في الثانية فجرًا

لمحة نيوز

في الثانية فجرًا… أيقظتني ابنتي وهي ترتجف، وقالت:
"أمي… أنا أعرف ما حدث حقًا لأبي وإخوتي… الشرطة كذبت عليك."

كنت أنا وزوجي سليم نعيش في إحدى القرى الجبلية في سلطنة عُمان، ومعنا ثمانية أطفال؛ خمس بنات وثلاثة أولاد.
كانت عائلتي عالمي كله، كل ما أملكه في هذه الحياة.

حين كبر الأولاد قليلًا، أصبح لدينا تقليد خاص؛ كان سليم يأخذ أبناءه الثلاثة في رحلة قصيرة إلى كوخ قديم في جبال الحجر، بالقرب من جبل شمس، حيث الطرق الجبلية الوعرة والمنحدرات الحادة، يقضون فيها بضعة أيام بعيدًا عن كل شيء… مجرد أب وأبنائه.

لكن قبل خمس سنوات، خرجوا في تلك الرحلة… ولم يعودوا أبدًا.

في الطريق، ضربت بقايا إعصارٍ عنيف المنطقة، وامتدت تأثيراته حتى الجبال.
قيل إن سليم فقد السيطرة على السيارة في طريق جبلي زلق، فانقلبت عدة مرات وسقطت في وادٍ عميق.
عُثر على السيارة لاحقًا…
ولم ينجُ أحد.

لم أستطع استيعاب ما حدث.
سليم لم يكن

متهورًا قط، كان دائمًا يتفقد الطقس، ويعرف متى تأتي العواصف.
بل أتذكر جيدًا أنه في الأيام التي سبقت الرحلة، كان متوترًا على غير عادته، يخرج كثيرًا ويعود صامتًا، وكأنه يفكر في أمرٍ خطير لم يُرد أن يثقلنا به.
فكيف خرج في يوم كهذا؟

في ذلك اليوم، جاء الرائد حسام، صديق العائلة وضابط الشرطة، وتولى التحقيق بنفسه.
ولأنه كان الأقرب إلينا… لم أشك لحظة في أن يتولى كل شيء.
قال إن الحادث قضاء وقدر، وإن السيارة انزلقت من الطريق وانقلبت عدة مرات، ولم يكن بالإمكان إنقاذ أحد.

في لحظة واحدة… انهارت حياتي.
حاولت أن أتماسك فقط من أجل بناتي الخمس.

مرت خمس سنوات…
وما زلت أفتقد سليم وأبنائي كل يوم.

ابنتي الصغرى، ليان، بدأت تسأل مؤخرًا أكثر من أي وقت مضى عمّا حدث لوالدها وإخوتها.
كانت في السادسة حين وقع الحادث، وكنت أعلم أنها تريد أن تفهم… لكن الذكريات كانت تؤلمني أكثر مما أستطيع تحمله.
لذلك كنت أتهرب من التفاصيل.

لكن في الليلة الماضية…

دخلت ليان غرفتي وأيقظتني.
فتحت عينيّ على وجه شاحب، وعينين ممتلئتين بالخوف.

سألتها بقلق:
"حبيبتي، هل أنتِ بخير؟"

قالت بصوت مرتجف:
"أمي… وجدت شيئًا… رسالة أخفاها أبي داخل دميتي… كنت أحاول إصلاحها بعدما انفتح خيط في ساقها… وسمعت شيئًا بداخلها… ثم سقطت."

جلست بسرعة، وقلبي يخفق بقوة.
"أي رسالة؟ ماذا تقولين؟"

امتلأت عيناها بالدموع، وهمست:
"أمي… أنا أعرف ما حدث حقًا لأبي وإخوتي… الشرطة كذبت عليك."

تجمدت في مكاني.

ناولَتني ورقة صغيرة مطوية بعناية.
كانت يداها ترتجفان.

أخذتها ببطء، وفتحتها تحت ضوء المصباح الخافت…

وفي اللحظة التي وقعت عيناي على الخط… توقف نفسي.
كان خط سليم.

ثبتُّ نظري على الورقة، بينما بدأت الكلمات تتضح أمامي رغم ارتجاف يدي:

"إذا كنتِ تقرئين هذا… فاعلمي أن شيئًا خطيرًا قد حدث.
لا تثقي في حسام… إنه ليس صديقنا.
اكتشفتُ أنه يستخدم كوخنا

منذ عام كموقع لتمرير شحنات غير قانونية.
لقد علم أنني اكتشفت الأمر… وهددني أنا والأولاد.
لم يكن لدي وقت للانتظار… كان يعرف أنني اكتشفت أمره.
كنت أعلم أنه قد يصل إليهم إن بقوا في المنزل… لذلك أخذتهم معي.
معي وحدة تخزين تحتوي على كل الأدلة… أخفيتها داخل رجل الدمية.
إن لم نعد… خذيها واذهبي بها إلى جهة أمنية عليا في العاصمة… لا تذهبي إلى الشرطة المحلية."

توقفت الكلمات أمام عينيّ… وبدأت الدموع تنهمر دون توقف.

حسام…
ذلك الذي وقف إلى جواري في العزاء…
ذلك الذي أمسك بيدي، وأقسم لي أن ما حدث مجرد حادث…

لم يكن يواسي…
كان يتأكد أن الحقيقة دُفنت معهم.

رفعت رأسي ببطء، ونظرت إلى ليان.
كان الخوف في عينيها أكبر من أن يُحتمل.

قالت بصوت خافت:
"هل… هل آذاه يا أمي؟"

مسحت دموعي، وشعرت بشيء يتغير داخلي…
شعرت أن الأرض انسحبت من تحت قدمي… لكن لم يكن لدي وقت للانهيار.
في تلك اللحظة… لم أعد تلك المرأة

التي فقدت كل شيء.
لم يعد الحزن وحده هو المسيطر… بل شيء أشد، أصلب.

قلت بهدوء حاسم:
"لا أعرف بعد… لكننا سنعرف."

أخذت الدمية من بين يديها، وأحضرت مقصًا صغيرًا.
بدأت أفتح الخياطة في ساقها ببطء، بينما أنفاسي تتسارع.

تم نسخ الرابط