الوصية خير ج 1 حكايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

وقتك! طارق ربنا يباركله كلمني وقالي إن عندكم خير بالهبل من الأرض، قلت بدل ما الحاجه تتركن وتبوظ في الفريزر وأنتوا نفرين بس ومابتطبخوش كتير، ننزل ناخد منابنا ومناب إخواته، ونوزع الباقي على حبايبنا في العيلة عشان يدعولك يا ستي!
نهى بصت على الفريزر لقيته على الحديدة، والرفوف اللي قعدت تسهر بالليالي ترص فيها برطمانات المربى والصلصة كانت شبه فاضية، وشكاير البطاطس متكومة على باب الشقة جنب أسانسير العمارة مستنية تنزل في عربية أخته!
نهى لفت لطارق وعينيها بتطق شرار، وطارق واقف باصص في الأرض وبيفرك في إيديه بكسوف مصطنع إيه يا نهى... ما براحة في إيه، مش الخير كتير برضه؟ دي أمي وإخواتي يعني، هو إحنا هندقق في شوية خضار؟
هنا بقى الدم ضرب في نفوخ نهى، والهدوء كله طار، وصرخت في وشه بالكلمة اللي قطعت عرق الصمت
أنا مطلعتش عيني وطافحة الدم طول الصيف، وإيدي شققت من الطين والشمس حرقت وشي، عشان تيجي أمك في الآخر تلهف المحصول كله في شوالات على الجاهز! نزّل الكرتونة دي من إيدك حالاً، والشنط دي متخرجش بره عتبة الباب!
السكوت اللي نزل على الصالة فجأة كان يقطّع بسكينة.
الكرتونة اللي في إيد طارق فضلت متعلقة في الهوا ثواني، وبعدين نزلت ببطء على رخامة المطبخ بصوت مكتوم. الحاجة عفاف، اللي كانت ماسكة في إيدها كيس كبير مليان بامية متفرزة، عينيها وسعت ونظرتها الباردة اتقلبت في ثانية لملامح ست متعودة تآمر وتطاع، والكلمة منها متتكسرش. أما منى أخت طارق، فرجعت خطوة لورا وربعت إيديها على صدرها بنظرة لوم وتحدي، من عينيات شوفي مرات أخويا اللي مش وش نعمة.
أنا باخد على الجاهز يا نهى؟... الحاجة عفاف نطقت الجملة دي بنبرة واطية مسمومة، وهي بتبص لنهى من فوق لتحت، بقى شوية الخضار دول هما اللي هيطلعوا عينك عشانهم وتنسي الأصول؟ أنتي بتعايريني بشوية بطاطس وطماطم من زرع ربنا؟
يا ماما مش كده... طارق اتدخل وصوته مهزوز، وشه كان مخطوف وعمال يبص لنهى برجاء، كأنه بيستعطفها تبلع الإهانة وماتفضحهوش، نهى متقصدش يا ماما، هي بس جاية من بره هلكانة والشغل ضاغط عليها...
نهى قربت خطوة ووقفت قدامهم في الصالة، رمت شنطة إيدها ومفاتيح العربية على ترابيزة السفرة بصوت رزع، وعينيها رايحة جاية بين الشكاير اللي متستفة جنب الباب والتلاجة المفتوحة على البحري.
لأ يا طارق، أقصد، وأقصد كل حرف! نهى بصت لحماتها مباشرة من غير ما تطرف عينيها، المسألة مش مسألة خضار يا حاجة عفاف، المسألة مسألة تعب شهور محدش فيكم حس بيه. هو مين اللي كان بيصحى الفجر في عز الحر؟ مين اللي كان بيشيل الفاس وينضف الطين بإيديه؟ مين اللي ضهره كان هيتقطم في الشمس كل جمعة عشان الزرع ده يقوم؟ أنتي مجيتيش ولا خطيتي برجلك خطوة، ولا حتى اتصلتي بيا في التليفون تقوليلي كلمة طيبة يا بنتي عامية في إيه في أراضيكي! ودلوقتي، جاية على البارد المستريح، تشيلي شقى تلات شهور من غير حتى ما تستأذني؟ ده بيتي ودي حاجتي، ولا أنتوا داخلين على وكالة بلدي؟
منى لوت بوزها وردت بنبرة مستفزة يا ساتر يا رب، سترك ورضاك! هو طارق ابن البطة السودة يا نهى؟ مش ده بيته برضه ولا أنتي ناسية؟ البيت ده خيره كله لطارق وأهله، وبعدين هو اللي اتصل بأمي وقالها تعالي عبي اللي أنتي عايزاه، أنتي هتفضحينا على شوية كراتين؟ إيه اللؤم ده!
الدم كان بيفور في نفوخ نهى، حست إنها لو سكتت ثانية كمان هتتخنق. لفت لمنى وقالتلها بصوت قاطع وحاسم طارق جوزي على عيني وراسي، بس البيت ده قايم بيا وبيه، والأرض دي أرض ستي وأنا اللي زرعتها بعرقي وفلوسي. طارق ممدش إيده في حفرة، ولا حط جنيه في شتلة، ولا حتى كلف نفسه يقوم معايا يوم جمعة واحد يونسني! طارق ملوش إنه يوزع من تعبي ولا يفرّق من خيري كأنه فتوة المنطقة وبيمنّ عليا!
طارق وشه احمر من الكسوف، بس بدل ما يحس بغلطه، حس إن كرامته اتهانت قدام أمه وأخته. نفخ صدره ورفع صوته محاولاً يثبت إنه راجل البيت نهى! احترمي نفسك، أنتي زودتيها أوي! أمي ميتعلاش الصوت عليها في بيتي، والشنط دي هتخرج وهتنزل في عربية منى، وإلا هيكون ليا معاكي تصرف تاني خالص!
نهى بصتله، ومكنتش مصدقة إن ده نفس الراجل اللي كان بياكل من إيديها الجمعة اللي فاتت وبيقولها تسلم إيدك يا قمر. بصتله بنظرة خلاها يبص في الأرض غصب عنه. نظرة مفيهاش خوف، فيها قرف وخذلان.
وريني هتخرجها إزاي يا طارق، وريني.
نهى مشيت بمنتهى الثبات لحد باب الشقة، وقفت قدامه وسدت الممر، وربعت إيديها أي شنطة هتتحرك خطوة بره، هطلب البوليس وأعمل محضر سرقة. هقول إنكم داخلين تنهبوا حاجتي، وأنت عارف كويس إن الورق ورق الأرض باسمي، والفواتير بتاعة كل حاجة باسمي. متفتكروش إني عشان طيبة ومبحبش المشاكل يبقى تاكلوا حقي عيني عينك!
الحاجة عفاف شهقت وحطت إيدها على صدرها بوليس؟! هتدخلي البوليس بين الراجل وأمه يا فاجرة؟ بقى أنتي يا حتة عيلة تتبجحي فيا وتقولي هحبسكم عشان شوية بطاطس؟ شوفت يا طارق؟ شوفت بنت الأكابر اللي اخترتها وعملت
لها شنة ورنة؟ أهي بتهددنا بالكلابشات في قلب بيتك!
أمي،
تم نسخ الرابط