في عيد ميلادي الـ 63، همس ابني أمام الكعكة

لمحة نيوز

تثبت دخوله الورشة ليلًا وتصوير العقود.
في تلك اللحظة
دخل أبو علي وجاسم من الباب.
وجوههما متعبة.
وأيديهما خشنة من سنين العمل.
وضع أبو علي جهازًا صغيرًا فوق الطاولة.
ثم ظهرت اللقطات.
سيف داخل المكتب بعد منتصف الليل.
يفتح الخزنة.
يفتش الأدراج.
ويصور العقود بهاتفه.
شهقت زهراء وهي تضع يدها فوق فمها.
أما أنا
فلم أعد أرى ابني.
بل رجلًا غريبًا يجلس في بيتي ويراقب موتي بصبر.
قال سيف فجأة بغضب
نعم فعلت!
ارتفع صوته للمرة الأولى.
لأنكم جميعًا كنتم تعاملونني كطفل!
ضرب الطاولة بيده حتى ارتجفت استكانات الشاي.
العمال كانوا أقرب إليك مني!
الورشة لهم!
البيت لهم!
وأنا ماذا كنت؟!
ساد الصمت.
حتى الأطفال تجمّدوا في أماكنهم.
أما أنا
فشعرتُ بشيء بارد يمر داخل صدري.
لأن جزءًا مني
عرف أنه لا يكذب بالكامل.
أكمل وهو يحدّق نحوي بعينين متعبتين
كنتَ دائمًا الحاج كاظم
الرجل الذي يخافه الجميع ويحترمه الجميع.
أما أنا
فكنتُ مجرد ابن يعيش في ظلك.
ارتجفت رقية الصغيرة وهي تنظر إلى والدها بخوف.
أما آدم
فبدأ بالبكاء بصوت منخفض.
فشعرتُ بأن البيت كله ينهار أمام الأطفال.
قال فاضل بصرامة
اخفض صوتك يا سيف.
لكن سيف لم يتوقف.
بل نظر إليّ مباشرة وقال
نعم
كنتُ أنتظر موتك.
سقطت الجملة فوق السفرة كالرصاص.
حتى زهراء تراجعت للخلف وكأن أحدهم صفعها.
ثم همست
سيف!
لكنه أكمل بصوت متعب ومكسور
لأن حياتي كانت متوقفة.
كنتُ أعيش في انتظار دوري فقط.
كل شيء كان باسمك.
كل شيء كان تحت سيطرتك.
وأنا
كنتُ مجرد رجل ينتظر أن يُسمح له بالحياة.
لم أشعر بالغضب.
بل شعرتُ بحزن ثقيل.
حزن رجل اكتشف متأخرًا أن المسافة بينه وبين ابنه كانت أكبر بكثير مما تخيل.
لكن ذلك
لم يمحُ الخيانة.
رفعتُ رأسي نحوه وقلت بهدوء
كان
يمكنك أن تطلب مساعدتي

