حكايات منى السيد

عروسة جديدة ويوم صباحيتي لقيت تلاجتي بتصفر

لمحة نيوز

في نفس الأسبوع، الحاج عبد الحميد والحاج عثمان قعدوا قعدة رجالة ملهاش تالت. مازن رفض تماماً أي محاولة للصلح، وقالهم جملة واحدة بنتنا دخلت بكرامتها، وتخرج بكرامتها وتاخد كل مليم جابته من شقى السنين، وعمران ميلمحش خيالها تاني.
عمران وأمه حاولوا يماطلوا، بس الحاج عبد الحميد وقف وقفة حق وقال لعمران يا تطلق بالمعروف وترجع كل حاجة جابتها البت على داير مليم، يا قسماً بالله لتكون مقطوع من العيلة كلها ومالكش مليم في ورث ولا سند. وتحت ضغط كبار العيلة وخوفه من الفضيحة، طلق عمران ورجعت كل حاجتي وعفشي على عربيات نقل لبيت أبويا، والشارع كله كان بيتفرج على خيبته وخيبة أمه اللي طمعهم عراهم قدام الناس كلها.
عدت الشهور، في الأول كنت مكسورة، حاسة بنظرات الناس وخايفة من كلمة مطلقة بعد أسبوع جواز، بس نادين ومازن مسبونيش لحظة واحدة. مازن كان دايماً يقولي أنتي مش ناقصك حاجة يا ياسمين، أنتي جوهرة وربنا نجاكي من ناس متستاهلكيش، ارفعي راسك فوق.
رجعت لشغلي في المدرسة اللي كنت بشتغل فيها مدرسة رسم للأطفال، وركزت في حياتي، وفتحت صفحة جديدة تماماً. كنت بصلي وأدعي ربنا في كل سجدة اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها.
ومرت سنة كاملة، الجرح بدأ يلم، وبقيت أقوى وأوعى. وفي يوم من الأيام، كان في صيانة كبيرة في المدرسة بتتعمل، مهندس ديكور ماسك تطوير وتجديد الفصول وقاعات الأنشطة. اسمه سيف، شاب في أوائل التلاتينات، وشه مريح وعينيه مليانة احترام، بيتكلم بأدب وصوت واطي ومبيخرجش منه غير كلمة يا فندم وحضرتك.
سيف لاحظ رسمي للأطفال وأفكاري في تزيين القاعات، وبدأ الشغل يجمعنا في تفاصيل بسيطة. كان راجل جدع بجد، من النوع اللي تلمحي فيه الرجولة والشهامة من تصرفاته، مش بالكلام والمظاهر الكدابة. لما حد من العمال كان يقصر كان بيشيل بإيده ويساعد، ولما كنت بحتاج أي خامات كان بيوفرها بأحسن شكل من غير ما أطلب حتى.
مع الوقت، بدأت أحس بنظرات سيف.. نظرات كلها احترام وتقدير، مش نظرة فضول ولا شفقة. وفي يوم بعد ما اليوم الدراسي خلص، جالي وقال بتردد واضح وإحراج أستاذة ياسمين، أنا عارف إني ممكن أكون بتدخل في حاجة متخصنيش، بس أنا سألت عنك وعرفت أصلك الطيب.. وأنا راجل دوغري ومبحبش اللف والدوران، يشرفني إني أطلب أقعد مع أهلك لو مفيش مانع عندك.
قلبي دق بخوف، ورجعتلي ذكريات الماضي في لحظة، بصيت في الأرض وقولتله بصوت مخنوق أستاذ سيف، حضرتك متعرفش عني كل حاجة.. أنا كنت متجوزة قبل كده و...
قاطعني سيف بابتسامة هادية ونبرة كلها صدق قطعت كل الشكوك اللي جوايا أنا عارف كل حاجة يا ياسمين.. وعارف إنك اتظلمتي، والناس اللي بيعرفوا ربنا في المنطقة حكولي عن شهامتك وأصلك، وحكولي كمان عن الناس اللي كنتي عندهم وإن العيب كان فيهم مش فيكي.. أنا مش بدور على ماضي، أنا بدور على بنت حلال أصيلة أبدأ معاها عمري وتكون أم لعيالي، والستر ده بتاع ربنا.
