لم يكن ما لاحظه غفير المقبرة في أعالي خنشلة، صباح يوم الجمعة، أمرًا عاديًا على الإطلاق.

لمحة نيوز

لم يكن ما لاحظه غفير المقبرة في أعالي خنشلة أمرًا عاديًا على الإطلاق، فحتى في أقسى أيام الصقيع، حين تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر وتتجمّد الأرض كالحجر وتختفي الأعشاب تحت طبقات الثلج، كان هناك قبر واحد فقط لا يتجمّد أبدًا ويظل أخضر كأنه منفصل عن هذا العالم

حين أدرك الطاهر، غفير المقبرة الذي قضى أكثر من ثلاثين عامًا بين القبور، أن هذا القبر وحده يبقى أخضر حتى في أبرد أيام الشتاء، ظن في البداية أنه مخطئ، فالمقبرة كلها كانت مغطاة بالجليد، شواهد القبور اكتست باللون الأبيض، والهواء نفسه كان يلسع الوجه من شدّة البرودة، ولم يكن هناك أي شيء حي في المكان… إلا تلك البقعة.

كان يعرف كل تفصيلة هنا، كل شق في الحجارة، وكل شجرة على طول السور، لذلك لم يستطع تجاهل الأمر، خاصة عندما اقترب من القبر وقرأ الكلمات المنحوتة عليه:

"إلى ابننا الحبيب

1999 – 2025"

ورغم أن الثلج غطّى كل شيء حوله، بقيت تلك الرقعة وحدها خالية، والعشب تحت الشاهد أخضر لامع، كأن دفئًا خفيًا ينبض من باطن الأرض، وعندما مدّ يده ولمس التراب شعر بحرارة خفيفة جعلته يسحبها فورًا، وكأن ما تحت الأرض ليس ساكنًا كما ينبغي.

حاول إقناع نفسه أن هناك تفسيرًا بسيطًا، ربما أحد الأقارب يزور القبر يوميًا ويزيل الثلج، ولذلك بدأ يأتي قبل الفجر ليراقب، يومًا بعد يوم، أربعة صباحات متتالية، يقف في الظلام

القارس يترقّب أي حركة، لكن لم يظهر أحد، ومع ذلك بقي القبر كما هو، أخضر وناعم بشكل يثير القلق.

ومع كل صباح، كان شعوره بعدم الارتياح يكبر، حتى لم يعد قادرًا على تجاهل ما يراه، وفي اليوم الخامس، أمسك مجرفته واتجه نحو القبر بخطوات بطيئة، مترددًا للحظة لأنه يعلم أن العبث بالقبر ليس أمرًا هيّنًا، لكن فضوله كان أقوى، فغرس المجرفة في الأرض

لتكون الصدمة أن التربة كانت لينة بشكل غير طبيعي، كأنها قُلبت مؤخرًا، وكلما تعمّق أكثر، زاد إحساسه بأنه يفعل شيئًا لا يجب أن يفعله.

وعلى عمق أقل من متر، اصطدمت المجرفة بشيء صلب، فتجمّد في مكانه، لم يكن حجرًا ولا عظامًا كما توقّع، بل كان معدنًا، شيئًا كثيفًا وباردًا، فركع على ركبتيه وبدأ يزيل التراب بيديه بحذر شديد، حتى ظهر السطح أمامه، أملس وغريب، وعندها أدرك الحقيقة التي جعلت قلبه ينقبض من الرعب… 

هذا لم يكن شيئًا موجودًا هنا بالصدفة، بل كان سرًا مدفونًا تحت الأرض، سرًا لم يكن يجب أن يراه أحد.

أزاح الطاهر التراب بحذرٍ شديد، وكأن كل حفنة يرفعها تقتطع جزءًا من سكونٍ كان يجب أن يظلّ مصونًا، حتى بدأ ذلك الجسم المعدني يظهر شيئًا فشيئًا تحت الأرض

صندوق صغير مدفون بإحكام، ومن جانبه يمتد سلك سميك يتجه نحو السور القديم للمقبرة، وقد بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى أن الأمر لم يكن عشوائيًا، بل عملٌ متقن أُنجز بعناية وصبر

طويل.

