لا تتركني... أرجوك! توسّلت سلمى إلى زوجها وهي تبكي

لمحة نيوز

كان أهل القرية الواقعة قرب وادي حلفا يخافون من الاقتراب من الضفة الشمالية للنيل بعد غروب الشمس.
ولم يكن ذلك الخوف بلا سبب.
فمنذ سنوات طويلة، اختفى رجال وصيادون قرب تلك المنطقة، وعُثر أحيانًا على قوارب ممزقة عند الحواف الطينية، بينما بقيت المياه السوداء تبتلع أسرارها بصمت مرعب.
وكانت هناك شجرة عجوز ضخمة تميل فوق النهر مباشرة، يطلق عليها السكان اسم
شجرة خور التماسيح.
حتى الأطفال كانوا يتوقفون عن اللعب عندما يُذكر اسمها.
لكن سلمى لم تكن تفكر في شيء من ذلك وهي تسير بين بيوت السوق الترابية ذلك المساء، تحمل سلة صغيرة فوق ذراعها وتحاول تجاهل نظرات النساء حولها.
كانت تعرف أن الجميع يراقبها.
فالقرية كلها تعلم كيف كان زوجها إدريس يعاملها.
رجل قاسٍ
صامت
يخافه الجميع.
حتى الرجال أنفسهم كانوا يتجنبون النظر في عينيه طويلًا.
ومنذ زواجهما قبل سبع سنوات، لم يسبق لسلمى أن رفعت صوتها عليه ولو مرة واحدة.
كانت تطيعه دائمًا.
تخفض رأسها عندما يغضب.
تصمت عندما يهينها.
وتتحمل قسوته كأنها جزء طبيعي من الحياة.
لكن شيئًا ما تغيّر داخلها في ذلك اليوم.
ربما بسبب الصفعة التي تلقتها الليلة الماضية أمام ابنها الصغير.
أو بسبب نظرات الشفقة التي باتت تراها في عيون الناس كلما مرت قربهم.
كانت تشعر أن روحها تختنق ببطء.
وفي السوق، بينما كان إدريس يصرخ عليها لأنها تأخرت في شراء الدقيق، حدث ما لم يتوقعه أحد.
رفعت سلمى رأسها أخيرًا.
وقالت بصوت خافت لكنه واضح
لم أعد أخاف منك.
ساد الصمت فجأة.
حتى الباعة توقفوا

