الوصية خير ج 2 حكايات مني السيد حصري
وإلا إيه يا طارق؟ كمّل جملتك... سامعاك.
الكلمة فضلت معلّقة في الهوا، كأنها سكينة حامية نزلت بين الاتنين.
طارق عينه زاغت لثواني. رجولته المصطنعة اللي اتنفخ بيها قدام أمه وأخته كانت بتبدأ تتفش قدام النظرة الثابتة اللي في عين نهى. هو متعود منها على الطيبة، متعود على نهى اللي بتبلع الكلمة البايخة عشان المركب تسير، نهى اللي لما كان يكسّل عن مشاوير الجمعة تبتسم وتقوله ولا يهمك يا حبيبي، ارتاح أنت. مكانش متخيل إن البنت الهادية دي ممكن تقف الوقفة دي، بالعين القوية دي، من غير حتى ما صوتها يترعش.
بلع ريقه بصعوبة، ونزل صباعه اللي كان بيشوح بيه، بس نبرته فضلت واطية ومليانة حقد مستخبي وإلا مش هتعرفي تعيشي معايا يوم واحد تاني في البيت ده. شوفي بقى هتختاري إيه يا تمشي عدل وتنزلي لأمي تعتذري وتطيبي خاطرها ونلم الفضيحة، يا كل واحد فينا يروح لحاله، وساعتها كلي بقى في بطاطسك وطماطمك لحد ما تشبعي!
نهى بصتله بنظرة طويلة، كانت بتدرسه كأنها بتشوفه لأول مرة في حياتها. تلات سنين جواز عدوا قدام عينيها في لحظة تنازلاتها الصغيرة، تراجعها الدايم عشان ميحصلش نكد، موافقتها على خروجات أهله اللي بتيجي على حساب صحتها ومصاريفها، استنزافه البطيء لفلوسها ومجهودها وهو بيقنعها إن إحنا واحد وجيبنا واحد.
وفجأة، لقت نفسها بتبتسم. ابتسامة وجع بس فيها خفة روح غريبة، كأن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح.
تمام يا طارق، نهى قالتها بصوت هادي جداً، أهدى من الهوا اللي قبل العاصفة، أنت اخترت، وأنا سمعت.
لفت ضهرها ودخلت أوضة النوم من غير ولا كلمة زيادة.
طارق وقف في الصالة مكانه مذهول. كان متوقع عياط، متوقع تبريرات، متوقع إنها تستعطفه وتقوله متهدمش بيتنا عشان كيس ملوخية. البرود ده قلقه، بس الغرور عماه. قال لنفسه سيبها، هتقعد في الأوضة تلطم وتفكر، وبكرة الصبح هتيجي تبوس الأيادي عشان أصلحها. دخل الصالون ورزع الباب وراه وفتح التليفزيون على آخره عشان يثبت لنفسه ولها إنه مش فارق معاه.
جوه الأوضة، نهى مدمعتش دمعة واحدة.
كان عندها شغف غريب بالحركة، طاقة طلعت فجأة بدلت كل الإحباط لخطوات عملية محسوبة. سحبت شنطة سفر كبيرة من تحت السرير، فتحت الدولاب، وبدأت تلم هدومها الأساسية. بس الأهم من الهدوم، راحت للدرج السري بتاع الكومودينو طلعت عقد الأرض الريفية، الوصية بتاعة ستها المسجلة في الشهر العقاري، قسيمة الجواز، شهادة ميلادها، ودفتر الشيكات وحساب البنك اللي باسمها لوحدها. حطت كل ده في شنطة اللاب توب بتاعتها.
طلعت البلكونة براحة، فتحت التليفون وكلمت صاحبتها سارة، أقرب الناس ليها وزميلتها في الوكالة سارة، أنتي في شقتك في المعادي؟ آه يا نهى، لسه مخلصة شغل وراجعة، مال صوتك؟ في إيه؟ أنا جاية أبات عندك يومين، وهحكيلك كل حاجة لما أوصل. يا بنتي خضيتيني، بيتي مفتوحلك في أي ثانية، مستنياكي.
نهى قفلت التليفون. خرجت للصالة بخطوات ثابتة وجرت الشنطة وراها. طارق طلع من الصالون على صوت عجل الشنطة وهو بيتحرك على السيراميك، وشه اتقلب أصفر لما شافها لابسة طرحتها والشنطة في إيدها إيه ده؟ رايحة فين بالشنطة دي؟ هو أنا سمحتلك تخرجي؟
نهى وقفت عند باب الشقة، لفت نص لفة وبصتله أنت قولت يا اعتذر وأبوس الرجلين يا كل واحد يروح لحاله. وأنا كرامتي متسمحليش أعتذر لحد على حقي، والبيت ده مش ملكك لوحدك عشان تساومني عليه، الإيجار دافعاه من مرتبي نص بالنص، بس أنا اللي بقرف أقعد في مكان فيه حد رخيص كده. الشقة دي هتفضل قاعد فيها النهاردة، وبكرة الصبح ليا معاك كلام تاني.
فتحت الباب ونزلت. طارق جري وراها لحد بسطة السلم وصوته طالع بالغيظ انزلي! افتكري إنك أنتي اللي مشيتي برجلك! وربنا ما أنتي راجعة هنا تاني إلا لما تجيلي زاحفة!
نهى مركبتش حتى الأسانسير؛ نزلت على السلم بخطوات واثقة وسريعة، كأن كل درجة بتنزلها بتبعدها عن هم كان هيموتها بالبطيء. ركبت عربيتها، حطت الشنطة في الكنبة اللي ورا، ودورت الموتور. وهي بتدوس بنزين، حست بنفس طويل بيملى صدرها لأول مرة من سنين.
في شقة سارة، الحكاية اتفرشت على ترابيزة المطبخ مع كوبايتين شاي بلبن سخنين. نهى حكت كل حاجة؛ مش بس عن خناقة شوالات البطاطس والصلصة، حكت عن السنين اللي عدت وهي بتسند طارق في مصاريفه، عن قسط عربيته اللي كانت بتدفع نصه، عن الجمعيات اللي كانت بتقبضها عشان تجهز شقتهم وتجدد عفشها، عن أمه اللي كانت طول الوقت بتتعامل معاها على إنها أكيلة عيش ومستكترة عليها أي نجاح في شغلها.
سارة سمعت لحد ما خلصت، وخبطت بكفها على الترابيزة بغيظ يا نهى أنتي غلطانة من الأول! العطاء لما بيزيد مع ناس جعانة بيفتكروه فرض! بقى الحيزبونة دي بنتها متجوزة وقاعدة برنسيسة في بيتها، وجاية تنهب شقاكي أنتي؟ وعايزك تعتذري كمان؟ ده عين العقل إنك مشيتي، بس أوعي تسيبي حقك، طارق مفكرك ضعيفة عشان ملكيش إخوات ولاد يقفوله.
نهى شربت رشفة من الشاي وبصت لسارة بثبات مين قالك إني ضعيفة؟ أنا كنت ساكتة بمزاجي عشان كنت فاكرة إن البيت بيتبني بالصبر، بس لما لقيت الصبر هيتبني على كرامتي وهياكلوا لحمي وعظمي، لأ. أنا مش هسيب مليم واحد، والأرض دي مش هيدوقوا منها حبة