قالوا إن ابنتي ماتت في كوريا
المحتويات
إليه بصدمة.
الرجل الذي بكى على الهاتف وهو يخبرني أن ابنتي ماتت
كان يخاف الآن من الشرطة أكثر من خوفه على زوجته.
صرختُ فيه
ماذا فعلتم بها؟!
لم يُجب.
فقط أنزل رأسه بصمت.
وذلك الصمت كان أسوأ من أي اعتراف.
وصل المسعفون بعد أقل من عشر دقائق
لكن بالنسبة لي كانت الدقائق الأطول في حياتي.
كنت أجلس بجوار فريدة فوق السرير، أضم يدها بكل قوتي كأنني أخشى أن تختفي إذا تركتها للحظة.
أما هي
فكانت ترتجف.
كلما سمعت صوت خطوات في الممر، كانت أصابعها تنغرز في يدي أكثر.
كأن جسدها حفظ الخوف حتى بعدما عادت للحياة.
دخل المسعفون بسرعة.
حقائب سوداء.
أجهزة صغيرة.
ووجوه هادئة بطريقة جعلتني أكره هدوءهم.
كنت أريدهم أن يصرخوا.
أن يفزعوا.
أن يدرك العالم كله أن ابنتي كانت حيّة طوال هذه الأشهر بينما علّقوا صورتها بإطارٍ أسود وكأنها جثة.
بدأ أحدهم يفحص نبضها.
وآخر يسلط ضوءًا صغيرًا على عينيها.
ثم توقف فجأة عند ذراعها.
عبس.
وأشار إلى آثار الحقن الزرقاء الممتدة تحت جلدها.
تحدث بالكورية بسرعة مع زميله.
وفي اللحظة نفسها
تدخلت والدة هيون وو.
السيدة تشوي.
كانت تقف في زاوية الغرفة بثبات مخيف، كأن ما يحدث مجرد سوء تفاهم بسيط.
تكلمت ببرود طويل مع المسعف.
لكن قبل أن يُكمل
صرخت ملك فجأة.
صرخة طفلة خائفة ظلت حبيسة صدرها سنوات.
ركضت نحو السرير وهي تبكي
لا تعطوها الإبرة مرة أخرى! أرجوكم لا!
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى المسعفون التفتوا إليها.
كانت الصغيرة ترتجف بعنف وهي تشير نحو جدتها.
ثم قالت بالعربية المكسّرة
كانت تنام كثيرًا كثيرًا ولا تستيقظ
شعرت بقلبي يهبط داخلي.
اقترب أحد المسعفين من ملك بلطف.
لكن الطفلة اختبأت خلفي فورًا.
أما الطفلان الآخران فكانا يبكيان بصمت قرب الباب.
ينظران إلى أمهما كما لو أنهما يخشيان أن يأخذها أحد مرة أخرى.
ثم همست فريدة بصوت متقطع
أطفالي
اقترب الأطفال الثلاثة فورًا.
ركعت ملك بجوار السرير.
أمسكت يد أمها بكلتا يديها الصغيرتين وقالت وهي تبكي
ماما لا تنامي مرة ثانية
أغمضت فريدة عينيها وهي تبكي بصمت.
أما أنا
فكنت أشعر أن شيئًا داخلي يتحطم ببطء.
أي جحيم عاشه هؤلاء الأطفال؟
وأي نوع من البشر يجعل طفلًا يخاف من نوم أمه؟
حاول هيون وو الاقتراب.
لكن ملك نظرت إليه بخوف حقيقي.
الخوف نفسه الذي رأيته في عيني فريدة.
توقف مكانه فورًا.
كأنه أدرك أخيرًا ماذا فعل.
وما الذي سمح بحدوثه.
طلب المسعفون نقل فريدة إلى المستشفى فورًا.
وحين حاولت السيدة تشوي الاعتراض، رفعت صوتي لأول مرة منذ وصولي
إذا اقترب أحد من ابنتي مرة أخرى سأبلغ الشرطة بكل شيء!
ساد الصمت.
ثم حدث شيء لم أتوقعه.
هيون وو نفسه أنزل رأسه وقال بالكورية للمسعفين شيئًا قصيرًا.
نظروا إليه للحظة
ثم بدأوا بتحريك السرير.
خرجنا من الشقة بسرعة.
وأثناء نزول المصعد
لاحظت أن هيون وو يرتجف.
ليس خوفًا على فريدة.
بل خوفًا من الحقيقة التي بدأت تخرج أخيرًا إلى الضوء.
في المستشفى
أجهزة كثيرة.
محاليل.
أسلاك.
وأطباء يتحركون حولها بسرعة.
جلست بجوارها طوال الليل.
