لقد دفنتُ زوجي بعد سنواتٍ طويلة من المرض… ولم أُخبر أحدًا أنني سأذهب في رحلة بحرية

لمحة نيوز

متعبًا إلى درجة أن الراحة نفسها أصبحت تبكيني.
أما ابني
فقد بدأ ينهار بالتدريج.
في البداية، كانت اتصالاته غاضبة.
كيف تتركين البيت بهذه الطريقة؟
الأولاد يبكون لأن القطط أحدثت فوضى!
الطائر لا يسكت!
العمال لا يعرفون ماذا يفعلون!
كنتُ أستمع بصمت.
ثم أقول بهدوء
ستتدبرون أموركم.
وكان ذلك الجواب وحده يدفعه للجنون.
لأنه لم يعتد أن يسمعه مني.
بعد شهر تقريبًا، تغيرت نبرته.
لم يعد غاضبًا فقط.
أصبح مرتبكًا.
متعبًا.
وفي إحدى المكالمات قال بعصبية
هل كنتِ تفعلين كل هذا وحدك فعلًا؟
لم أجب.
لأنني كنتُ أعرف أنه بدأ يكتشف الحقيقة بنفسه.
اكتشف أن البيت لا ينظف نفسه.
وأن الطعام لا يظهر فوق الطاولة بالسحر.
وأن الملابس لا تُغسل وحدها.
وأن والده طوال سنوات المرض لم يكن يعتني به ملاكٌ خفي
بل امرأة تتآكل بصمت كل يوم.
ثم بدأت المشكلة الكبرى.
اتصل بي ذات مساء، وصوته متوتر
أين أوراق الفيلا؟
شعرتُ بالهدوء يملأني بطريقة غريبة.
وسألته
أي أوراق؟
قال بسرعة
المحامي يقول إن الملكية أصبحت وقفًا ما معنى هذا الكلام؟!
أغمضتُ عيني للحظة.
ثم قلت
يعني أن البيت لن يُباع.
ساد الصمت.
ثم جاءني صوته مرتفعًا
أنتِ فعلتِ هذا من دون أن تخبرينا؟!
أجبته بهدوء
لأنكم كنتم ترتبون حياتكم داخله من دون أن تخبروني.
صمت طويل.
طويل جدًا.
ثم أغلق الخط.
بعدها بأيام، بدأت الرسائل تصلني من زوجته.
رسائل طويلة مليئة بالاستنكار.
مرة تتحدث عن حق الأبناء.
ومرة عن الناس
ماذا سيقولون.
ومرة عن حرام أن يذهب تعب العائلة للغرباء.
لكن أكثر رسالة آلمتني كانت حين كتبت
كيف تفضلين نساء لا تعرفينهن على ابنك وأحفادك؟
بقيتُ أحدق في الهاتف طويلًا.
ثم أغلقتُه دون رد.
لأن الحقيقة التي لم يفهموها أنني لم أختر الغرباء.
أنا فقط اخترت ألا أُدفن حيّة داخل دور الخادمة حتى آخر يوم من عمري.
في تلك الفترة، تعرّفتُ إلى نساء كثيرات يشبهنني.
امرأة من الكويت قضت ثلاثين عامًا تعتني بزوج مقعد، ثم تزوج بعد شفائه بأشهر.
وأخرى من المغرب باع أبناؤها بيتها وأرسلوها لتعيش وحدها.
وثالثة كانت تقول دائمًا
حين كنتُ أخدمهم، كنتُ أهم شخص في البيت وحين تعبتُ، أصبحتُ عبئًا.
كنتُ أسمع قصصهن وكأنني أسمع نسخًا مختلفة من حياتي.
وفي إحدى الأمسيات، سألتني امرأة مسنة كانت تجلس بقربي
هل تشعرين بالذنب لأنكِ رحلتِ؟
فكرتُ طويلًا قبل أن أجيب.
ثم قلت
أشعر بالحزن لا بالذنب.
ابتسمت المرأة وقالت
هذا يعني أنكِ بدأتِ تتعافين.
وفي جدة
كانت الفوضى تكبر.
الخادمة الجديدة تركت العمل بعد أسابيع.
القطتان خدشتا الأثاث.
والطائر استمر بالصراخ داخل البيت
عجوز كسولة! عجوز كسولة!
حتى إن حفيدي الصغير بكى ذات مرة وهو يقول لوالده
البيت صار مخيفًا بعد جدتي.
حين أخبرني ابني بذلك، شعرتُ بشيء ينقبض داخل صدري.
ليس شماتة.
بل وجع.
لأنني أدركت أن البيت نفسه كان يتنفس من خلالي وأنا لم أكن أعرف.
ثم حدث ما لم أتوقعه.
وصلتني رسالة من حفيدتي الكبرى.
كانت
في الخامسة عشرة.
كتبت تقول
جدتي هل صحيح أنكِ ستعطين البيت لنساء غريبات بدلًا من عائلتنا؟
