أنا سواق توك توك ج 2

لمحة نيوز

لما الراجل الأجنبي وقف قدامي وقال: "الشنطة... هل وجدتها؟"، كنت فاكر إن كل اللي هيحصل إني هسلمه فلوسه وموبايله وينتهي الموضوع.

لكن أول ما قال لي: "أنا كنت فقدت الأمل إني ألاقيها"، لقيت عينيه مليانة دموع، ومسك إيدي وقال لي:

"أنا لم أكن خائفًا على المال فقط... كان داخل الشنطة شيء أهم بكثير."

طلعت الشنطة من التوك توك وناولتها ليه.

فتحها بسرعة، وبص جواها، وفضل يعد حاجاته واحدة واحدة، ولما لقى الفلوس والموبايل وكل حاجة مكانها، حط إيده على قلبه وكأنه أخيرًا قدر يتنفس.

وبعدين بص لي وقال:

"أنت لا تعرف ماذا فعلت من أجلي."

قلت له:

"دي حاجتك يا أستاذ، وأنا عملت اللي أي حد مكانى كان المفروض يعمله."

هز رأسه وقال:

"لا... ليس أي شخص كان سيفعل ذلك."

بص في عيني وقال لي:

"أنا مش كنت خايف على الفلوس... أنا محامي، والشنطة دي فيها المستندات الأصلية لقضية أنا المسؤول عن الدفاع فيها بنفسي، والمستندات دي فيها دليل مهم جدًا ممكن يثبت براءة موكلي من جريمة خطيرة وعقوبتها ممكن توصل للإعدام."

وقتها بصيت له وأنا مش مصدق، وقلت له:

"يعني لو الشنطة كانت ضاعت؟"

سكت لحظة، وبعدين قال:

"كنت هخسر أهم دليل في القضية... وممكن إنسان بريء يدفع حياته تمن حاجة أنا كنت مسؤول عنها."

ساعتها فهمت ليه كان مرعوب بالشكل ده، وفهمت إن الخمسة آلاف دولار اللي كنت فاكرهم أكبر حاجة في الشنطة، ماكانوش يساووا حاجة جنب الورق اللي كان جواها.

بص لي وقال:

"أنت مش عارف أنقذت مين النهارده."

وأنا مكنتش عارف أقول له إيه، لكن قبل ما يمشي، فتح موبايله وأشار لي إنه عايز ياخد صورة معايا.

ضحكت وقلت له:

"صورة ليه؟"

قال:

"لكي تكون ذكرى"

وبالفعل خد صورة معايا، وشكرني مرة واتنين، وحاول يديني جزء من الفلوس كمكافأة.

لكن أنا رفضت.

قلت ليه:

"لو أخدت منك فلوس، هبقى رجعت ليك حاجتك وخدت تمن الأمانة، وأنا مش عايز كده."

بص لي للحظات، وكأنه مش مصدق اللي بيسمعه.

وبعدين قال:

على الأقل ما اسمك؟

قلت له:

"رمضان."

كتب اسمي على موبايله، وقال:

"رمضان... سأخبر الجميع بقصتك."

أنا ضحكت وقلت لبه:

"يا أستاذ قول للي تعرفه بس إن مصر فيها ناس بتحب تعمل الخير."

ومشيت.

وكنت فاكر إن الحكاية انتهت.

لكن في اليوم التالي، وأنا قاعد قدام التوك توك، لقيت واحد صاحبي بيجري عليا وبيقول:

"يا رمضان! أنت عملت إيه؟!"

قلت له:

"عملت إيه؟"

طلع موبايله ووراني خبر منشور في صحيفة أجنبية

كان السائح نفسه حكى اللي حصل معاه، وقال إنه فقد مبلغًا كبيرًا وموبايلًا ثم استعادهم من سائق توك توك مصري رفض الاحتفاظ بأي شيء لنفسه.

وقعدت أبص للشاشة وأنا مش مصدق.

أنا؟

سواق التوك توك البسيط؟

اسمي وصل لصحيفة في أمريكا!

والأغرب إن الحكاية ماوقفتش عند كده.

الخبر وصل لناس في أسوان، والموضوع وصل للمحافظة، وبعد أيام اتفاجأت بحد بيتصل بيا وبيقول لي:

"عم رمضان، حضرتك مطلوب تيجي المحافظة."

روحت وأنا فاكر إن فيه مشكلة أو حد بيسألني عن حاجة.

لكن أول ما دخلت، لقيت ناس مستنياني، وطلبوا مني أقف قدامهم، واتكرمت بشهادة تقدير تقديرًا لأمانتي.

وقتها حسيت إن رجلي مش شايلاني من الفرحة.

مش عشان الشهادة...

ولا عشان اسمي اتذكر في الصحافة...

لكن عشان افتكرت اللحظة اللي كانت الشنطة قدامي فيها، وافتكرت إن كان ممكن أعمل عكس اللي عملته.

كان ممكن أخبيها.

كان ممكن أقول محدش شافني.

كان ممكن أعتبرها رزق.

لكن الحمد لله إني سمعت صوت أبويا جوايا.

رجعت البيت بالشهادة، وعيالي اتجمعوا حواليا.

بنتي الصغيرة سألتني:

"يا بابا، هو أنت بقيت مشهور؟"

ضحكت وقلت لها:

"لا يا بنتي... أنا بس رجعت حاجة مش بتاعتي."

قالت لي:

"طب ليه الناس بتشكرك؟"

بصيت لها وقلت:

"عشان يا بنتي، الأمانة ساعات بتكون أغلى من الفلوس اللي جوه الشنطة."

سكتت شوية، وبعدين قالت لي جملة بسيطة جدًا، لكنها فضلت في قلبي:

"يعني لو كانت فلوسنا، كنا هنفرح... بس عشان مش فلوسنا، رجعناها؟"

ابتسمت وقلت لها:

"بالضبط."

وقتها عرفت إن اللي حصل كله ماكانش مجرد حكاية عن خمسة آلاف دولار.

كانت لحظة اختبار.

والاختبار الحقيقي مش بيكون لما تكون معاك فلوس كتير...

الاختبار الحقيقي بيكون لما تلاقي حاجة تقدر تخليها لنفسك، ومحدش في الدنيا هيعرف إنك خدتها، ومع ذلك تختار ترجعها.

السائح رجع بلده، لكن فضل على تواصل مع ناس عرفهم في أسوان، وحكايته عن سواق التوك توك المصري فضلت تتنقل من شخص للتاني.

أما أنا، فرجعت في اليوم التالي لتوك توكي كأني ماعملتش حاجة.

ركبت التوك توك، وشغلت الموتور، وبدأت يوم جديد.

لكن وأنا ماشي في الشارع، بصيت للناس حواليّ وابتسمت.

لأنني عرفت إن الإنسان ممكن يكون بسيط في نظر الدنيا كلها...

لكن موقف واحد صادق يخلي اسمه يوصل لأبعد مكان.

وخمسة آلاف دولار كانت ممكن تغير حياتي...

لكن الأمانة هي اللي غيرت نظرة الناس ليا.

ومن يومها، كل ما حد يسألني:

"لو لقيت فلوس كتير قدامك تعمل إيه؟"

بقول له:

"هفتكر إن اللي مش بتاعي، عمره ما هيبقى رزقي... وإن الواحد ممكن يرجع بيته بجيبه فاضي، بس يرجع وهو رافع راسه."

ودي كانت حكاية سواق توك توك بسيط...

اختار الأمانة في لحظة كان ممكن محدش يعرف فيها الحقيقة.

تم نسخ الرابط