جوزي أرسل إليَّ مئةً وخمسين ألف دينارٍ عراقي عن طريق الخطأ الجزء الثاني
الجزء الثاني
وهنا فقط شعرت ليان بأن الكارثة أكبر مما تخيلت.
لم يكن الأمر خيانةً فقط
بل مؤامرة كاملة شاركت فيها العائلة بأكملها!
جلست على طرف السرير للحظات، والهاتف ما يزال بين يديها، بينما صوت المياه المتساقطة من الحمّام يملأ المكان.
كان حيدر في الداخل
يقف بكل هدوء تحت الماء
في الوقت الذي كانت حياتها كلها تنهار خارجه.
رفعت ليان عينيها ببطء نحو خزانة الغرفة.
هناك
فوق الرف العلوي
كان ملف الأوراق الذي كانت والدة حيدر تُصرّ منذ أشهر أن توقع عليه.
مجرد وكالة بسيطة لتسهيل المعاملات بعد الولادة.
هكذا كانوا يقولون دائمًا.
لكن الآن فقط
فهمت معنى الإلحاح.
وفهمت سبب استعجالهم.
وفهمت لماذا كانت حماتها تكرر دائمًا
بعد الولادة ستكونين متعبة دعي حيدر يهتم بكل شيء.
لم يكونوا ينتظرون راحتها
بل ضعفها.
شعرت ليان بقشعريرةٍ باردة تسري في جسدها كله.
فنظرت نحو باب الحمّام المغلق
ولأول مرة منذ زواجهما
شعرت بالخوف الحقيقي من الرجل الموجود خلف ذلك الباب.
لكن بدل أن تنهار
فتحت هاتفها بهدوء.
صوّرت الرسائل.
أرسلتها إلى بريدها الإلكتروني.
بعدها أغلقت الهاتف ببطء
وكأنها تغلق بابًا أخيرًا في قلبها.
وحين خرج حيدر من الحمّام بعدها بدقائق، وجدها تجلس بهدوءٍ مخيف، تحتسي كوب الماء وكأن شيئًا لم يحدث.
ابتسم لها بثقة الرجل الذي يظن أن الجميع ما يزال يصدقه.
أما ليان
فكانت تنظر إليه للمرة الأخيرة بعين الزوجة.
لأنها منذ تلك اللحظة
بدأت تتحول إلى امرأةٍ تقاتل لتحمي نفسها وطفلتها.
في ظهر ذلك اليوم، لم تنتظر ليان عودة حيدر إلى المنزل.
ارتدت عباءتها السوداء الواسعة، وأخفت بطنها المنتفخ بصعوبة، ثم خرجت تحت المطر وهي تشعر
كانت تعرف وجهتها جيدًا.
بيت أهلها في الأعظمية.
منذ زواجها، كان حيدر يحاول دائمًا إبعادها عن عائلتها بحججٍ كثيرة
إخوتكِ يتدخلون كثيرًا
أمكِ تكرهني
البيت لا يُبنى بكثرة الشكاوى
حتى أصبحت تزورهم قليلًا، وتخفي عنهم نصف ما تعيشه.
لكن هذه المرة
لم تعد تستطيع حمل كل شيء وحدها.
فتحت لها شقيقتها الكبرى، سارة، الباب، وما إن رأت وجهها الشاحب حتى شهقت بفزع.
ليان؟! ماذا حدث؟!
حاولت ليان التماسك، لكن الدموع التي حبستها طوال الليل خانتها أخيرًا.
انهارت في حضن أختها وهي ترتجف.
وخلال دقائق، كان إخوتها الثلاثة يجلسون حولها في غرفة الضيوف، بينما والدها أبو علي يضغط سبحته بعصبيةٍ واضحة.
وضعت ليان الهاتف أمامهم بصمت.
قرأوا الرسائل.
ثم عمّ الصمت.
صمت ثقيل يشبه ما يسبق الانفجار.
أول من تكلم كان أخوها الأوسط مصطفى، وقد احمرّت عيناه غضبًا
والله لأدفنه حيًّا
لكن والدها رفع يده فورًا.
لا أحد يتحرك.
نظر الجميع إليه.
كان وجهه قاسيًا بطريقة أخافت ليان نفسها.
وقال ببطء
الرجال الذين يخونون زوجاتهم لا يخافون الضرب
يخافون الفضيحة والقانون وخسارة كل شيء.
ثم التفت نحو ابنته.
هذا البيت بيتك يا ليان قبل أن تعرفي حيدر أصلًا. ولن يخرجكِ منه أحد.
وهنا فقط
شعرت ليان بأن ظهرها لم يعد وحيدًا.
في تلك الليلة، جلست مع شقيقتها سارة حتى الفجر تراجع كل شيء.
التحويلات القديمة.
مصاريف البيت.
الأموال التي كانت تدفعها ليان من عملها في تصميم الإعلانات المنزلية، بينما كان حيدر يقنعها دائمًا أنه يتحمل كل شيء وحده.
بيت الكرخ الذي يعيشون فيه
مسجل أصلًا باسمها هي.
فقد اشترته قبل الزواج بجزءٍ من ميراث
لكن حيدر ووالدته كانا يحاولان منذ أشهر إقناعها بتوقيع وكالة عامة بحجة تسهيل المعاملات بعد الولادة.
