في ليلة من أبرد ليالي الشتا
في ليلة من أبرد ليالي الشتا، سمحت لراجل مشرد عنده دعامة في رجله إنه ينام ليلة واحدة على الكنبة عندنا، بس عشان ابني ماكانش قادر يبطل يبصله وهو بيرتعش من البرد. وفي الصبح، خرجت على شغلي وأنا متوقعة إنه يكون مشي قبل ما أرجع. لكن لما فتحت باب شقتي بالليل، وقفت مكاني من الصدمة.
كان لسه جوه...
ريحة العيش كانت أقوى بكتير من جوه.
عيش لسه طالع من الفرن.
ريحة حاجة غنية وساخنة فيها زبدة.
وفوق كل ده، كانت فيه ريحة ليمون قوية ونضيفة طالعة من المنظف اللي اتغسلت بيه الشقة.
لثواني، افتكرت فعلًا إني دخلت شقة غلط.
لكن عيني وقعت على رسمة عمر المعوجة لسلحفاة نينجا، اللي كان لازقها على التلاجة.
لأ.
دي كانت شقتنا فعلًا.
بس الشقة ماكانتش خالص زي الفوضى اللي سيبتها الصبح بدري.
البطانية اللي كنت دايمًا بسيبها مكركبة على الكنبة كانت متنية ومتظبطة بعناية.
الجزَم الرياضية بتاعة عمر اللي كانت مرمية في كل حتة، كانت متصفّة جنب الحيطة بشكل مرتب.
كومة الجوابات والإعلانات اللي كانت متكومة على ترابيزة المدخل، اتظبطت واترصت فوق بعض.
السجادة في الصالة كانت مكنوسة بالمكنسة كويس.
رخامة المطبخ كانت بتلمع من النظافة.
حتى الحوض كان فاضي تمامًا من المواعين.
فضلت واقفة عند باب الشقة وأنا مش مستوعبة اللي شايفاه.
وفجأة سمعت صوت طاسة بتتحرك في المطبخ.
معدتي اتقبضت وجسمي كله شد.
وبعدها ظهر أحمد من عند المطبخ، ولسه لابس السويت شيرت الرمادي الواسع اللي كنت اديتهوله.
والدعامة الكبيرة كانت لسه متثبتة على رجله.
أول ما شاف تعبير وشي، وقف مكانه.
وقال بسرعة
أنا عارف شكل الموضوع عامل إزاي.
بصيت له.
إنت عارف؟
أيوه.
أنا والله ماقربتش من أي أوضة نوم.
عيني راحت ناحية الصالة اللي بقت تلمع من النظافة.
إيه اللي حصل هنا بالظبط؟
قال بهدوء
نضفت شوية.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
أنا شايفة ده بعيني.
وكمان عملت العشا.
عمر كان خلاص بيعدي من جنبي ورايح ناحية المطبخ.
ماما، تعالي شوفي!
كان فيه طبق نضيف عليه ساندوتشين جبنة مشوية لونهم دهبي ومظبوطين جدًا، جنب حلة شوربة طماطم سخنة ولسه البخار طالع منها.
وكان فيه رغيف عيش طازة، قشرته مقرمشة، سايبه يبرد على رف معدني.
لفيت ناحية أحمد تاني.
إنت خبزت عيش؟
رد ببساطة
كان عندي وقت فاضي كتير.
طبعًا.
عمر رجع يجري ناحية باب الشقة.
وبصي على دي كمان!
فتح الباب التقيل.
وبعدين قفله.
الباب دخل مكانه بسهولة، واتقفل من غير أي مقاومة.
لا احتجت أخبط عليه بكتفي.
ولا سمعت صوت الاحتكاك المزعج اللي كان بيطلع كل مرة.
فكي وقع تقريبًا من الصدمة.
إنت صلحت الباب؟
أحمد حك مؤخرة رقبته وهو باين عليه الإحراج شوية.
المفصلة اللي فوق كانت بايظة خالص، وكل اللي كانت محتاجاه إن الجزء اللي الباب بيقفل عليه يتظبط مكانه.
بصيت له باستغراب.
استخدمت إيه؟
الأدوات بتاعتك.
رفعت حاجبي.
أنا عندي أدوات؟
عمر ضحك.
الشنطة الحمرا اللي تحت الحوض يا ماما.
آه، صح.
