حكايات زهرة
حماتي عندها حساسية شديده من حاجات معينه
حماتي قالت: "يعني إيه الكلام ده؟"
قلت: "يعني أي حاجة أنا بجيبها وبتقولي بتسببلك حساسية، هحطها هنا فورًا، ومحدش هيقرب منها."
بصتلي شوية وقالت: "كويس."
ابتسمت.
قلت: "بس فيه شرط."
قالت: "شرط إيه؟"
قلت: "أي حاجة تتحط هنا ممنوع حضرتك تلمسيها أو تاكلي منها، حتى لو سامح هو اللي جابها."
سامح رفع عينه وبصلي.
حماتي سكتت.
قلت: "مش عايزة أخاطر بصحتك."
ومن يومها بدأت المشكلة الحقيقية.
كل ما أجيب حاجة وتقول عندها حساسية، كنت بحطها في الصندوق.
والأغرب إن سامح كان كل مرة يرجع يقول:
"ماما، ده البرتقال اللي بتحبيه."
فترد:
"أنا بتعب منه."
أقول: "تمام، يتحط في الصندوق."
بعد كام يوم الصندوق اتملى.
برتقال.
بسكويت.
كريم.
ملايات.
زيوت.
منظفات.
حتى كيس شيبسي كانت بتقول إن ريحته بتخنقها.
وكنت حريصة جدًا إني ما أستخدمش أي حاجة من الحاجات دي قدامها.
وفي نفس الوقت، بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
حماتي بقت كل يوم تسألني:
"هو الصندوق ده فيه إيه؟"
أقول: "الحاجات اللي حضرتك قلتي إن عندك حساسية منها."
فتسكت.
وفي يوم، سامح دخل البيت ومعاه طبق حلويات.
حماتي أول ما شافته قالت:
"يا ابني حطهم هنا."
أنا كنت في المطبخ.
سامح حط الطبق على السفرة.
خرجت وأنا بضحك.
قالتلي: "تعالي يا نيرة كلي."
بصيت للطبق وقلت: "لا يا طنط، ده مش بتاعك؟"
قالت: "أنا؟ لا طبعًا، ده ابني جايبه."
قلت: "بس نفس النوع اللي أنا جبته قبل كده وقلتي عندك حساسية منه."
اتجمدت مكانها.
سامح بصلي وقال: "نيرة..."
قاطعت كلامه وقلت: "أنا بس بسأل."
حماتي قالت بعصبية: "إنتِ بتتريقي عليا؟"
قلت: "لا والله، أنا بس خايفة على حضرتك."
وسكت.
في اللحظة دي، سامح بدأ يفهم.
بص لأمه وقال: "ماما... هو فعلًا نفس النوع؟"
ردت بسرعة: "يعني إيه نفس النوع؟"
قال: "نفسه بالظبط."
سكتت.
أنا دخلت المطبخ من غير ما أقول كلمة.
بس سامح دخل ورايا.
قال: "نيرة، إنتِ بقالك فترة بتسجلي الحاجات دي؟"
طلعت الموبايل وفتحته قدامه.
قلت: "آه."
وقريتله اللي مكتوب.
قال: "وإنتِ كنتِ مستنية إيه؟"
قلت: "كنت مستنية إنك أنت بنفسك تلاحظ."
سكت.
قلت: "أنا مش عايزة أطلع أمك كدابة. دي أمك وأنا بحترمها. بس أنا تعبت من إني كل ما أحب أجيب حاجة لنفسي ألاقيها بتتمنع عشان عندها حساسية."
سامح نزل عينه للأرض.
قلت: "وأنا خسرت سمسم بسبب نفس الحكاية."
وشه اتغير.
قال: "ما تجيبيش سيرة القط."
قلت: "ليه؟ عشان الحقيقة بتوجع؟"
سكت.
كملت: "سمسم كان عندي عشر سنين. عشر سنين يا سامح. وإنت رميته في الشارع عشان أمك قالت إنها بتختنق من شعر القطط، وبعدها جبت لها قطة بلدي وكانت بتحضنها وتنام جنبها."