أما الأطفال فناموا أخيرًا للمرة الأولى دون بكاء.
كانت ملك ممسكة بطرف معطفي حتى وهي نائمة.
كأنها تخشى أن أختفي أنا أيضًا.
وفي الصباح
وصلت الشرطة.
دخل رجل وامرأة بملابس رسمية.
وجلسا مع مترجمة عربية أرسلتها السفارة الأردنية.
بدأت الأسئلة بهدوء.
متى وصلتِ؟
من أخبركِ بوفاة ابنتك؟
هل رأيتِ الجثمان بنفسك؟
هل كانت فريدة تتواصل معكِ؟
كنت أجيب وأنا أشعر بالغثيان.
ثم دخل هيون وو.
كان شاحبًا بصورة مرعبة.
جلس أمام الشرطة بصمت طويل.
طويل جدًا.
حتى إنني بدأت أسمع صوت الساعة على الحائط.
ثم سأله الضابط شيئًا بالكورية.
نظر هيون وو نحو غرفة فريدة الزجاجية.
كانت نائمة تحت تأثير الدواء.
وأطفاله الثلاثة يجلسون قربها.
حينها فقط
انهار.
غطى وجهه بيديه.
وبدأ يبكي.
ليس بكاء رجل فقد زوجته
بل بكاء رجل أدرك أنه فقد نفسه منذ زمن.
قال بصوت مكسور
لم أكن أريد أن تصل الأمور إلى هذا
ترجمت المترجمة كلماته ببطء.
ثم أكمل
أمي قالت إن فريدة متعبة نفسيًا وإنها تحتاج للراحة
شعرت بالغضب يحرق صدري.
صرخت
الراحة؟! كنتم تخدرونها!
بكى أكثر.
ثم قال جملة جعلت الغرفة كلها تصمت
كنت خائفًا
سأله الضابط عن ماذا.
فأجاب بعد تردد طويل
من خملك كل شيء.
الشركة.
العائلة.
اسم العائلة.
أمي كانت تتحكم بكل شيء.
إذا عارضتها كنت سأخسر أطفالي أيضًا.
نظرت
كنت أبحث داخل وجهه عن أي أثر للرجل الذي أحبته ابنتي يومًا.
لكنني لم أرَ سوى شخص ضعيف.
ضعيف لدرجة أنه سمح لزوجته أن تُدفن وهي ما تزال تتنفس.
سأله الضابط سؤالًا آخر.
ثم التفتت المترجمة نحوي وقالت بهدوء
يسألونه إن كان شارك بنفسه في إيذائها.
رفع هيون وو عينيه ببطء.
وكانت تلك أول مرة أرى فيها الرعب الحقيقي داخله.
قال بصوت مبحوح
لم أمسك بها
ساد الصمت.
لكنني شعرت بالقشعريرة تزحف في جسدي.
لأن تلك الجملة
لم تكن براءة.
كانت اعترافًا أسوأ.
هو لم يدفعها بيده.
لم يحقنها بنفسه.
لكنه وقف يشاهد.
يشاهد زوجته تُعزل عن العالم.
يشاهد هاتفها يُؤخذ منها.
وجواز سفرها يُخفى.
ويشاهد والدته تتحكم في طعامها ودوائها وحتى صوتها.
ثم صمت.
وأحيانًا
يكون الصمت أكثر قسوة من الجريمة نفسها.
أخرج الضابط بعض الأوراق.
تقارير طبية.
تحويلات مالية.
وأوراقًا تحمل توقيع فريدة.
لكن فريدة نفسها، حين استيقظت لاحقًا، نظرت إليها بصدمة وهمست
هذا ليس خطي
بدأت الحقيقة تتكشف قطعة قطعة.
السيدة تشوي كانت تحتفظ بجواز سفر فريدة داخل خزنة.
وكانت تمنعها من الاتصال بعائلتها.
حتى هاتفها القديم أُخذ منها منذ سنوات.
أما الرسالة التي وصلتني في رمضان
فقد أرسلتها ملك سرًا بعدما وجدت الهاتف مخبأ داخل درج قديم.
طفلة صغيرة
كانت تحاول إنقاذ أمها وحدها.
حين عرفت ذلك
انهرت بالبكاء لأول مرة منذ وصولي.
أما هي فكانت تبكي وتردد
كنت خائفة أن تموت
وفي تلك الليلة
جلست وحدي خارج غرفة العناية.
أنظر عبر الزجاج إلى ابنتي النائمة.
وأفكر في شيء واحد فقط.
كم مرة كانت فريدة تحتاجني وأنا بعيدة؟
وكم مرة بكت وحدها خلف ذلك
متابعة القراءة