قالوا إن ابنتي ماتت في كوريا

لمحة نيوز

الباب المغلق بينما العالم كله يصدق أنها ماتت؟
لكن الحقيقة الوحيدة التي كنت أعرفها الآن
أن ابنتي ما زالت تتنفس.
وأنني لن أسمح لأحد أن يأخذها مني مرة أخرى.
مرّت الأسابيع الأولى بطيئة
بطيئة لدرجة أنني كنت أسمع صوت تعب فريدة في كل حركة تقوم بها.
حتى الجلوس كان يؤلمها.
كانت تحاول أن ترفع جسدها قليلًا عن السرير، ثم ترتجف وكأن عظامها نسيت كيف تحملها.
وفي كل مرة تفشل
كانت تنظر إليّ بخجل يشبه خجل الأطفال.
فأقترب منها فورًا.
أرفع الوسادة خلف ظهرها.
وأقول لها كما كنت أقول وهي صغيرة
بهدوء يا ماما واحدة واحدة
فتبتسم بحزن.
ثم تبكي.
وكان بكاؤها يؤلمني أكثر من مرضها.
لأن فريدة لم تكن تبكي فقط بسبب الألم
كانت تبكي لأنها أدركت كم سنة ضاعت منها وهي محبوسة داخل خوف لا ينتهي.
في المستشفى أصبحت أيامي تشبه بعضها.
أستيقظ قبل الفجر.
أعدّ لها الحساء الخفيف.
أمشّط شعرها ببطء.
وأجلس قرب النافذة أراقب الثلج وهو يغطي شوارع سيول الباردة.
أما الأطفال
فبدأوا يقتربون مني يومًا بعد يوم.
في البداية كانوا صامتين.
يتحركون داخل الغرفة بحذر، كأنهم يخشون أن يغضب أحد فجأة.
لكن بعد اختفاء السيدة تشوي
بدأ شيء يتغير داخلهم.
لم يعودوا يقفزون بخوف كلما فُتح الباب.
ولم تعد ملك تخفي الطعام داخل حقيبتها الصغيرة.
اكتشفت ذلك بالصدفة.
وجدت قطع خبز يابسة ومناديل مليئة بالبسكويت داخل حقيبتها.
سألتها بلطف
لماذا تخبئين الطعام يا حبيبتي؟
ارتبكت فورًا.
ثم همست
أخاف ألا نجد طعامًا إذا غضبت جدتي
شعرت بشيء يعتصر قلبي.
طفلة صغيرة تعيش وكأنها تستعد للمجاعة في أي لحظة.
وقلت
لن يجوع أحد بعد اليوم أعدك.
في تلك الفترة بدأت الشرطة تحقق رسميًا
مع السيدة تشوي.
رأيتها مرة واحدة فقط بعد توقيفها.
كانت تمر في ممر المحكمة بين شرطيين.
بمعطفها الأنيق نفسه.
ورأسها مرفوع كعادتها.
لكن لأول مرة
لم يكن أحد يخاف منها.
حتى الأطفال.
وقفوا ينظرون إليها بصمت.
ثم اختبأ حمزة خلفي تلقائيًا.
أما ملك
فقط ظلّت تحدق فيها طويلًا.
كأنها تحاول فهم كيف يمكن لشخص كان يملأ البيت رعبًا أن يبدو الآن عاديًا إلى هذا الحد.
حين اختفت السيدة تشوي داخل غرفة التحقيق
تنفست ملك لأول مرة براحة حقيقية.
سمعتها تهمس بالعربية
راحت؟
أومأت لها.
فأغمضت عينيها وكأن حملًا ثقيلًا انزاح أخيرًا عن صدرها.
أما فريدة
فكانت تتعافى ببطء شديد.
تعلمت كيف تجلس وحدها.
ثم كيف تمشي خطوات قصيرة.
ثم كيف تأكل دون أن ترتجف يدها.
وفي كل خطوة كانت تنظر إليّ وكأنها تستمد مني الشجاعة.
ذات صباح
كنت أساعدها على تمشيط شعرها الجديد القصير.
فقالت فجأة
نسيت شكل نفسي القديمة
توقفت يدي.
ثم قلت بهدوء
المهم أنكِ ما زلتِ هنا.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم انزلقت دمعة صامتة على خدها.
في أحد الأيام، أخذتنا موظفة السفارة الأردنية، إيمان، إلى سوق غوانغجانغ.
كان المكان مزدحمًا بالبخار والروائح الغريبة.
باعة ينادون بلغات لا أفهمها.
وأطعمة لم أرها في حياتي.
أما الأطفال
فكانوا يركضون حولي بحماس للمرة الأولى.
ضحكاتهم كانت جديدة عليّ.
كأنني أسمع طفولتهم الحقيقية لأول مرة.
اشترينا بعض الخضار.
ولحمًا.
وأرزًا.
وحاولت أن أجد أي شيء يشبه مكونات المنسف.
ضحكت إيمان وهي تراني أتذمر من كل شيء.
قلت لها
كيف يعيش الناس بلا جميد؟
ضحكت أكثر.
لكنني كنت أتكلم بجدية كاملة.
وفي تلك الليلة
طبخت المنسف داخل الشقة الصغيرة التي استأجرناها
قرب نهر الهان.
لم يكن الطعم مثاليًا.
اللبن مختلف.
والأرز مختلف.