لا أن تنتظر جنازتي.
انهار سيف على الكرسي.
وأخفض رأسه بين يديه.
أما زهراء
فجلست تبكي بصمت وهي تنظر إلى أوراق الديون وكأنها ترى حياتها تتحطم أمامها.
ثم قالت فجأة وهي تنظر إليه
هل القمار حقيقي؟
لم يجب.
صرخت بصوت مرتجف
انظر إليّ يا سيف!
لكنه ظل صامتًا.
وكان ذلك أسوأ اعتراف ممكن.
وضعت زهراء يدها فوق رأسها وكأنها فقدت القدرة على التنفس.
يا إلهي
كنتَ تخسر أموالنا كلها؟
أجاب أخيرًا بصوت خافت
في البداية ظننتُ أنني سأعوض كل شيء.
ضحك فاضل بمرارة.
هذه هي الجملة التي يقولها كل رجل يغرق في الديون.
رفع سيف رأسه بعصبية
لا تتحدث وكأنك تعرفني!
لكن فاضل لم يتراجع.
أنا لا أعرفك
أنا فقط رأيت عشرات الرجال الذين خسروا بيوتهم بالطريقة نفسها.
ثم فتح ملفًا جديدًا.
هناك قروض شخصية.
وبطاقات ائتمانية.
ومبالغ مستحقة خلال أسابيع.
تجمّدت زهراء.
أسابيع؟
أجاب فاضل
ولو لم تُسدّد
كانت الجهات الدائنة ستبدأ بإجراءات قانونية.
ثم نظر نحوي وأكمل
لهذا كان يريد نقل الورشة باسمه بسرعة.
خفض سيف رأسه مرة أخرى.
أما أنا
فبدأت أفهم أخيرًا حجم الكارثة التي كانت تقترب من البيت دون أن أشعر.
قال أبو علي بصوت هادئ
قبل شهرين
وجدناه داخل الورشة بعد منتصف الليل.
وأضاف جاسم
وعندما سألناه، قال إنه يراجع الحسابات.
تنهد أبو علي بحزن
لكنه كان يصور العقود.
أغمضتُ عيني للحظة.
لأن الورشة لم تكن مجرد مكان عمل بالنسبة لي.
كانت عمري كله.
عرقي.
وشبابي.
وسنوات الجوع والتعب.
وفكرة أن ابني كان يستعد لبيعها
بدت كأن أحدهم يقتلع قلبي ببطء.
قالت زهراء وهي تبكي
لماذا لم تخبرني بالحقيقة؟
أجاب بصوت متعب
لأنني كنتُ أخجل.
ثم رفع عينيه نحوي فجأة وقال
هل تعرف ما الأسوأ يا أبي؟
لم أجب.
فقال
أنني كنتُ
أكره نفسي كل ليلة

لكنني كنتُ أعود وأفعل الشيء نفسه.
ساد الصمت مرة أخرى.
وفي الخارج
ارتفع أذان المغرب.
فدخل الصوت إلى البيت كأنه يقطع ذلك الاختناق للحظة قصيرة.
نظر آدم نحوي بعينين دامعتين.
ثم اقترب ببطء وتمسّك بثوبي.
جدي
هل أبي سيأخذ البيت؟
أغلقتُ عيني للحظة.
لأن السؤال كان أقسى من كل الأوراق والديون.
نظرتُ إلى الطفل الصغير.
ثم إلى ابني المنهار أمامي.
وقلت بهدوء موجع
لا يا حبيبي
البيت سيبقى بيتكم.
بدأ آدم بالبكاء أكثر.
أما رقية
فكانت تنظر إلى والدها وكأنها لا تعرفه.
ثم سألت بصوت مرتجف
بابا
أنت كنتَ تريد أن تبيع بيت جدي؟
انهار سيف تمامًا عند تلك اللحظة.
وأخفى وجهه بين يديه.
أما زهراء
فجلست تبكي بصمت وهي تردد
لماذا فعلت بنا هذا؟
وللمرة الأولى منذ بداية الليلة
لم أشعر بالغضب تجاه ابني.
بل شعرت بالخوف.
الخوف من أن الصمت الطويل داخل العائلات
قد يحوّل الأبناء إلى غرباء دون أن ينتبه أحد.
وفي تلك اللحظة
أدركت أن الكارثة الحقيقية لم تكن الديون.
ولا القمار.
ولا العقود.
بل السنوات التي عشناها تحت سقف واحد
دون أن يعرف أحدنا ما الذي يتحطم داخل الآخر بصمت.
ظلّ أذان المغرب يتردد داخل البيت
صوتٌ هادئ.
لكنّه كان يمرّ فوق قلوبنا كالسكاكين.
لم يتحرك أحد.
حتى الأطفال جلسوا بصمتٍ غريب، وكأنهم شعروا أن شيئًا أكبر من قدرتهم على الفهم قد انكسر أمامهم.
كان سيف ما يزال مطأطئ الرأس.
ويداه ترتجفان فوق الطاولة.
أما زهراء
فكانت تبكي بصمت وهي تحدّق في أوراق الديون كأنها ترى حياتها كلها تغرق أمامها.
أطفأتُ استكانة الشاي بيدي دون قصد.
فانتشرت رائحة الهيل المحروق في الجو.
الرائحة نفسها
التي كانت أمينة تكرهها.
قالت لي مرة
ريحة الهيل المحروق تشبه البيوت الحزينة.
ولأول مرة
فهمتُ ما كانت
تعنيه.

