لقد دفنتُ زوجي بعد سنواتٍ طويلة من المرض… ولم أُخبر أحدًا أنني سأذهب في رحلة بحرية
المحتويات
سعاد داخل المقهى المقابل.
كانت تراقبني بصمت طويل قبل أن تقول
تعرفين ما مشكلتك الحقيقية يا نورة؟
نظرتُ إليها.
فقالت بهدوء
أنكِ تعودتِ أن تكوني ضرورية للجميع لدرجة أنكِ نسيتِ أن تكوني ضرورية لنفسك.
بقي كلامها يلاحقني أيامًا كاملة.
خصوصًا بعد وفاة زوجي.
لأنني اكتشفت شيئًا مرعبًا
حتى الموت لم يمنحني إجازة.
بعد انتهاء العزاء بأيام، استيقظتُ فجرًا على أصوات قادمة من الطابق العلوي.
كان ابني وزوجته يظنان أنني نائمة.
خرجتُ من غرفتي ببطء، وعندما اقتربت من الممر، سمعت صوت زوجته يقول
غرفة أمكِ واسعة جدًا ممكن نحولها دريسنج روم بعدين.
ثم ضحكت.
ضحكة خافتة، لكنها دخلت قلبي كالإبرة.
رد ابني
بالتدريج لا تستعجلين.
ثم أضاف بصوت منخفض
غالبًا بعد فترة ننقلها لشقة أصغر. الفيلا كبيرة عليها لحالها.
شقة أصغر.
عليها لحالها.
وقفتُ متجمدة في الظلام.
لم أشعر بالغضب أولًا.
شعرتُ بشيء أسوأ.
شعرتُ أنني اختفيت.
كأنهم يتحدثون عن امرأة انتهت صلاحيتها بالفعل.
امرأة يجب إعادة ترتيبها مثل قطعة أثاث قديمة.
سمعت زوجته تسأل
والصكوك؟
فأجاب ابني
أبي كان ناوي ينقل بعضها باسمي أصلًا قبل ما يتعب أكثر.
ثم خفض صوته، لكنني سمعت الجملة بوضوح
المهم نتصرف بسرعة قبل ما تدخل العائلة بالميراث.
عدتُ إلى غرفتي بخطوات بطيئة.
وجلستُ على طرف السرير حتى الفجر.
أتأمل يديّ.
هاتان اليدان اللتان غسّلتا ثيابهم، وأطعمتهم، وسهرتا على حماهم، أصبحتا فجأة عبئًا يجب نقله إلى شقة أصغر.
وفي تلك الليلة تحديدًا
اتخذتُ قراري.
في الصباح، اتصلتُ بسعاد.
وعندما سمعت صوتي، قالت فورًا
ماذا حدث؟
أجبتها
أحتاج محامية.
ساد الصمت للحظة.
ثم قالت بهدوء مختلف
أخيرًا.
أعطتني رقم محامية متخصصة في قضايا العقارات والورث.
اسمها هالة.
استقبلتني داخل مكتب هادئ تفوح منه رائحة الورق والقهوة.
استمعت إليّ دون مقاطعة.
لم ترفع حاجبيها بدهشة عندما أخبرتها أن ابني بدأ يسأل عن الصكوك قبل وفاة والده بأسابيع.
ولم تتفاجأ عندما أخبرتها عن فكرة نقلي لشقة أصغر.
بل قالت جملة جعلت معدتي تنقبض
يحدث هذا أكثر مما تتخيلين.
ثم فتحت الملفات أمامها وسألتني
هل تريدين حماية البيت أم حماية نفسك داخله؟
لم أفهم السؤال أولًا.
لكنها أوضحت بهدوء
أحيانًا يكون العقار مجرد بداية. المشكلة الحقيقية هي أن الجميع يتصرف وكأنكِ لن تبقي صاحبة القرار طويلًا.
شعرتُ بالقشعريرة.
لأنها وصفت ما كنت أشعر به تمامًا.
بقيتُ أراجع الأوراق معها أيامًا كاملة.
ولأول مرة منذ سنوات، كنتُ أفعل شيئًا لنفسي فقط.
شيئًا لا علاقة له بالأدوية أو الطبخ أو الغسيل أو خدمة أحد.
اكتشفتُ خلال المراجعات أن زوجي، رغم مرضه، كان قد ترك ملاحظات واضحة تؤكد حقي الكامل في البيت طوال حياتي.
وأدركتُ فجأة أنه كان يرى ما يحدث أيضًا.
كان يفهم صمت ابنه.
ونظراته.
وسؤاله المتكرر عن الأملاك.
ربما لهذا السبب ظل يرفض توقيع بعض الأوراق في أيامه الأخيرة.
قبل مغادرتي مكتب المحامية في آخر يوم، دفعت نحوي ملفًا
الآن لن يستطيع أحد إخراجكِ من بيتكِ ولا التصرف فيه دون إرادتك.
