لقد دفنتُ زوجي بعد سنواتٍ طويلة من المرض… ولم أُخبر أحدًا أنني سأذهب في رحلة بحرية
لقد دفنتُ زوجي بعد سنواتٍ طويلة من المرض ولم أُخبر أحدًا أنني سأذهب في رحلة بحرية بعدما طلب مني الطبيب السفر عدة أشهر من أجل الراحة النفسية.
بعد أسبوعٍ واحد فقط، ترك ابني وزوجته قطتين وطائرًا داخل الفيلا، وقالا ببرود
بما أنكِ وحدكِ الآن اعتني بهم.
ابتسمتُ.
كانا يظنان أنني سأبقى داخل ذلك البيت، أخدم الجميع كما فعلتُ طوال أربعين عامًا
لكن عند الفجر، بينما كانت السفينة تبتعد بي بعيدًا عن جدة، لم يكونا يعلمان أن غيابي هذه المرة لن يترك فراغًا عابرًا
بل سيُحطم حياتهم.
اسمي نورة.
أبلغ من العمر ثلاثةً وستين عامًا.
وخلال أربعين عامًا، كنتُ زوجةً، وأمًا، وممرضة، وطباخة، ومربية أحفاد، ومدبرة منزل إلى درجة أن الجميع نسي أنني ما زلتُ إنسانة تتعب.
توفي زوجي فجر يوم الثلاثاء.
كان البيت هادئًا بطريقة مخيفة.
ذلك النوع من الهدوء الذي يأتي بعد سنواتٍ من أصوات أجهزة الأكسجين، وعلب الأدوية، والماء المغلي للشاي، والسهر إلى جوار رجلٍ لم يعد يستطيع التنفس وحده.
ست سنواتٍ كاملة، كان المرض خلالها يعيش معنا داخل البيت.
يجلس معنا إلى المائدة.
ينام بيننا.
ويقرر متى أنام، ومتى أستيقظ، ومتى يسمح لي جسدي بالتعب.
أحببته.
وهذه حقيقة.
لكنها ليست الحقيقة كاملة.
أحببته عندما كان يضحكني داخل المطبخ، وعندما كان يعود من السوق حاملًا أشياء بسيطة يقول إنها ذكّرته بي، وعندما بكى يوم وُلد ابننا أكثر من الطفل نفسه.
لكنني تعبت أيضًا.
تعبت من
تعبت من كوني الممرضة، والخادمة، والسائقة، والمسؤولة عن كل شيء وحدي.
وتعبت أكثر من الناس الذين كانوا يمدحون صبري دون أن يسأل أحد إن كنتُ أستطيع الاحتمال أصلًا.
عندما مات، بكيت.
بكيت على الرجل الذي أحببته قبل أن يسرق المرض روحه بالتدريج.
وبكيت لأن الراحة أحيانًا تشبه الذنب.
بعد العزاء بثلاثة أيام، امتلأ البيت بالناس.
نساء يطلبن القهوة.
ورجال يسألون عن الأوراق والمعاملات.
وأقارب يربتون على كتفي ويقولون
الآن ارتاحي يا أم خالد.
ارتاحي.
كانوا يقولونها بينما يطلبون مني المناشف، والقهوة، وترتيب الكراسي.
وكانوا ينظرون إلى الفيلا والسيارات والغرف أكثر مما ينظرون إليّ.
وفهمت وقتها شيئًا موجعًا
هم لا يرون أرملة.
هم يرون امرأة أصبح وقتها متاحًا للجميع.
في عائلتنا، الأرملة لا ترتاح.
الأرملة تتحول إلى شخص مطلوب للخدمة دائمًا.
تطبخ.
وتستقبل الضيوف.
وتجلس مع الأطفال.
وتنتظر العمال.
وتأخذ المواعيد.
وتتحمل كل شيء بصمت.
لم يكونوا يريدونني أن أرتاح.
كانوا يريدون أن يرثوني وأنا ما زلتُ حيّة.
دخل ابني بعد المغرب مرتديًا ثوبه الأسود ونظارته الداكنة، بالوجه نفسه الذي يظهر به كلما أراد شيئًا لنفسه.
وخلفه زوجته بكامل أناقتها المعتادة.
حتى في العزاء، كانت تبدو وكأنها ذاهبة إلى جلسة تصوير.
قال ابني وهو يجلس
يمّه لازم نرتب أوضاعنا الحين.
ظننت أنه يقصد المعاملات.
أو المستشفى.
أو الأوراق.
أو حتى أن يسألني كيف نمتُ بعد وفاة والده.