رفع فاضل الملف ببطء.
ثم قال بهدوء ثقيل
يا حاج
ما زال أمامنا وقت قبل أن تتحول المسألة إلى قضية رسمية.
لم أجب.
كنت أنظر فقط إلى ابني.
إلى ذلك الرجل المنهار أمامي
وأحاول عبثًا أن أجد الطفل الذي كان يركض خلفي في الورشة وهو يضحك.
لكنني لم أجده.
قالت زهراء فجأة بصوت متقطع
منذ متى؟
لم يرفع سيف رأسه.
منذ سنة تقريبًا.
شهقت وهي تنظر إليه بصدمة.
سنة كاملة؟!
أجاب بصوت خافت
في البداية كانت مجرد مباريات.
رهانات صغيرة مع الأصدقاء.
ثم ابتسم ابتسامة ميتة وأضاف
وبعد أول مرة ربحت فيها
ظننت أن الله فتحها بوجهي.
ضحك بمرارة.
وبعد أول خسارة
ظننت أنني سأعوّض.
ثم خسرت أكثر.
ثم أكثر.
ثم بدأت أستدين.
سقطت دموع زهراء وهي تنظر إليه.
وأموال المدرسة؟
أخفض رأسه أكثر.
ذهبت.
ومدخراتنا؟
ذهبت أيضًا.
وضعت يدها فوق فمها حتى لا تصرخ أمام الأطفال.
أما أنا
فكنت أشعر أن كل كلمة تخرج من فمه تسحب عمرًا كاملًا من صدري.
قال فاضل وهو يقلب الأوراق
بعض القروض كانت باسمك الشخصي.
لكن هناك طلبات أخرى كانت تحتاج نقل ملكية الورشة أولًا.
ثم رفع إحدى الأوراق.
وهنا كانت المشكلة.
نظر سيف إلى الورقة بصمت.
فأكمل فاضل
لو حصلت على التوكيل الأخير
كان بإمكانك قانونيًا البدء بإجراءات البيع أو الرهن.
قال سيف فجأة بعصبية
لم أكن سأتركه في الشارع!
صرخت زهراء
لكنك كنت ستبيع كل شيء!
ارتفع صوتها للمرة الأولى.
حتى الأطفال ارتعبوا.
اقتربت رقية من أمها بسرعة وهي تبكي.
أما آدم
فاختبأ خلف كرسيي.
نظرت إلى حفيدي الصغير.
كان يرتجف.
فشعرت بشيء ينهار داخلي للمرة الأخيرة.
لأن الأطفال
لا يجب أن يروا آباءهم بهذه الصورة.
ولا يجب أن يتعلموا الخوف داخل بيت العائلة.
وقفت ببطء.
فالتفت الجميع نحوي.
قلت بهدوء
خذوا الأطفال
إلى الغرفة الأخرى.

تحركت زهراء فورًا.
لكن رقية بقيت واقفة مكانها.
وعيناها معلقتان بوالدها.
ثم سألت بصوت مرتجف
بابا
هل أنت لص؟
أغمض سيف عينيه فورًا.
وكأن السؤال طعنه مباشرة في قلبه.
أما زهراء
فأجهشت بالبكاء.
اقتربت من ابنتها بسرعة واحتضنتها.
لا تقولي هذا يا ابنتي
لكن الطفلة بكت أكثر.
لكنه أراد أن يأخذ بيت جدي
لم أعرف ماذا أقول.
ولا سيف عرف.
لأن الحقيقة أحيانًا تكون قاسية إلى درجة أن الأطفال وحدهم يستطيعون قولها ببساطة.
أخذت زهراء الطفلين إلى الداخل.
وبقي الرجال وحدهم حول السفرة.
أنا.
وسيف.
وفاضل.
وأبو علي.
وجاسم.
وصوت الملاعق الباردة فوق الصحون الممتلئة التي لم يعد أحد يريد لمسها.
قال أبو علي بهدوء
تعرف يا سيف
أبوك لم يترك يومًا راتب عامل يتأخر.
رفع سيف رأسه بصمت.
فأكمل
حتى أيام الحصار
كان يبيع ذهب أمك حتى يدفع للعمال.
ابتلع سيف ريقه بصعوبة.
أما جاسم
تم نسخ الرابط