ثم أضافت
وبعد وفاتكِ، سينتقل البيت إلى الوقف الذي طلبتِ تأسيسه.
نظرتُ إليها طويلًا.
وقلت بصوت خافت
أريد المكان للنساء اللواتي لا يجدن مكانًا يذهبن إليه بعد أن تنتهي حاجتهم داخل بيوتهن.
ابتسمت هالة للمرة الأولى.
وقالت
إذًا سيصبح لهذا البيت روح أخيرًا.
بعد إنهاء كل شيء، حجزتُ الرحلة البحرية دون أن أخبر أحدًا.
حتى سعاد لم تعرف موعد السفر الحقيقي.
كنت أخشى أن أتراجع.
أو أن ينجح أحدهم في إشعاري بالذنب.
وفي الليلة الأخيرة قبل السفر، جلستُ وحدي داخل غرفتي.
أنظر إلى الخزانة.
إلى صورتي القديمة مع زوجي يوم كنا شابين.
إلى التجاعيد التي ظهرت حول عينيّ دون أن أنتبه.
وفجأة
بكيت.
ليس خوفًا من السفر.
بل لأنني اكتشفت أنني لا أعرف نفسي خارج التعب.
أربعون عامًا كاملة، كنتُ أعرف نفسي من خلال ما أقدمه للآخرين فقط.
أم خالد التي تطبخ جيدًا.
أم خالد التي تتحمل.
أم خالد التي لا ترفض طلبًا.
لكن من تكون نورة؟
لم أكن أعرف.
غادرتُ قبل الفجر.
كان البحر داكنًا، والهواء باردًا، والمدينة تبتعد ببطء خلفي.
وعندما بدأت السفينة تتحرك، شعرتُ بشيء غريب داخل صدري.
خوف.
وراحة.
وذنب.
وحريّة.
كلها دفعة واحدة.
جلستُ قرب السور المعدني أحدّق بالماء.
لا أحد يطلب مني شيئًا.
لا أحد يناديني.
لا أحد يسأل أين وضعتُ المناشف.
ولا متى سأنتهي من إعداد الطعام.
فقط صوت البحر.
بعد ساعات، أخرجتُ هاتفي.
وجدتُ أكثر من عشر رسائل من ابني.
في البداية كانت عادية
يمّه وينك؟
ثم
ليش ما تردين؟
ثم أخيرًا
شو يعني سافرتِ؟!
أغلقتُ الهاتف.
لكن بعد دقائق، عاد يرن.
ترددتُ قليلًا قبل الإجابة.
جاءني صوته غاضبًا ومصدومًا
أنتِ سافرتِ فعلًا؟! وتركتِ البيت والحيوانات وكل شيء؟!
نظرتُ إلى البحر أمامي.
ثم قلت بهدوء لم أسمعه في صوتي منذ سنوات
نعم.
صرخ بعصبية
كيف يعني نعم؟! ونحن؟!
ابتسمتُ ببطء.
وأجبته أخيرًا
الآن فقط ستفهمون كم كان يحمل هذا البيت فوق كتفي امرأة واحدة.
مرّت الأسابيع الأولى ببطءٍ غريب.
كنتُ أستيقظ كل صباح على صوت البحر بدلًا من صوت جهاز التنفس.
لا أحد يطرق باب غرفتي عند الفجر.
لا أحد يصرخ لأن القهوة تأخرت.
ولا أحد يطلب مني أن أبحث عن شيء أضاعه بنفسه.
في الأيام الأولى، كنتُ أستيقظ مذعورة أحيانًا.
أظن أن زوجي يناديني.
أو أن دواءه قد فات موعده.
أفتح عيني بسرعة، ثم أتذكر.
لقد انتهى كل شيء.
وكان ذلك الإدراك مؤلمًا ومريحًا في الوقت نفسه.
زرتُ مدنًا ساحلية كثيرة.
العقبة.
ثم شرم الشيخ.
ثم أماكن هادئة صغيرة لم أكن أعرف أسماءها أصلًا.
كنتُ أجلس بالساعات أمام البحر، أراقب الناس فقط.
أطفال يركضون.
نساء يضحكن.
ورجال يمشون بلا استعجال.
وفي كل مرة، كنتُ أكتشف كم كانت حياتي مليئة بالعجلة والخدمة والركض خلف الجميع حتى نسيت كيف أجلس دون خوف.
لكن أكثر ما صدمني كان النوم.
لأول مرة منذ سنوات، أنام ليلة كاملة.
ثماني ساعات متواصلة.
دون أن أستيقظ
دون أن أتحسس جهاز الأكسجين.
ودون أن أشعر أن هناك شخصًا يحتاجني كل دقيقة.
وفي إحدى الليالي، جلستُ أبكي داخل غرفة الفندق.
ليس حزنًا.
بل لأنني أدركت أن جسدي كان
متابعة القراءة