ليلة أمس حين ضربني ابني، لم أبكِ… بل انتظرت الصباح
هذا الصباح لم أصرخ ولم أعاتب
أخرجت مفرش الطاولة الذي لا أستخدمه إلا في المناسبات،
وأعددت له فطورًا كاملًا كأننا على وشك الاحتفال.
لكن ما كان ينتظره
لم يكن فطورًا.
وحين نزل مبتسمًا، قال بسخرية
واضح إنكِ فهمتِ أخيرًا
ثم اختفى صوته فجأة.
تجمّد في مكانه.
لأنه رأى من يجلس على الطاولة.
قبل ساعات فقط
في مطبخ بيتنا في الدار البيضاء، قال لي ابني ببرود
لو قلتِ لي لا مرة ثانية أقسم أنكِ ستندمين على يوم ولادتي.
في تلك اللحظة
فهمت أنني لم أعد أتعامل مع نوبة غضب عابرة،
بل مع رجل تعلّم كيف يحوّل غضبه إلى تهديد.
اسمه ياسين.
كان طويلًا منذ صغره قوي البنية حضوره يسبق صوته.
طفلًا، كان يضحك كثيرًا يلتصق بي وكأنني كل ما يملك.
لكن كل شيء تغيّر.
بعد طلاقي من والده عبد القادر، وانتقاله إلى مراكش، بدأ الغضب يتسلل إليه.
ترك دراسته ..تنقّل بين أعمال لم تستمر.
ثم تركته الفتاة التي أحبها.
وبعدها لم يعد بحاجة لسبب.
صار يرى نفسه مظلومًا دائمًا وأن العالم كله مدين له بشيء.
وأنا كنت أبرر.
أبرر صراخه.
أبرر طريقته القاسية معي.
أبرر طلباته التي تحوّلت إلى أوامر.
أبرر الليالي التي يعود فيها متأخرًا والأعذار الجاهزة.
غدًا أعيد لك المال
لا تكبّري الموضوع
أنتِ دائمًا تجعلينني المخطئ
نحن الأمهات أحيانًا نخلط بين الحب والتنازل.
في تلك الليلة، عدت من عملي في مكتبة المدرسة متعبة.
قدماي تؤلمانني ظهري مثقل
وقلبي لم يعد يحتمل.
دخل ياسين المطبخ وطلب مالًا.
قلت
لا.
بهدوء دون شرح دون تبرير.
نظر إليّ وابتسم ابتسامة باردة.
لا؟ ومن تظنين نفسكِ؟
أجبته، ويدي ترتجف
أنا التي تصرف على هذا البيت. انتهى الأمر يا ياسين لن
تغيّر وجهه في لحظة.
لا تتحدثي معي بهذا الأسلوب.
بل هذا هو الأسلوب الذي كان يجب أن أستخدمه منذ زمن.
ضحك ضحكة خالية من أي روح.
ثم قال ببطء
يبدو أنكِ نسيتي مكانك.
لم أرَ الضربة وهي تأتي.
كانت سريعة قاسية مفاجئة.
لم أسقط لم أصرخ.
لكن شيئًا في داخلي انكسر.
والأسوأ لم يكن الألم.
بل الصمت الذي تلاها.
نظر إليّ دون أي ندم ثم صعد إلى غرفته وأغلق الباب.
وكأن شيئًا لم يحدث.
وقفت وحدي في المطبخ أستند على الطاولة
وأدركت حقيقة واحدة
لم أعد آمنة في بيتي.
عند الواحدة وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل
أمسكت هاتفي.
واتصلت بالرجل الذي كنت أتجنب الاتصال به منذ سنوات.
عبد القادر
ردّ بصوتٍ مثقل بالنوم
نعم؟
ترددت لحظة
ثم قلت
ابنك ضربني.
صمت.
ثم جاء صوته هذه المرة مختلفًا
أنا في الطريق.
لم أنم.
في الرابعة صباحًا بدأت أعدّ الفطور.
خبز ساخن شاي بيض كل شيء مرتب بعناية.
وأخرجت مفرش الطاولة المطرّز.
لم يكن احتفالًا.
كان قرارًا.
قبل السادسة بقليل وصل عبد القادر.
لم يكن وصوله مفاجئًا
فقد اتفقنا على كل شيء منذ مكالمتي معه في الليلة الماضية.
شعره غزاه الشيب وملامحه أصبحت أكثر صرامة،
لكن عينيه كانتا ثابتتين كأنهما تعرفان ما الذي يجب فعله.
دخل دون تردد.
نظر إلى وجهي إلى يديّ
ثم أومأ برأسه قليلًا، وكأنه يؤكد لنفسه أن القرار الذي اتخذه كان في مكانه.
لم يسأل عمّا حدث فهو يعرف.
نظر نحو الدرج، ثم قال بهدوء
حان الوقت أليس كذلك؟
أجبته بصوتٍ منخفض
سينزل الآن موعد فطوره.
تبادلنا نظرة قصيرة
لم نحتج فيها إلى كلام.
كل شيء كان محسوبًا منذ الأمس.
نزل ياسين على الدرج بخطواتٍ واثقة،
كان عبد القادر يجلس على الطاولة.
لم يتحرك لم يتكلم فقط رفع عينيه إليه بنظرةٍ ثابتة، خالية من أي تردد.
اختفت ابتسامة ياسين تدريجيًا، وقال ببطء
والدي؟
لم يجبه أحد.
