابيع…
سمحت لنفسها أن تنهار بين ذراعيه بالكامل.
كانت تبكي وكأنها تفرغ كل خوفها دفعة واحدة.
أما سفيان…
فلم يتوقف عن الاعتذار.
“سامحيني… سامحيني لأنني لم أفهمك.”
“سامحيني لأنني تركتكِ وحدكِ مع خوفك.”
“أقسم لكِ أنني لن أتركك بعد اليوم.”
وبيدين مرتجفتين، التقط هاتفه واتصل بالإسعاف.
خلال دقائق، امتلأ البيت بأصوات المسعفين والحركة السريعة.
وحين كشف أحدهم ساقي مليكة…
تغيّرت ملامحه فورًا.
قال بجدية شديدة:
“يجب
شعر سفيان أن الدم انسحب من جسده كله.
رافقها داخل سيارة الإسعاف وهو يمسك يدها بقوة، بينما كانت عيناها نصف مغلقتين من شدة الألم والإرهاق.
كانت تتمتم بصوتٍ ضعيف:
“لا أريد أن يموت طفلي…”
فانحنى يقبّل رأسها وهو يقاوم دموعه:
“لن يحدث شيء بإذن الله… لن أسمح أن تخسراكما.”
وصلوا إلى المستشفى بعد دقائق بدت له كأنها سنوات.
أخذها الأطباء بسرعة إلى قسم الطوارئ، بينما بقي سفيان وحيدًا في الممر الأبيض البارد.
جلس على الكرسي وهو يدفن وجهه بين كفيه.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل…
بكى.
بكى بحرقة رجلٍ اكتشف متأخرًا أن المرأة التي أحبها كانت تستغيث بصمت بينما الجميع يتهمها بالضعف والكسل.
مرّت الساعات ثقيلة بشكلٍ لا يُحتمل.
وكان كل باب يُفتح يجعل قلبه يرتجف خوفًا من سماع خبرٍ سيئ.
حتى خرجت الطبيبة أخيرًا بعد ساعات طويلة من العلاج.
اقترب منها
قال بصوتٍ مرتعش:
“كيف هي؟ أخبريني فقط أنها بخير…”
تنهدت الطبيبة ثم قالت:
“لقد وصلت في الوقت المناسب.”
كادت ساقاه تخونانه من شدة الارتياح.
ثم أكملت الطبيبة:
“زوجتك كانت تعاني من حالة خطيرة جدًا من التجلطات وارتفاع ضغط الحمل. لو تأخرت ساعات إضافية فقط… ربما خسرناها هي والطفل معًا.”
أغمض عينيه فورًا، وانحدرت دموعه بصمت.
أما الطبيبة فأكملت بلطف:
“لكن الحمد لله… الطفل بخير، ونبضه مستقر. وزوجتك بدأت تستجيب للعلاج.”
رفع سفيان يديه إلى وجهه وهو يردد بصوتٍ مختنق:
“الحمد لله… الحمد لله يا رب…”
وبعد ساعات، سمحوا له بالدخول إليها.
كانت مليكة مستلقية على السرير الأبيض، شاحبة ومرهقة، لكن أنفاسها هادئة.
اقترب منها ببطء، ثم جلس بجوارها وأمسك يدها بحنان.
فتحت عينيها بصعوبة، وما إن رأته حتى ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
لم يتمالك نفسه.
انحنى نحو يدها وقبّلها طويلًا، ثم قال والدموع تملأ عينيه:
“أعدكِ… لن تخافي وحدكِ مرة أخرى.”
ابتسمت بخفوت، ثم همست:
“كنت فقط أحتاج أن أشعر أنك معي.”
أغمض عينيه بألم.
كم كانت جملتها بسيطة…
وكم كانت ثقيلة على قلبه.
ومنذ تلك الليلة…
تغير كل شيء.
خفف سفيان ساعات عمله، وأصبح يقضي معظم وقته بجانب زوجته.
كان يطهو لها الطعام بنفسه، يساعدها على تناول الدواء، ويقرأ القرآن قرب سريرها كل ليلة حتى تنام مطمئنة.
أما والدته…
فكانت تتصل أحيانًا بصوتٍ مكسور لتطمئن على مليكة، وقد أدركت أخيرًا أن بعض الكلمات قد تهدم روح إنسان بالكامل.
وبعد ثلاثة أشهر من الخوف والدعاء والانتظار…
استيقظ البيت أخيرًا على صوت بكاء طفل صغير.
وقف سفيان في غرفة الولادة وعيناه غارقتان بالدموع، بينما كانت مليكة تحتضن طفلها للمرة الأولى.
اقترب منهما ببطء…
ثم قبّل
“لقد انتصرتِ يا مليكة.”
أما هي…
فاحتضنت طفلها الصغير وأغمضت عينيها، شاعرة للمرة الأولى منذ شهور طويلة…
أنها بأمان.