عدتُ إلى بيتي بعد مهمة عمل استمرت ثلاثة أيام
عدتُ إلى بيتي بعد مهمة عمل استمرت ثلاثة أيام ، أحمل هدايا لزوجتي وابنتي لكنني اكتشفت أن زوجتي ماتت وأنا بعيد عنها.
تيتة كدابة! ماما ما ماتتش من غير سبب!
صرخت ابنتي الصغيرة ذات السنوات الست بجوار النعش، فانقطع همس المعزين دفعة واحدة، وتجمّد كل من في غرفة المعيشة في مكانه.
كنت قد عدت إلى فيلا عائلتنا في التجمع الخامس بالقاهرة، بعد أن قضيت ثلاثة أيام في مهمة أمنية خاصة لصالح شركة النقل واللوجستيات التي أعمل بها، وهي مهمة لم أتمكن خلالها من التواصل مع أحد تقريبًا.
وفي حقيبتي كنت أحمل هديتين اشتريتهما قبل عودتي وشاحًا حريريًا أخضر لزوجتي ندى، ودمية جديدة لابنتنا ليلى.
طوال الطريق إلى البيت، كنت أتخيلهما وهما تنتظرانني عند الباب.
لكنني عندما وصلت، وجدت زهور العزاء تملأ حديقة الفيلا.
كانت الكراسي مصطفة أمام المنزل، وشريط أسود معلقًا على البوابة، وبجوار مدخل غرفة المعيشة وُضعت صورة كبيرة لندى.
ثم رأيت نعشها.
اندفعت أمي سعاد نحوي وهي تبكي.
قالت
رجعت متأخر يا أحمد ندى ماتت من حوالي تلات أيام.
لم أستطع استيعاب كلماتها.
حدقت فيها وكأنني لم أسمع جيدًا.
إيه؟
ثم سألتها بصوت مرتجف
ليه محدش اتصل بيا؟
ردت بسرعة
حاولنا نتصل بيك، بس تليفونك ماكانش بيرد. مديرك قال إن المهمة اللي كنت فيها حساسة وممنوع تتقطع، وإن محدش يقدر يوصل لك.
كان كلامها يزيد ارتباكي
وفي تلك اللحظة، تدخلت خالتي عايدة، التي كانت تدير دارًا لتجهيز الموتى والدفن في المنطقة، وقالت وهي تنظر إلى الساعة
لازم نتحرك للمقابر قبل ما الوقت يتأخر.
نظرت إليها بدهشة.
نروح المقابر؟ دلوقتي؟
حاولت أن تبدو هادئة.
ندى كانت بتمر بضغط نفسي كبير يا أحمد وإطالة الموضوع مش هتفيد حد. خلّينا ندفنها ونرتاح.
توقفت أمامها.
ضغط نفسي؟ مين قال كده؟ وإيه اللي حصل أصلًا؟
وقبل أن تجيب، سمعت صوت ارتطام قوي.
كان أبي محمود قد ضرب قبضته اليسرى في ذراع كرسيه المتحرك.
كانت جلطة قديمة قد أفقدته معظم قدرته على الكلام والحركة، لكن عقله ظل حاضرًا تمامًا.
رفع يده وأشار بإصرار نحو السلم المؤدي إلى الطابق الثالث.
ثم كرر الإشارة.
كان يريد مني أن أصعد.
كان يحاول إخباري بشيء، لكنه لم يستطع نطق الكلمات.
وقبل أن أقترب منه، أفلتت ليلى يد جدتها وصرخت
تيتة كدابة!
ثم أشارت إلى أمي وهي تبكي
ماما ما ماتتش زي ما تيتة قالت!
ساد الصمت.
ثم نظرت إلى شريف، أخي الأصغر.
كان وجهه قد شحب فجأة.
واصلت ليلى
عمو شريف كسر باب أوضة ماما! ماما كانت بتصرخ!
أسرعت أمي نحوها.
ليلى يا حبيبتي، كفاية كلام!
لكن ليلى تراجعت عنها.
وتيتة أخدت موبايل ماما! وقفلوا علينا الأوضة!
نظر شريف إلى الأرض.
وشعرت لأول مرة بأن هناك شيئًا خطيرًا يحدث أمام عيني.
هزت أمي رأسها بسرعة.