عن الكلام.
وشعرت سلمى فورًا بأنها ارتكبت خطأً مرعبًا.
لأن إدريس لم يغضب.
لم يصرخ.
ولم يضربها.
بل اكتفى بالنظر إليها نظرة باردة جعلت الدم يتجمد في عروقها.
ثم أمسك بذراعها بهدوء وقال
عودي إلى المنزل.
كانت تلك الجملة أخطر من أي صراخ.
طوال الطريق، لم ينطق بكلمة واحدة.
وكان ذلك الصمت يقتلها أكثر من الضرب.
وعندما وصلا إلى المنزل، دخل إدريس إلى الغرفة الخلفية وأغلق الباب خلفه.
سمعت سلمى صوت احتكاك معدني
ثم صوت شيء ثقيل يُسحب فوق الأرض.
بدأ قلبها ينبض بعنف.
وعندما خرج، كان يحمل حبلاً سميكًا.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
إدريس ماذا ستفعل؟
لكنه لم يجب.
أمسكها من ذراعها بعنف وجرّها خارج المنزل.
بدأت تبكي فورًا وهي تحاول التمسك بالأبواب الخشبية والصخور الصغيرة على الطريق الترابي.
والناس؟
لم يتحرك أحد.
ليس لأنهم قساة
بل لأن إدريس كان الرجل الذي يخشاه الجميع في القرية.
قبل سنوات، كسر ذراع رجلٍ فقط لأنه حاول التدخل في شجار بينه وبين أحد العمال.
وفي مرة أخرى، اختفى شاب بعدما تشاجر معه قرب النهر، ولم يجرؤ أحد حتى على سؤال إدريس عمّا حدث تلك الليلة.
حتى رجال الشرطة في المنطقة كانوا يتجنبون الدخول معه في مشاكل مباشرة، بسبب علاقاته برجال التهريب على الحدود.
لذلك، عندما جرّ سلمى أمام الناس
خفض الرجال أبصارهم فورًا.
وأغلقت النساء النوافذ بسرعة.
إحدى العجائز بدأت تبكي هامسة
سيقتلها هذه المرة
لكن لا أحد امتلك الشجاعة للاقتراب منه.
حتى مختار القرية نفسه تراجع عندما لمح نظرة إدريس الباردة.
كان
الجميع يعرف شيئًا واحدًا فقط
الرجل الذي يقف في طريق إدريس
يندم.
ومع اقترابهما من النيل، بدأت رائحة المياه الثقيلة والطين الرطب تملأ الهواء.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، والسماء تشتعل بلون أحمر قاتم.
وفجأة
رأت الشجرة.
شجرة خور التماسيح.
توقفت سلمى بعنف حتى كادت تسقط.
لا لا يا إدريس أرجوك
لكن ملامحه بقيت جامدة كالحجر.
تحت الشجرة مباشرة، كانت مياه النيل تتحرك ببطء غريب.
دوائر طويلة تظهر ثم تختفي.
شيء ضخم يتحرك تحت السطح.
ثم ظهر أول تمساح.
خرج رأسه الداكن من الماء بصمت، وعيناه مثبتتان عليها مباشرة.
شهقت سلمى وتراجعت، لكن إدريس جذبها بقوة نحو الشجرة.
بدأت تبكي هستيريًا وهي تحاول الإمساك بثوبه.
أقسم إنني لن أكررها أرجوك بالله عليك
لكن عينيه كانتا فارغتين تمامًا.
ربط الحبل حول معصميها بقوة حتى صرخت من الألم.
ثم ألقى طرف الحبل فوق الغصن السميك.
وبعد لحظات
ارتفع جسدها عن الأرض.
صرخت سلمى بعنف عندما أصبحت معلقة فوق المياه مباشرة.
كانت قدماها ترتجفان في الهواء، بينما أخذ الحبل يقطع جلد معصميها ببطء.
ثم حدث الصوت.
رشششش!
قفز تمساح ضخم قربها حتى تناثر الماء القذر فوق وجهها.
صرخت ورفعت ساقيها نحو صدرها غريزيًا.
ثم ظهر الثاني.
والثالث.
وبدأت التماسيح تدور أسفلها ببطء مرعب.
كانت تتحرك بصبر
كأنها تنتظر فقط اللحظة المناسبة.
أما إدريس
فاستدار بهدوء.
اتجه نحو جمله وربط الحبل في السرج كي تبقى معلقة.
ثم امتطى الجمل.
وقبل أن يغادر، نظر إليها أخيرًا.
نظرة باردة بلا ذرة رحمة.
ثم رحل.
صرخت
سلمى خلفه حتى تمزق صوتها.
لا تتركني! أرجوك! سأموت!
لكنه لم يتوقف.
واختفى تدريجيًا وسط ظلام الصحراء.
وبقيت وحدها.
فوق النيل.
فوق التماسيح.
ومع اختفاء آخر خيط من ضوء الشمس، بدأت الليلة الحقيقية.
كان الظلام كثيفًا بشكل مرعب.
ولم تعد ترى سوى انعكاس القمر فوق المياه السوداء وعيون التماسيح اللامعة تحتها.
كانت تسمع أصوات حركتها باستمرار.
ماء يتحرك.
فكوك ترتطم.
وذيل ضخم يضرب السطح بعنف.
كل دقيقة كانت تمر كأنها ساعة كاملة.
وبدأت يداها تتخدران تدريجيًا.
كانت تشعر بأن كتفيها يتمزقان من الألم.
حاولت أن تتحرك لتخفيف الضغط عن معصميها، لكن ذلك جعل الحبل يغوص أكثر داخل جلدها.
ثم فجأة
قفز أحد التماسيح عاليًا.
صرخت سلمى عندما شعرت بأسنانه تحت قدمها مباشرة.
سقط حذاؤها داخل الماء.
وفي ثانية واحدة اختفى الحذاء بين الفكوك.
بدأت تبكي بعنف.
لم تعد تفكر في النجاة.
كانت فقط تريد أن ينتهي ذلك الكابوس.
مرت ساعات طويلة.
وفي مكان بعيد داخل القرية، كان الناس يسمعون صرخاتها تأتي مع الرياح.
لكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب.
حتى الرجال الأقوياء رفضوا الذهاب إلى خور التماسيح ليلًا.
قال أحدهم بصوت مرتجف
سنجد جثتها صباحًا
لكن شيئًا آخر كان يحدث قرب النهر.
فعلى بُعد مئات الأمتار، كان رجل يُدعى عمران يقود شاحنته القديمة عائدًا من السفر.
كان صيادًا يعرف النيل جيدًا.
وفجأة
سمع صوتًا.
صوت امرأة تصرخ.
أوقف المحرك فورًا.
أنصت مرة أخرى.
ثم سمعها بوضوح
ساعدوني أرجوكم
تغيّرت ملامحه فورًا.
أمسك بندقيته وقفز من الشاحنة.

ومع اقترابه من الضفة، لمح شيئًا جعله يتجمد في مكانه.
امرأة معلقة فوق المياه.
وتماسيح تدور أسفلها.
ركض فورًا نحو الشجرة.
وفي اللحظة نفسها، قفز
تم نسخ الرابط