وحتى رائحة المطبخ لم تكن تشبه بيتنا في عمّان.
لكن حين امتلأت الغرفة بالرائحة
توقفت فريدة فجأة.
وضعت يدها فوق صدرها وهمست
ريحة البيت
ثم بدأت تبكي.
أما ملك فاقتربت من الطاولة بحذر.
تذوقت أول لقمة.
ثم اتسعت عيناها بدهشة.
وقالت بالعربية الثقيلة
طعام العيد؟
ضحكت وأنا أبكي.
نعم يا روحي طعام العيد.
في تلك الليلة
جلسنا جميعًا حول الطاولة الصغيرة.
فريدة.
وأطفالها الثلاثة.
وأصوات عربية وكورية تختلط داخل الغرفة.
كان حمزة يطلب المزيد بالكورية.
وملك تحاول تكرار الكلمات العربية خلفي.
أما عمر فكان يضحك لأن المنسف حار قليلًا.
ولأول مرة منذ سنوات
شعرت أن البيت عاد.
ليس المكان
بل الإحساس نفسه.
الأمان.
الدفء.
والعائلة التي تأكل معًا دون خوف.
بدأ الأطفال بعد ذلك يتعلمون العربية بسرعة.
كنت أعلمهم الكلمات البسيطة كل يوم.
ماء.
باب.
قمر.
جدتي.
وكانوا يضحكون كلما أخطأ أحدهم بالنطق.
حتى فريدة بدأت تستعيد شيئًا من نفسها وهي تراهم يتحدثون بلغتها.
وذات مساء
سألتني ملك فجأة
جدتي نحن كوريون أم عرب؟
ساد الصمت للحظة.
حتى فريدة رفعت عينيها نحوي تنتظر الإجابة.
فنظرت إلى الأطفال الثلاثة.
ثم قلت بهدوء
أنتم الاثنان معًا.
نظروا إليّ بعدم فهم.
فابتسمت ووضعت يدي فوق صدر ملك الصغيرة.
القلب يستطيع أن يحمل أكثر من بيت وأكثر من لغة وأكثر من حب.
ابتسمت فريدة لأول مرة منذ شهور.
ابتسامة حقيقية.
أما هيون وو
فلم يعد يظهر إلا نادرًا.
حصل على زيارات مراقبة للأطفال أثناء استمرار التحقيقات.
وكان يأتي دائمًا بوجه مرهق ورجل مكسور.
الأطفال لم يعودوا يركضون نحوه كما كانوا
سابقًا.
حتى حمزة صار يتردد قبل أن يمسك يده.
وفي أحد الأيام
طلبت فريدة رؤيته.
جلسنا داخل غرفة صغيرة في مركز الرعاية.
أنا.
وإيمان.
ومترجم.
ثم دخل هيون وو.
بدا أكبر بعشر سنوات دفعة واحدة.
جلس بصمت طويل.
أما فريدة فكانت تنظر إليه بهدوء غريب.
هدوء امرأة انتهى خوفها أخيرًا.
قال لها بالكورية شيئًا قصيرًا.
ترجمه المترجم
يقول إنه نادم.
لم ترد مباشرة.
ظلت تنظر إليه للحظات طويلة.
ثم قالت بهدوء
أنا لا أكرهك.
رفع رأسه بسرعة.
كأن الجملة منحته أملًا صغيرًا.
لكنها أكملت
لكن حياتي لم تعد تتسع لخوفك.
انطفأ كل شيء في وجهه.
أما هي
فلم تبكِ.
ولم ترتجف.
كانت تلك أول مرة أراها أقوى منه.
بعد انتهاء اللقاء
خرج هيون وو وحده.
يمشي ببطء رجل خسر كل شيء لأنه خاف أكثر مما يجب.
أما فريدة فجلست صامتة قرب النافذة.
اقتربت منها وسألتها
هل أنتِ بخير؟
أومأت ببطء.
ثم همست
كنت أظنكِ لن تأتِي أبدًا
شعرت بطعنة داخل صدري.
جلست بجوارها فورًا.
وأمسكت يدها.
سامحيني
قالتها قبلي.
سامحيني لأنني اختفيت كل هذه السنوات
بدأت أبكي فورًا.
لا يا ماما أنا التي
تأخرت
نظرت إليّ بعينين متعبتين.
ثم قالت بهدوء موجع
لكنك وصلتِ وأنا ما زلت أستطيع أن أناديكِ.
انهرت بالبكاء.
لأن تلك الجملة
كانت غفرانًا.
ليس غفران الروايات المثالي.
ولا النهاية السعيدة التي تمحو كل شيء.
بل غفران الناجين.
الناس الذين خسروا أجزاءً من أرواحهم
لكنهم ما زالوا يحاولون العيش بما تبقى.
وفي تلك الليلة
حين نام الأطفال أخيرًا
جلست قرب نافذة الشقة أراقب أضواء سيول البعيدة.
وفكرت في شيء واحد فقط.
الأم الحقيقية لا تستسلم.
قد تتأخر.
قد تسقط.
قد تعبر نصف العالم وهي ترتجف خوفًا
لكن
قلبها يظل يطرق الأبواب حتى تجد أبناءها.
وفهمت شيئًا آخر أيضًا
أن الصمت أمام الظلم ليس حيادًا.
أحيانًا يكون مشاركة كاملة في الجريمة.
أما الحب
فلا ينقذ دائمًا بسرعة.
لكنه أحيانًا يمنع النهاية من أن تتحول إلى قبرٍ حقيقي.

تم نسخ الرابط