الكلمة نزلت على قلبي زي المية الباردة في عز الحر. اتصلت بمازن ونادين وقولتلهم، ومازن رحب بيه جداً وقاله بيتنا مفتوح لولاد الأصول.
جه سيف وجم معاه أهله؛ أبوه وأمه، ناس طيبين ووشوشهم منورة بالرضا والخير، مفيش فيهم النفخة الكدابة ولا التعالي. أمه أول ما دخلت شافتني، حضنتني وطبطبت على كتفي وقالتلي يا حبيبتي يا بنتي، سيف جه حكالي عنك وقالي دي اللي قلبي ارتاح ليها، وأنا من أول ما شفتك حسيت إنك حتة مننا.
قعد سيف مع مازن، وكان كلامه يوزن دهب. قال لمازن قدام الكل يا أستاذ مازن، أنا شقتي جاهزة بفضل الله، ومش عايز منكم قشاية واحدة.. ياسمين هتدخل بيتي بشنطة هدومها معززة مكرمة، وكل طلباتها أوامر، وأنا اللي هشيل بيتي من الألف للياء، ده واجبي وكرامتي كرجل.
مازن دمعت عينه من الفرحة، ونادين كانت بتبصلي والدموع بتلمع في عينيها وهي حاسة إن ربنا جبر بخاطرنا بعد الذل اللي شفناه. مازن قاله يا سيف يا بني، إحنا مش هنرمي بنتنا، اللي هتعمله هيتعمل بالمعروف، وإحنا مش بندور على عفش، إحنا بنشتري راجل يصونها ويتقي الله فيها.
وتمت الخطوبة في جو كله بهجة ودفء عائلي حقيقي، مكنش فيه لا مظاهر ولا ضغط، سيف كان كل يوم يثبتلي فيه إنه العوض الجميل اللي ربنا كان شايلاهولي. مكنش بيعدي أسبوع إلا ويسأل على نادين ومازن ويجيب معاه هدايا بحب، مش بفرض ولا واجب.
وجه يوم الفرح.. كنت لابسة الفستان الأبيض، بس المرة دي الضحكة كانت طالعة من صميم قلبي، مكنش في خوف ولا ريبة. كان في راجل بجد ماسك إيدي وعينيه بتلمع بفرحة الدنيا كلها، راجل بيفتخر بيا قدام أهله وقدام العالم كله.
ويوم الصباحية، صحيت من النوم وأنا مش قلقانة، مفيش شبح التلاجة الفاضية ولا العرف المريض اللي عيشني في رعب. دخلت المطبخ لقيت سيف واقف محضر صينية الفطار بإيده ومستنيني بابتسامة دافية، وفتح التلاجة عشان يجيب عصير، لقيتها بتفيض بكل ما لذ وطاب.. مش عشان حد جابها، عشان هو اللي ملاها من قبل ما ندخل بيته وهو بيقولي ده بيتك، ومفيش حاجة تنقصك فيه أبداً طول ما أنا فيا نَفَس.
رن جرس الباب، وفتحت لقيت نادين ومازن داخلين، ووشهم بيضحك من الفرحة، ونادين جريت حضنتني وهي بتقولي مبروك يا عروسة.. وشك منور يا ياسمين، ربنا عوض صبرك خير يا حبيبة أختك.
سيف رحب بيهم من كل قلبه، وقعدوا كلهم يضحكوا ويفطروا سوا في لمة عيلة مليانة بركة وحب ونفوس صافية. وفي اللحظة دي، بصيت للسما في سري وقولت الحمد لله يا رب.. كان لازم التلاجة تصفر، وتتعرى النفوس المريضة، عشان أعرف قيمة السند الحقيقي، وعشان توديني للراجل اللي يعرف مقامي ويصوني بجد.

تم نسخ الرابط