تبنيت بنت جارتي
بنت ذكية، طيبة، حنونة، وقوية بشكل ماكنتش أتوقعه.
في الأول كانت بتناديني باسمي يا طنط.
وبعد سنتين، كنا قاعدين بناكل على طرابيزة العشا، وفجأة قالتلي
يا ماما ممكن تعديلي الملح؟
وقفت لحظة، مكنتش عارفة أرد أقول إيه.
بس ناولتها الملح وكأن مافيش حاجة غريبة اتقالت وكأنها بتناديني ماما من يوم ما اتولدت.
ومن اللحظة دي شهد مبقتش بنت جارتي، بقت بنتي أنا.
مرت عشر سنين كاملة على اختفاء عمر.
وطول السنين دي، شهد ممنطقتش اسمه قدامي ولا مرة وأنا ماسألتهاش.
كنت واخدة عهد على نفسي أنا ما كفلتش شهد عشان أوصل للحقيقة ولا عشان أعرف ابني جرى له إيه.
أنا أخدتها لأنها كانت طفلة لوحدها ومحتاجة أم وهي بقت بنتي، ونقطة.
وفي الذكرى العاشرة لاختفاء عمر، شهد دخلت عليا المطبخ يوم جمعة الصبح.
كانت كبرت وبقت عروسة عندها اتنين وعشرين سنة.
بصتلي وقالت
ماما ينفع نروح عند الترعة النهاردة؟
مارفضتش، وروحت معاها.
وقفنا على الشط والمية ساكتة والهدوء حوالينا.
وفجأة لفت لي، والدموع مالية عينيها، وقالت
أنا عارفة ليه عمر ميرجعش البيت.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
عشر سنين وأنا عايشة بنفس السؤال اللي باكل في قلبي.
قلت بصوت بيموت من الرعشة
قصادك إيه؟
مدت إيدها في شنطتها وطلعت ظرف قديم ومتهالك.
أول ما شفته اتجمدت في مكاني.
اسم مكتوب على الظرف بخط إيد عمر.
قالتلي شهد
هو اللي أداني الظرف دا في الليلة دي كان واقف جنب موقف العجل، وكان خايف جداً.
وسكتت شوية وكملت
قال لي إنه شاف حاجة مكنش ينفع يشوفها، وشاف إن في حد أخد باله منه. كان خايف يرجع البيت فيجيبلك الخطر لحد عندك.
كنت بتبصلي ومش قادرة أنطق كلمة.
كملت وهي بتعيط
طلب مني مديتكيش الظرف إلا لو مرجعش ففضلت مستنياه. مستنية سنة وسنتين وعشرة. كنت فاكرة إنه هيرجع في أي لحظة.
أخدت الظرف منها وإيدي بترتعش وأنا بفتحه.
جواه ورقة كتبها عمر بخط إيده كان عنده تلتاشر سنة بس.
كتب إنه شاف راجلين بينقلوا براميل شكلها يقلق لمركب صغيرة بالليل، وان واحد منهم لمحه.
في اللحظة دي عمر فهم إنه في خطر، وخاف يرجع البيت ليدوا أمه.
فأخد قرار مجنون بالنسبة لعيل في سنه بس كان بالنسبة له الحل الوحيد عشان يحميني.
قرر يدور على أبوه أبوه اللي كنت فاكرة إنه اختفى من حياتنا من زمان.
بس عمر عرف الحقيقة أبوه كان عايش، وكان أخد هوية جديدة تبع برنامج حماية الشهود.
وفي آخر الرسالة كتب
أنا هفضل مع بابا لحد ما أعرف هعمل إيه. هرجع قريب متخافيش.. بحبك.
قريت الجملة الأخيرة مرة وتاني وثالث.
بحبك.
بعد عشر سنين كنت بقرا كلام ابني لأول مرة.
بس شهد مكنتش خلصت كلامها.
قالتلي
في حاجة كمان يا ماما.
وطلعت تليفونها وفتحت صورة.
أول ما شفتها نفسي اتطرق.
شاب في منتصف العشرينات، شعره ناعم وأسود، بابتسامته وعينيه مش محتاجة اكتر من ثانية واحدة عشان أعرفه.
دا عمر ابني عايش!
رجليا مش شيلاني، قعدت على الأرض من الصدمة، وبصيت لشهد وقلتلها
إزاي؟
قالتلي بهدوء
أنا على تواصل معاه بقالنا كام أسبوع القضايا والقصة اللي كان خايف منها اتقفلت خلاص، وبقى ينفع يرجع.
ومسكت إيدي وابتسمت والدموع نازلة من عينيها
عمر جاي يا ماما عمر راجع البيت.
بعد أربع أيام
الباب خبط.
فتحت الباب وكان هو.
واقف قدامي راجل ماشفتهوش من عشر سنين، بس عرفته في لحظة.
بصلي وعينيه مدمعة وقال
أزيك يا أمي..
مش فاكرة إيه اللي حصل بعد كده، كل اللي فاكراه إني أخدته في حضني حضن بكل القوة اللي حيلتي، وكأني بحاول أعوض عشر سنين انتظار وخوف وحزن في حضن واحد.
كل الوجع ذاب في اللحظة دي.
ولما عمر بعد شوية، بص لشهد اللي كانت واقفة في الطرقة وقالها
قولتيلاها؟
شهد هزت رأسها
قولتلها كل حاجة.
عمر بصيلها وعينيه مليانة دموع وقال
شكراً يا شهد.
ابتسمت وقالت
عيب عليك، مافيش شكر.
هز رأسه وقال
لا فيه الكل اتهمك ووقف ضدك، وأنتِ فضلتِ شايالة الأمانة وصايتة الوعد.
ردت عليه بهدوء
أنت وثقت فيا ودا كان أهم عندي من رأي الدنيا كلها.
وقفت أبص للاتنين.
ابني اللي كنت فاكرة إنه ضاع للابد وبنتي اللي مفارقتنيش ولا يوم.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مكنتش فاهماها طول السنين اللي فاتت
أوقات الشخص اللي بينقذك مش هو اللي أنت مستنيه
وأوقات الشخص اللي الناس كلها شايفاه متهم أو كذاب بيكون هو الوحيد اللي شايل معاك الحقيقة طول السكة.
أما شهد؟ فماكنتش في يوم سبب في إني أفقد ابني شهد كانت السبب في إني ألاقيه من جديد.
وبعد عشر سنين من الانتظار عمر رجع البيت.