شنطة العدد الصغيرة اللي بابا كان جايبهالي لما سبت بيت أهلي، واللي أنا فتحتها مرتين بس طول ست سنين.
بصيت لأحمد بحدة.
إنت كان المفروض تمشي الصبح.
الابتسامة الخفيفة اختفت من على وشه.
عارف.
طيب ليه لسه هنا؟
أخد نفس طويل وببطء.
أنا حاولت فعلًا.
وأشار لدعامته.
مشيت حوالي تلات شوارع ناحية موقف الأتوبيس، وبعدها ركبتي خانتني خالص.
لما سمعت الكلام ده، نص غضبي تقريبًا اختفى، بس مش كله.
قلت
يعني رجعت تاني.
هز راسه.
أيوه.
وقررت تنظف الشقة كلها تنظيف شامل؟
قال
ماقدرتش أفضل قاعد على الكنبة طول اليوم من غير ما أعمل أي حاجة.
وبعدين أشار ناحية ترابيزة المطبخ الصغيرة.
كتبت كل حاجة استخدمتها من المطبخ.
كان على الترابيزة ورقة مقطوعة من كراسة، ومكتوب عليها بخط مرتب قائمة بالحاجات اللي استخدمها.
دقيق.
جبنة شيدر.
زبدة.
طماطم معلبة.
شوربة فراخ.
وجنب كل حاجة كان أحمد كاتب تقريبًا تمنها.
وفي آخر الورقة كان كاتب
هحاسبك تمنهم أول ما أقدر.
وأنا بقرأ الجملة، حسيت بحاجة واقفة في زوري.
لكن بعدها لاحظت ورقة تانية تحتها مباشرة.
كانت ورقة من صاحب العمارة.
ورقة لونها زهري فاقع ومكتوب عليها إن الإيجار متأخر، وكنت سايباها على الرخامة ووشها لفوق.
خطفتها بسرعة.
إنت قريت جوابي؟
قال
كانت مفتوحة قدامي على الرخامة.
بصيت له بحدة.
بس إنت قريتها.
رد من غير ما يحاول ينكر.
أيوه.
الإحراج اللي حسيت بيه وقتها كان أقوى وأسرع من غضبي.
تلات أسابيع متأخرين.
وفوقهم غرامات تأخير كبيرة.
وفي الورقة تهديد واضح إن لو ما دفعتش جزء من المبلغ قبل يوم الجمعة، الورقة اللي بعدها هتكون إجراءات لإخلاء الشقة.
صوت أحمد وطي، وبقى فيه هدوء واضح.
أنا آسف.
قلت بسرعة
أنا مش محتاجة شفقة.
رد
أنا مش بشفق عليكي.
الكلام ده خلاني أرفع عيني وأبصله.
قال بهدوء
أنا عارف كويس الإحساس لما شهر وحش يتحول لشهرين، وبعدين تلاقي نفسك فجأة غرقانة في تلات شهور.
طويت الورقة الزهرية ببطء من النص.
وبعدين سألته
إيه اللي حصل لك بجد؟
راح أحمد ناحية واحدة من كراسي المطبخ وهو بيعرج، وقعد عليها بتقل.
ولأول مرة من ساعة ما قابلته، التعب اللي كان باين على وشه ماكانش مجرد تعب شخص محتاج ينام ليلة كويسة.
كان تعب أعمق من كده.
سألته
كنت بتشتغل إيه؟
قال
كنت مسؤول عن صيانة مباني في مستشفى كبير وسط بغداد.
وبقالك قد إيه في الشغلانة دي؟
حوالي اتناشر سنة.
بصيت للدعامة اللي في رجله.
وده اللي علمك كل شغل الصيانة ده؟
هز راسه.
كهربا، تكييف، سباكة، وصيانة المباني حسب قواعد السلامة. أي حاجة كانت بتبوظ، كنت أنا اللي أصلحها.
سألته
طيب إيه اللي حصل؟
سكت لحظة.
منصة مصعد نقل البضايع وقعت.
إيده نزلت ناحية الدعامة اللي على ركبته.
اتقطع عندي الرباط الصليبي، واتصاب الغضروف، وكمان حصل ضغط شديد على مجموعة أعصاب في رجلي. عملت عملية، بس رجلي ماخفتش زي ما الدكاترة كانوا متوقعين.
سألته
ماخدتش تعويض من الشغل؟
ضحك ضحكة