الوصية خير ج 2 حكايات مني السيد حصري
في زاوية الصالة وشها مزرق وعمالة تصرخ حرامية! جايبة رجالة تنهب شقة ابني! ومنّى بنتها كانت ماسكة التليفون وبتصور وهي بترتعش.
طارق دخل يجري في إيه هنا؟! أنتوا بتعملوا إيه في بيتي؟! أستاذ مجدي خطى لقدام بكل هيبة قانونية وطلع كارنيه المحاماة والمحضر الرسمي أهلاً يا أستاذ طارق. إحنا هنا بنفذ قرار إثبات حالة وبنمكن الست نهى من أخذ متعلقاتها الشخصية وأجهزتها اللي مثبتة في قائمة المنقولات بالفواتير باسمها. والشرطة هنا عشان تمنع أي شغب أو تعدي من الوالدة الكريمة أو الأخت.
طارق بص لنهى ودموعه كانت قريبة من القهر نهى... أنتي بتعملي فيا كده؟ جايبالي الشرطة والمحامين في بيتي؟ ده أنا جوزك!
نهى بصتله ببرود شديد، كانت بتشاور للعمال ينقلوا حاجتها اللاب توب، شاشتها الخاصة بالشغل، الكاميرا الاحترافية، كتبها، هدومها، وأجهزتها الكهربائية اللي اشترتها من حر مالها قبل الجواز جوزي اللي كان عايزني أجي أزحف وأبوس الأيادي عشان شوية بطاطس؟ جوزي اللي كان باعت عربية نقل يسرق أرضي امبارح؟ لا يا طارق، أنت نسيت إنك راجل من اللحظة اللي سمحت فيها لأمك تهينني في وشي وأنت واقف تضحك وتبرر لها.
الحاجة عفاف زعقت سيبها تغور يا طارق! تاخد عفشها في ستين داهية، بكره أفرشلك أحسن منه وأجوزك ست ستها!
نهى وقفت وبصت للحاجة عفاف بابتسامة نصر خلت الست العجوزة تسكت فجأة فرشيله يا حاجة، بس ابقي ادفعي له بقى نص الإيجار اللي هدفع بيه بكره إشعار إخلاء باسمي من عند صاحب العمارة عشان مش هجدد العقد، وادفعي له قسط العربية بتاعه اللي كنت بشيله عنه كل شهر، وادفعي له القروض اللي كان بيسد بيها نمرة الوجاهة الاجتماعية بتاعته قدام أهلك! وريني بقى هيعيش إزاي من غير بنت الأكابر اللي مش وش نعمة!
طارق وشه شحب تماماً. الحقيقة المرة نزلت عليه زي الصاعقة. هو كان مسنود عليها في كل تفصيلة في حياته وهو مش دريان؛ من أول طبق الأكل اللي بيتحط قدامه بأورجانيك الأرض، لحد الالتزامات المالية اللي كانت بتشيلها من غير ما تحسسه بنقص.
العمال خلصوا تحميل الشنط والحاجة الأساسية الخاصة بنهى في خلال ساعة تحت عيون أمين الشرطة اللي كان كاتب كل مسمار في الدفتر.
نهى وقفت عند عتبة الباب، بصت للشقة اللي بنتها بإيديها لآخر مرة. مكنش فيها أي ذرة ندم، كان فيها راحة ضمير مفيش زيها. بصت لطارق اللي كان واقف ساند على الحيطة زي التايه ورقة طلاقي توصلني على مكتب أستاذ مجدي خلال أسبوع يا طارق. وإلا قايمة المنقولات هتتحرك في المحكمة، وأنت عارف كويس عقوبة تبديد العفش شكلها إيه. بطاطسي وطماطمي وخيري مش هتشوفوا منهم حبة رمل تاني، اشبع بقى ببر أمك اللي على قفايا.
نزلت نهى، وصوت كعب جزمتها على السلم كان زي دقات ساعة بتعلن نهاية مرحلة كاملة.
ركبت عربيتها مع سارة، وبصت وراها من المراية لشباك الشقة اللي كان طارق واقف وراه بيضرب كف بكف ومامته لسه صوتها طالع بالزعيق واللوم عليه هو المره دي أنت السبب، ودتنا في داهية وضيعت دهبها وفلوسها!.
بعد شهرين كاملين...
كانت شمس نوفمبر دافية وحنينة في أطراف الشرقية.
الأرض كانت متغيرة تماماً. الحواض متقسمة بنظام هندسي بديع، والممر متفرش زلط أبيض، وباب الجنينة مدهون أخضر وعليه يافطة خشب صغيرة محفور عليها يدوي مزرعة نهى.
نهى كانت واقفة لابسة بنطلون جينز وكاب شمس وشيميز كاروهات، وماسكة مقص تقليم في إيدها، بتلم آخر محصول من الجوافة الشتوية والبرتقال. جنبها كان في عربية فان صغيرة مكتوب عليها ستيكر شيك لبراند خضار وفاكهة أورجانيك، وشابين من ولاد البلد في الشرقية بيساعدوها في التعبئة برعاية وبنظام.
نهى استقالت من شركة الإعلانات بعد ما قررت تحول الأرض لمشروع حقيقي؛ استغلت مهاراتها في التصميم والماركتنج، وعملت صفحة على السوشيال ميديا بتوصل خضار وفاكهة أورجانيك طازة للمنازل في التجمع والمعادي والشيخ زايد. الطلبات بدأت تنهال عليها لدرجة إنها شغلت معاها عم محروس وولاده واتنين فلاحين من القرية، والأرض اللي كانت مهملة ومركونة، بقت مصدر دخل بيكبر كل يوم وبيغطي وزيادة.
تليفونها رن، بصت في الشاشة، كان أستاذ مجدي ألو، إزيك يا أستاذة نهى؟ أهلاً يا أستاذ مجدي، بشرني؟ قسيمة الطلاق في جيبي رسمي النهاردة، وطارق مضى على كل التنازلات عشان نسحب قضية التبديد وقفلنا الصفحة دي للأبد. مبروك يا بنتي، حريتك رجعتلك كاملة. الله يبارك فيك يا أستاذ مجدي، تعبتك معايا.
قفلت نهى التليفون، وخدت نفس عميق وريحته تراب مبلول وشجر ليمون.
بصت للغيط الممتد قدامها، وحست إن كل تعب وكل عرق نزل منها في الصيف مكانش ضايع، ده كان التمن اللي دفعته عشان تعرف قيمتها الحقيقية، وعشان تفهم إن الأرض دي، زي الحياة بالظبط اللي يخدمها بعرق جبينه تطرح له سكر وخير، واللي يمد إيده عليها بالحرام والطمع، متديلوش غير الحصى والشوك.
النهاية