سامح ما ردش.
قلت: "أنا مش عايزة أطلق مشكلة جديدة. أنا بس عايزة حقي إني أعيش في بيتي من غير ما كل حاجة أحبها تتحول فجأة لمصدر حساسية."
في اللحظة دي حماتي ظهرت عند باب المطبخ.
كانت سامعة كل حاجة.
قالت: "يعني إنتِ شايفة إني بعمل كده عمد؟"
بصيتلها.
وقلت بهدوء: "أنا شايفة إن حضرتك بتتأذي من حاجات أنا بجيبها... وبتبقي كويسة لما ابنك يجيب نفس الحاجات."
سكتت.
قلت: "وعشان كده أنا عملت الحل الوحيد اللي يضمن إن حضرتك ما تتعبيش."
وأشرت للصندوق.
"أي حاجة حضرتك بتقولي إنها بتتعبك، أنا هبعدها عنك."
حماتي بصت للصندوق.
وبعدين قالت: "يعني هتمنعيني من حاجات البيت؟"
قلت: "لا. حضرتك اللي منعتي نفسك منها."
سامح غمض عينه، وكأنه فهم الجملة في لحظتها.
فضلت حماتي ساكتة ثواني طويلة.
وبعدين قالت: "طب ولو الحاجة دي أنا عايزاها؟"
قلت: "يبقى حضرتك بتقولي إنها مش بتسببلك حساسية."
قالت: "ولو غيرت رأيي؟"
قلت: "هنرجعها للصندوق."
سامح فجأة ضحك.
بصتله أمه بغضب.
قال: "ماما... نيرة عندها حق."
دي كانت أول مرة سامح يقولها قدامي.
حماتي بصتله وكأنها مش مصدقة.
قال: "أنا فعلًا لاحظت إن الحاجات اللي بتجيبها نيرة بتتعبك، لكن لما أجيب نفس الحاجة بتكون عادي."
وبعدين بصلي وقال: "وأنا ظلمتك لما ما صدقتكيش."
حماتي قامت ودخلت أوضتها من غير كلمة.
افتكرت إن الموضوع خلص.
لكن بعد ساعتين، خرجت.
وقفت قدامي وقالت:
"هاتِ البرتقال."
بصيتلها باستغراب.
قالت: "البرتقال اللي في الصندوق."
قلت: "مش حضرتك بتتحسسي منه؟"
ردت وهي متضايقة: "لا."
سامح كان واقف جنبنا.
قال: "يعني خلاص؟"
قالت: "خلاص."
ضحكت.
وقلت: "الحمد لله."
سامح قرب مني وقال: "إنتِ عالجتي حساسية أمي فعلًا."
قلت: "أنا ما عالجتش حاجة."
قال: "أمال عملتي إيه؟"
بصيت لحماتي وقلت:
"أنا بس خليت الحساسية لها قواعد."
حماتي بصتلي، ولأول مرة من سنين ضحكت.
ومن اليوم ده، اختفت الحكاية تمامًا.
لا بقت تتعب من البرتقال.
ولا من الملايات.
ولا من الكريمات.
ولا من السجاد.
ولا حتى من القطط.
وأنا كمان اتعلمت درس عمرى:
مش كل معركة لازم أكسبها بالصوت العالي.
ساعات أفضل طريقة تكشف بيها الحقيقة إنك توقف الجدال، وتسيب الشخص يعيش بنفس القاعدة اللي هو حطها لنفسه.
أما سمسم...
فضلت أدور عليه سنين.
ولما عرفت أخيرًا إنه كان راح لأسرة في منطقة تانية ومات من كام سنة، زعلت جدًا.
بس على الأقل، بطلت ألوم نفسي.
لأن خسارته ما كانتش بسبب حساسية...
كانت بسبب إني صدقت إن الحب لوحده كفاية، وإن جوزي لازم يصدقني لمجرد إني مراته.
اتعلمت بعدها إن البيت مش بيتبني بالصبر بس...
البيت بيتبني بالعدل كمان.