الآن فقط فهمت الحقيقة.
كانوا ينتظرون أن تُصبح ضعيفة ومتعبة بعد الولادة ليسرقوا البيت رسميًا.
وفي اليوم التالي مباشرة، أخذها والدها إلى مكتب محامٍ معروف في بغداد يُدعى كريم السامرائي.
كان رجلًا هادئًا تجاوز الخمسين، لكن عينيه كانتا حادتين بشكلٍ مخيف.
قرأ الرسائل كاملة.
واستمع للتسجيل الصوتي الذي كانت ليان قد سجّلته لحيدر دون أن يدري ليلة أمس، حين قال لها
ليس من مصلحتك أن تقفي ضدي.
ثم خلع نظارته وقال
ما يحدث هنا ليس خيانة زوجية فقط
هذا شروع بالاستيلاء على ممتلكات، واستغلال مالي، وتهديد موثق.
شعرت ليان بأن قلبها يرتجف.
ولأول مرة منذ يومين
شعرت أن أحدًا يصدق ألمها.
بدأ المحامي فورًا بإجراءات حماية البيت قانونيًا، ومنع أي توكيل أو تنازل دون حضورها شخصيًا.
كما طلب منها إلغاء البطاقات الإضافية المرتبطة بحسابها البنكي.
وفي المساء
رنّ هاتف حيدر بجنون.
اتصال وراء اتصال.
ثم رسالة
لماذا البطاقة مرفوضة؟!
ثم أخرى
ليان ردي عليّ.
ثم
أنا في موقف محرج أمام الناس!
لكن ليان أغلقت الهاتف بهدوء.
ولأول مرة
تركتْه يغرق وحده.
عاد حيدر إلى المنزل بعد ساعتين وهو يكاد ينفجر غضبًا.
دفع الباب بقوة حتى ارتجّت الجدران.
كانت ليان تجلس في الصالة تقرأ القرآن بهدوء، بينما تجلس سارة قربها.
تجمّد حيدر فور رؤيته لشقيقتها.
وقال بحدة
ماذا تفعلين هنا؟
أجابته سارة ببرود
جئت أطمئن على أختي لأن هناك رجالًا لا يؤتمنون على النساء الحوامل.
اشتعل وجهه غضبًا.
ثم التفت إلى ليان.
هل ألغيتِ
أغلقت المصحف بهدوء.
وقالت
نعم.
لماذا؟!
لأنها باسمي.
اقترب منها بعصبية.
نحن زوجان!
إذًا لماذا ترسل مئة وخمسين مليونًا لعشيقتك من حساباتك المشتركة معي؟
ساد الصمت.
حتى أنفاسه توقفت للحظة.
كانت تلك أول مرة يعرف فيها أن اللعبة انتهت.
نظر إلى سارة ثم إلى الهاتف فوق الطاولة ثم عاد ينظر إلى ليان.
كنتِ تتجسسين عليّ؟
ضحكت ليان بمرارة.
الرجل الذي يخون زوجته لا يحق له الحديث عن الخصوصية.
بدأ يمشي في الغرفة بعصبية.
اسمعي يا ليان الموضوع ليس كما تتخيلين
إذًا كيف هو؟ هل زهراء مجرد قريبة بعيدة تحمل منك صدفة؟
صمت.
وذلك الصمت كان اعترافًا كاملًا.
شعرت ليان بشيء ينكسر داخلها لكن ليس ضعفًا.
بل آخر خيطٍ من الحب.
وفجأة دخلت والدة حيدر إلى الشقة دون استئذان، كعادتها دائمًا.
كانت تحمل أكياس حلويات،
وترتدي عباءة فاخرة وعطرًا قويًا.
لكنها ما إن رأت سارة حتى تبدّل وجهها.
أهلًا يبدو أن العائلة كلها هنا.
وقف حيدر مرتبكًا.
أما ليان
فكانت تنظر إليها بهدوءٍ أخافها.
جلست حماتها قربها وقالت بنبرة مصطنعة
يا ابنتي الحمل يجعل المرأة حساسة، والشيطان يكبر الأمور بين الزوجين
قاطعتها ليان مباشرة
وهل الشيطان هو من طلب مني التوقيع على البيت أيضًا؟
تجمّدت المرأة.
ثم قالت بسرعة
حيدر زوجكِ ومن حقه إدارة البيت.
ضحك والد ليان من خلفها بسخرية مرعبة، فقد كان قد دخل للتو دون أن تشعر.
وقال
ومنذ متى أصبح النصب اسمه إدارة؟
شهقت المرأة والتفتت نحوه.
أما حيدر
فبدأ يفقد توازنه الحقيقي لأول مرة.
اقترب والد ليان منه حتى أصبح أمامه مباشرة.
وقال ببطء
اسمعني جيدًا
ابنتي لن تخرج من بيتها.
ولن تلمسوا دينارًا واحدًا من أملاكها.
وإذا
فسأجعلك تندم على اليوم الذي عرفتَ فيه اسمها.
ابتلع حيدر ريقه بصعوبة.
ولأول مرة
لم يجد ما يقوله.
في الليلة نفسها، لم ينم أحد داخل بيت الكرخ.