لكن بدلًا من ذلك صفق بيده.
دخل عامل يحمل أغراض الحيوانات.
قطتان.
وقفص كبير بداخله طائر.
قالت زوجته وهي تنظر حولها
الأولاد تعلّقوا فيهم كثير وإحنا نسافر دائمًا. أكيد وجودهم بيسليك شوي.
ثم وضعت القفص بجوار الصالة.
رفع الطائر رأسه، وحدّق نحوي بعينٍ حادة، ثم صرخ بصوت مرتفع
عجوز كسولة! عجوز كسولة!
ساد الصمت.
ثم ضحك ابني.
أما أنا
ابتسمتُ فقط.
ثم حملتُ كوب القهوة بهدوء، بينما استمر الطائر يصرخ بصوته الحاد
عجوز كسولة! عجوز كسولة!
ضحكت زوجة ابني وهي تقول
يكرر الكلام اللي يسمعه من الأولاد طوال الوقت.
الأولاد.
بالطبع.
الأطفال دائمًا يكررون ما يسمعونه داخل البيوت.
أما أنا، فوضعت الكوب على الطاولة دون أن أعلّق.
كان التعب أثقل من أن يسمح لي بالغضب.
وغادرا بعد أقل من ساعة، تاركَين خلفهما شعر القطط فوق الأرائك، وبذور الطائر متناثرة على الأرض، ورائحة عطر زوجة ابني تملأ الصالة كأنها ختمٌ يؤكد أن المكان أصبح لهم بالفعل.
وقفتُ وحدي بعد إغلاق الباب.
نظرتُ إلى الفيلا الكبيرة التي عشتُ فيها أربعين عامًا.
الجدران نفسها.
الستائر نفسها.
والأثاث نفسه الذي اخترته قطعةً قطعة عندما كنا لا نملك سوى القليل.
لكن البيت لم يعد يشبهني.
أصبح يشبه فندقًا مزدحمًا أقيم فيه مجانًا مقابل الخدمة فقط.
سمعتُ الطائر يصرخ مرةً أخرى من داخل القفص
عجوز كسولة!
أغمضتُ عيني للحظة.
ثم ضحكت.
ضحكة
لأنني كنت أعرف شيئًا لا يعرفه أحد داخل هذا البيت.
بعد ثمانٍ وأربعين ساعة فقط
لن أكون هنا أصلًا.
قبل وفاة زوجي بأسبوعين، كنتُ قد سقطتُ داخل المطبخ.
لم يكن سقوطًا قويًا.
لكنني بقيت عاجزة عن النهوض لدقائق كاملة.
أتذكر برودة الأرض تحت وجهي.
وصوت غلاية الماء وهي تصفر.
ورجفة يدي وأنا أحاول الإمساك بطرف الطاولة.
في تلك اللحظة، لم أفكر بنفسي.
أقسم أن أول فكرة خطرت لي كانت
من سيعطيه الدواء إن لم أستطع الوقوف؟
وصل ابني بعد ساعة تقريبًا.
ساعدني على الجلوس، ثم قال بانزعاج وهو ينظر إلى الفوضى
يمّه، لازم تنتبهين لعمرِك.
كنتُ أرتجف من الألم، لكنني ابتسمتُ وقلت
مجرد دوخة بسيطة.
أما زوجته، فدخلت المطبخ، ونظرت إلى الأرض المبللة، ثم تمتمت
لو عندنا خادمة إضافية كان أريح.
خادمة إضافية.
قالتها بينما كنتُ أنا الخادمة الأصلية طوال العمر.
في اليوم التالي، أصرّت جارتي وصديقتي الوحيدة، سعاد، على أخذي إلى الطبيب.
بعد الفحوصات الطويلة، جلس الطبيب أمامي واضعًا النظارات على طرف أنفه، وقال بجدية
أنتِ لا تعانين من مرض خطير لكن جسدكِ منهك بالكامل.
أطرق قليلًا، ثم أضاف
ضغط مرتفع، أرق مزمن، إرهاق عصبي، وآلام ظهر حادة. لو استمر الوضع هكذا، ستنهارين تمامًا.
ابتسمتُ بخجل كأنني أعتذر عن تعبي.
سألته
وماذا أفعل؟
رفع الملف وأغلقه بحزم
تسافرين.
ظننت أنه يمزح.
لكنه أكمل
شهرين على الأقل بعيدًا عن المسؤوليات.
ضحكتُ وقتها.
ضحكة صغيرة مرتبكة.
كأن الرجل طلب مني المستحيل.
بعد الخروج من العيادة، جلستُ مع