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
ثم جلستُ طويلًا أفكر قبل أن أجيبها.
وأخيرًا كتبت
يا ابنتي هؤلاء النساء لسن غريبات.
إنهن نسخ كثيرة مني لكن بأسماء مختلفة.
بعد ساعات، وصلني رد قصير منها
أمي غضبت عندما قرأت رسالتك لكنني فهمتك.
بكيت بعدها طويلًا.
لأن أول شخص حاول فهمي حقًا لم يكن ابني.
بل حفيدتي الصغيرة.
بدأ العمل داخل الفيلا بعد أشهر قليلة.
تم تجهيز الغرف.
وترميم بعض الجدران.
ووُضعت لافتة صغيرة عند المدخل.
أرسلت لي سعاد صورة لها.
وكان مكتوبًا عليها
هنا لا توجد امرأة زائدة.
ظللتُ أحدق في الصورة حتى تشوش بصري من الدموع.
لأنني لأول مرة شعرت أن كل سنوات تعبي لم تذهب هباءً.
كل الليالي التي سهرتُ فيها.
كل التعب.
كل الصمت.
كل التنازلات.
تحولت أخيرًا إلى باب نجاة لنساء أخريات.
نساء لن يُطلب منهن الرحيل لأنهن أصبحن كبيرات في السن.
ولن يشعرن أن وجودهن عبء ثقيل يجب التخلص منه.
عدتُ إلى جدة بعد سبعة أشهر.
كانت المدينة كما هي.
الحر نفسه.
والشوارع نفسها.
لكنني لم أعد المرأة نفسها.
عندما خرجتُ من المطار، وجدته ينتظرني وحده.
ابني.
بلا تلك الثقة الحادة التي كان يتحدث بها دائمًا.
بلا نظارته الداكنة.
وبلا زوجته.
بدا أكبر سنًا.
ومتعبًا بطريقة أعرفها جيدًا.
وقف أمامي بصمت للحظات.
ثم قال بصوت خافت
انفصلنا.
لم أتفاجأ.
كنتُ أرى الانهيار قادمًا
منذ زمن.
سرنا معًا نحو السيارة بصمت طويل.
ثم قال فجأة
كنتِ تفعلين أشياء لا أستطيع أنا وزوجتي القيام بنصفها.
لم أعلق.
لكنه أكمل بصوت مكسور
كنتُ أظن أن كل هذا طبيعي لأنكِ أمي.
شعرتُ بشيء ثقيل يتحرك داخل صدري.
ليس غفرانًا كاملًا ولا غضبًا كاملًا.
بل شيء بينهما شيء يشبه التعب القديم.
قال بعدها بصعوبة
سامحيني.
توقفتُ عن السير.
ونظرتُ إليه طويلًا.
رأيت الطفل الذي حملته يومًا بين ذراعي.
ورأيت الرجل الذي كاد ينسى أنني إنسانة.
ثم قلت بهدوء
أنا لا أحتاج اعتذارًا بقدر ما أحتاج أن تفهم.
خفض رأسه.
فأضفت
الأم ليست بيتًا مفتوحًا بلا نهاية.
وليست خادمة خُلقت لتتحمل الجميع وحدها.
نحن أيضًا نتعب لكنكم لا تلاحظون ذلك إلا حين نختفي.
بكى.
لأول مرة منذ وفاة والده.
بكى بصمتٍ موجع، كأنه يرى حياته كلها بوضوح للمرة الأولى.
أما أنا فلم أحتضنه ولم أبتعد عنه.
فقط تركته يمشي بجانبي.
لا أمامي ولا خلفي بجانبي فقط.
لأن هذا هو المكان الصحيح أخيرًا.
وفي تلك الليلة، عدتُ إلى الفيلا لكنها لم تعد تشبه البيت القديم.
كانت أكثر هدوءًا وأكثر دفئًا.
في الصالة، جلست ثلاث نساء مسنات يشربن القهوة ويتحدثن بهدوء.
إحداهن كانت تضحك بصوت عالٍ.
والأخرى تحكي قصة قديمة عن شبابها.
أما الثالثة، فكانت تنظر إلى الحديقة كأنها لم ترَ الأمان منذ سنوات.
وقفتُ عند الباب أراقبهن طويلًا.
ثم ابتسمت.
لأنني فهمت أخيرًا شيئًا مهمًا
المرأة لا تصبح عديمة القيمة حين يتقدم
بها العمر.
لكن بعض العائلات تعتاد وجودها إلى درجة أنها تتوقف عن رؤيتها تمامًا.
وأحيانًا
لا يحتاج الناس إلى فقدانك كي يعرفوا قيمتك.
أحيانًا يكفي فقط
أن تتوقفي عن حملهم وحدك.

تم نسخ الرابط