مدّ يده ولمس السطح، فتوقّف مذهولًا؛ كان دافئًا رغم أن الهواء من حوله قارس البرودة، وكأن دفئًا خفيًا ينبض في أعماقه، فابتعد خطوة وهو ينظر حوله في توجّس، لكن المقبرة بقيت غارقة في صمتها الأبيض، لا شيء فيها سوى الثلج والريح.

تردّد قليلًا، ثم رفع الغطاء ببطء، ليجد في الداخل جهاز تسخين بسيطًا موصولًا بأسلاك مرتّبة، يعمل بثباتٍ وهدوء، وكأنه يؤدي وظيفة واحدة لا يحيد عنها: أن يمنح هذه البقعة من الأرض دفئًا لا ينقطع.

تبع الطاهر السلك بنظره، ثم سار بمحاذاته حتى وجده مدفونًا بعناية، يمتد تحت التراب حتى يصل إلى لوحة توزيع صغيرة مخفية خلف بناء قديم عند طرف المقبرة

وكانت التوصيلات متقنة، بعيدة عن العبث والارتجال، ما يدلّ على أن الأمر قائم منذ زمن، وأنه ليس فعل لحظة عابرة، بل قرار استمرّ صاحبه عليه دون انقطاع.

عاد ببصره إلى القبر، إلى تلك الرقعة الخضراء التي تقف وحدها وسط بياض الشتاء القاسي، ولم يعد يشعر بالخوف كما في البداية، بل بشيء أعمق… حزنٍ هادئ يرفض أن يُقال.

مرّت أيام، حتى لاحظ قبيل الفجر رجلًا مسنًا يقف أمام القبر في صمت طويل، لا يتحرّك، كأنه يناجي شيئًا لا يُرى

ثم انحنى بهدوء، واتجه نحو اللوحة المخفية، تفحّص التوصيلات، وثبّتها بيدين ترتجفان قليلًا، ثم عاد إلى القبر، ومرّر كفّه فوق العشب برفق شديد، كأنه يخشى عليه من البرد، أو يخاف أن

تذبل خضرته.

اقترب الطاهر ببطء، وعندما التقت عيناه بالرجل، لم يجد إنكارًا ولا خوفًا، بل سكونًا عميقًا، كأن الحقيقة لم تكن سرًا في نظر صاحبها.

قال الرجل بصوت خافت، تغلّفه طمأنينة المؤمن:
"ابني كان يكره الشتاء… وكان يحب الخضرة… وكان يقول إن الأرض حين تخضرّ، تبدو أقرب إلى الرحمة."

سكت لحظة، ثم تابع وهو ينظر إلى القبر:
"لم أستطع أن أترك التراب فوقه قاسيًا جامدًا… لا روح فيه، أردتُ أن يبقى هذا الموضع حيًّا، أن تظلّ الخضرة فوقه شاهدة، كأنها دعاءٌ لا ينقطع، وكأن الرحمة لا تغيب."

وأشار إلى الأرض برفق:
"لهذا جعلتُها دافئة… لا لتحدّي شيء، ولا لمخالفة قدر، بل لأني أردتُ أن يبقى قبره أخضر… دائمًا… كما كان يحب."

لم يجد الطاهر ما يقوله، واكتفى بالنظر إلى المقبرة الممتدة من حوله، حيث الثلج يغطي كل شيء، وحيث السكون بارد وثقيل

ثم عاد بعينيه إلى تلك البقعة الصغيرة التي بقيت خضراء وحدها، تقاوم الجمود، لا بعنادٍ صاخب، بل بإصرارٍ هادئ يشبه الدعاء.

وفي تلك اللحظة، أدرك أن ما رآه لم يكن أمرًا غريبًا يُخيف، بل معنى إنساني عميق، رجل لم يطلب المستحيل، ولم يحاول تغيير ما كُتب

بل تمسّك بشيء بسيط… أن تبقى الخضرة فوق قبر ابنه، علامة حياة لا تنطفئ، وأثر حبٍّ لم يعرف كيف يزول.

ومنذ ذلك اليوم، لم يقترب الطاهر من ذلك القبر مرة أخرى، بل كان يمرّ من بعيد، ينظر

إليه لحظة قصيرة، ثم يمضي، وقد تعلّم أن بعض الأفعال، مهما بدت غريبة، قد تكون في حقيقتها أقرب إلى الرحمة منها إلى الغموض.

تم نسخ الرابط