كانت أمه تقف قرب الطاولة، تُرتّب الأكواب بهدوءٍ غريب، وكأنها لا ترى التوتر الذي ملأ المكان. ثم جلست، وأشارت له أن يقترب.
تعال إفطارك جاهز.
تقدّم بخطواتٍ مترددة هذه المرة، وجلس، لكنه لم يرفع عينيه عن والده.
ما الذي تفعله هنا؟
وضع عبد القادر يده على الطاولة، وقال بصوتٍ منخفض لكنه حاسم
اجلس.
جلس بالفعل.
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة، قبل أن تدفع الأم ظرفًا صغيرًا نحوه.
افتح.
نظر إليها باستغراب، ثم التقط الظرف وفتحه بلا اهتمام في البداية لكن ملامحه تغيّرت فجأة.
توقفت أنفاسه.
عيناه تتحركان بين الأوراق بسرعة، ثم ببطء ثم توقفتا.
رفع رأسه بحدة
من أين حصلتِ على هذه؟
أجابته دون أن ترفع صوتها
من الأماكن التي كنت تذهب إليها ومن الناس الذين ظننتهم أصدقاء.
حاول أن يضحك، لكن صوته خرج مضطربًا
وهل هذا يُخيفني؟
انحنى عبد القادر قليلًا للأمام، وقال
يجب أن يخيفك.
صمت.
ثم أضاف، وهو ينظر إليه مباشرة
هذه إيصالات أمانة كافية لتدخلك السجن لسنوات.
تجمّد ياسين في مكانه.
نظر إلى أمه ثم إلى أبيه ثم عاد بعينيه إلى الأوراق، كأنه يحاول إنكار ما يراه.
قال بصوتٍ منخفض
وماذا تريدان؟
أجاب عبد القادر دون تردد
أن تنقذ نفسك من الدمار.
سكت لحظة، ثم أضاف
ستأتي معي.
ارتفع صوت ياسين فجأة
إلى أين؟
أجابه بهدوء
إلى المزرعة
ضحك بسخرية
أنا؟ أعمل في تربية المواشي؟ مستحيل.
هنا تدخلت الأم أخيرًا، ونظرت إليه نظرةً لم يرها من قبل
نحن لا نطلب موافقتك.
وضعت فنجان الشاي أمامه بهدوء، ثم قالت
إما أن تذهب معه اليوم وتعمل لتسدد ما عليك،
وإما أن تذهب هذه الأوراق إلى الشرطة.
ساد صمتٌ ثقيل.
لم يكن تهديدًا
بل حقيقة جاهزة.
نظر إليهما ثم إلى يده التي لا تزال تمسك بالأوراق.
ولأول مرة منذ سنوات
لم يجد ما يقوله.
رفعت الأم عينيها إليه، وقالت بهدوءٍ قاطع
هذه آخر مرة أحاول حمايتك.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا.
لم يُجادل ياسين كثيرًا
ولم يصرخ كما كان يفعل دائمًا.
فقط وقف، وكأن شيئًا داخله قد انطفأ فجأة، ثم قال بصوتٍ منخفض
متى نغادر؟
نظر إليه عبد القادر لثوانٍ، ثم أجاب
الآن.
لم يلتفت ياسين إلى أمه وهو يصعد ليجمع بعض أغراضه، وكأنه يخشى أن يراها أو أن يرى نفسه في عينيها.
أما هي، فبقيت جالسة مكانها.
لم تحاول منعه ولم تنادِ عليه.
فقط أغمضت عينيها لحظة، ثم همست بصوتٍ لا يُسمع
ليحفظك الله ولو بعيدًا عني.
بعد ساعة
كانت السيارة تشق الطريق خارج الدار البيضاء، تاركةً خلفها الزحام والضجيج، متجهةً نحو طرقٍ أطول وأهدأ وأكثر قسوة.
جلس ياسين في المقعد الخلفي، ينظر من النافذة دون تركيز.
المدينة تبتعد والصمت يزداد.
اختفت المباني ثم الأشجار
ثم أي علامةٍ على الحياة التي اعتادها.
الأرض صارت أكثر جفافًا، والهواء أكثر حرارة، حتى وصلا إلى أطرافٍ بعيدة من ضواحي مراكش، حيث لا شيء يشبه ما تركه خلفه.
توقفت السيارة أخيرًا.
نزل عبد القادر أولًا، ثم أشار له دون كلام.
انزل.
فتح ياسين الباب ببطء، وما إن وضع قدمه على الأرض
الصمت هنا مختلف
ثقيل كأنه يراقبك.
نظر حوله أرض ممتدة سياج بسيط
وبعيدًا، قطيع من الغنم يتحرّك ببطء.
اقترب رجلٌ مسنّ، حيّا عبد القادر، ثم نظر إلى ياسين نظرة سريعة قبل أن ينصرف.
قال ياسين بحدة
ما هذا المكان؟
أجابه والده وهو يتقدّم
مكان ستتعلّم فيه.
توقف ياسين لحظة، ثم قال بنفاد صبر
وأتعلم ماذا تحديدًا؟
لم يُجب عبد القادر فورًا.
أشار بيده إلى الجهة الأخرى، حيث كان بعض العمال يتحرّكون تحت الشمس الحارقة.
انظر جيدًا.
تبع ياسين الإشارة.
رأى رجالًا يسيرون خلف القطيع لمسافات طويلة، يدفعونه بعصيّ طويلة، يركضون حين يتشتت،