هي متأثرة
ركعت أمام ليلى.
بصيلي يا حبيبتي.
نظرت إليّ.
قولي لبابا كل اللي فاكره.
تعلقت بي بقوة وقالت
ماما كانت عايزة تكلمك عمو شريف ماكانش عايزها تخرج وتيتة أخدت الموبايل.
ثم بدأت تبكي.
ماما كانت بتطلب المساعدة.
شعرت بقبضة تعصر صدري.
خلفي، عاد أبي إلى ضرب ذراع كرسيه.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم أشار إلى أسفل وسادة المقعد.
تحركت نحوه.
لكن خالتي عايدة أسرعت ووقفت في طريقي.
أحمد، بلاش دلوقتي.
نظرت إليها.
ليه؟
قالت
ادفن مراتك الأول. مشاكل العيلة نحلها بعدين.
كانت جملة عادية في ظاهرها.
لكنها جعلت كل شيء داخلي يتغير.
لماذا كان الجميع يريدون دفن ندى بأسرع ما يمكن؟
ولماذا كانت خالتي تخاف من أن أصعد إلى الطابق الثالث؟
ولماذا كان أبي يحاول إجباري على النظر أسفل كرسيه؟
توقفت عن طرح الأسئلة.
أخذت هاتف أحد أقاربي واتصلت بالشرطة على 122.
أسرعت أمي نحوي.
أحمد، اقفل الموضوع ده! مشاكل العيلة ما تطلعش بره البيت!
نظرت إليها مباشرة.
الموت في ظروف مشبوهة مش مشكلة عائلية.
بعد دقائق، وصلت سيارات الشرطة إلى الفيلا.
دخل رجال المباحث وطلبوا من الجميع البقاء في أماكنهم.
وفي أثناء ذلك، رأيت خالتي عايدة تبتعد إلى الممر، وتخرج هاتفها، وتكتب رسالة بسرعة.
راقبتها من بعيد.
وحين رفعت الهاتف قليلًا، استطعت قراءة الكلمات على الشاشة
هو
تسارعت ضربات قلبي.
من تقصد؟
ومن الشخص الذي كانت تحذره؟
وفي اللحظة نفسها، بدأ شريف يتحرك بهدوء نحو السلم.
اعترضت طريقه.
محدش يطلع فوق.
توقف.
نظر إليّ للحظات، ثم خفض عينيه.
ولأول مرة، رأيت الخوف واضحًا في وجه أخي.
عندها أدركت أن ما حدث خلال الأيام الثلاثة التي غبت فيها عن البيت لم يكن مجرد مأساة عائلية.
كان هناك شيء أخطر بكثير.
وشيء ما كان أبي يحاول كشفه منذ لحظة عودتي.
أوقفت الشرطة مراسم الدفن فورًا.
وأُغلق الطابق الثالث بالكامل، وأصبح مسرحًا للتحقيق.
دخل رجال المباحث غرفة ندى، وبدأوا في توثيق كل شيء.
كانت هناك آثار تلف واضحة حول باب الغرفة، وزجاج مكسور أسفل بعض قطع الأثاث، كما ظهرت آثار تنظيف حديثة في أماكن متفرقة، وكأن شخصًا حاول إزالة آثار ما حدث.
وفي الوقت نفسه، تحدثت أخصائية نفسية للأطفال مع ليلى بعيدًا عن أفراد العائلة.
كررت ليلى روايتها من دون تغيير في التفاصيل الأساسية.
قالت إن شريف اقتحم غرفة أمها بالقوة.
وإن ندى كانت تصرخ.
وإن جدتها أخذت هاتفها.
وإن الباب أُغلق عليها وعلى أمها من الخارج.
ثم شرحت كيف أُخرجت من الغرفة بعد ذلك وظلت تحت مراقبة جدتها، وهو ما جعلها قادرة على الوصول إلى العزاء بعد وفاة أمها.
لكن التقارير الطبية كشفت شيئًا أخطر.
ندى كانت قد تعرضت لإصابة قبل وفاتها، ولم تحصل على المساعدة الطبية العاجلة التي
ظلت أمي تصر على أن ندى كانت تمر بحالة نفسية سيئة وأن وفاتها لم تكن نتيجة اعتداء.
لكن أبي طلب لوحة