كنتُ أظن أن أخطر شخصٍ في ذلك البيت

لمحة نيوز

تجاوز الستين.
وحين فهم ما حدث، غضب بشدة.
قال لأبي سيف أمام الجميع
ابنتي ليست جائزة تضعها مكان امرأة أخرى.
وعندها فقط
فهمت أن ابنة شريكه لم تكن تعلم شيئًا عن الخطة أصلًا.
بل كانت ضحية أخرى لطمع الرجال الكبار.
أما حماتي
فبدأت تزورني بعد أسابيع.
في البداية كنت أرفض رؤيتها.
لكنها أصرت.
وحين دخلت شقتنا الصغيرة أول مرة
بدت أضعف بكثير مما أتذكر.
جلست بصمت طويل.
ثم قالت وهي تبكي
عشت عمري كله أخاف منه
حتى نسيت كيف أقول لا.
لم أجبها.
لكنني للمرة الأولى
شعرت بالشفقة عليها.
أما سيف
فلم يقطع والديه.

ولم يهِنْهما.
لكنه أيضًا لم يعد ذلك الابن الذي يطيع دون تفكير.
صار يزورهما وحده أحيانًا.
ويسأل عنهما.
ويحاول ألا يقسو عليهما رغم كل شيء.
لكنه وضع حدودًا واضحة أخيرًا.
حدودًا لم يكن يملكها طوال عمره.
بعد أشهر، بدأ بيتنا الصغير يمتلئ بالحياة تدريجيًا.
اشتريت نباتات للنافذة.
وعلّق سيف مصباحًا قديمًا كنت أحبه.
وأصبح صوت القرآن صباحًا يملأ المكان بدل الصراخ والخوف.
وفي إحدى الليالي، بينما كنا نشرب الشاي بصمت
قال سيف فجأة
هل تظنين أن أبي يكرهك فعلًا؟
فكرت قليلًا.
ثم قلت
لا.
أظنه فقط كان يخاف
أن يفقد سيطرته عليك.
بقي صامتًا للحظة.
ثم ابتسم بحزن
لأول مرة أشعر أنني أعيش حياتي أنا.
نظرت إليه طويلًا.
كان متعبًا
لكنه بدا أخف من السابق.
وكأن الرجل الذي عاش عمره كله تحت ظل والده بدأ أخيرًا يتعلم كيف يقف وحده.
أما أنا
فلم أنسَ ما حدث بسهولة.
كانت هناك ليالٍ أستيقظ فيها مذعورة كلما سمعت صوت باب يُفتح.
وكانت يداي ترتجفان أحيانًا دون سبب.
لكن الفرق الوحيد
أنني لم أعد وحدي داخل خوفي.
وفي مساء ممطر، زارنا أبو سيف لأول مرة بعد أشهر.
وقف عند الباب طويلًا دون كلام.
ثم قال بصوت خافت لم أعتد
سماعه منه
هل تسمحان لي بالدخول؟
نظر سيف نحوي أولًا.
ولأول مرة
تركني أنا أقرر.
وبعد صمت طويل
فتحت الباب.
ليس لأنني نسيت.
ولا لأن ما حدث كان بسيطًا.
بل لأن بعض القلوب تتعب من الكراهية أكثر مما تتعب من المسامحة.
جلس أبو سيف بصمت تلك الليلة.
بدا أكبر سنًا بكثير.
ولم يحاول تبرير شيء.
فقط شرب الشاي بهدوء وغادر.
وعندما أغلق سيف الباب بعد خروجه
قال بهدوء
سأبقى ابنهم
لكنني لن أسمح لأحد بعد اليوم أن يدير حياتي بدلًا مني.
اقتربت من النافذة.
وكان المطر ينزل فوق أزقة الموصل القديمة بهدوء.
أما داخل
بيتنا الصغير
فلم يعد هناك خوف.
فقط بداية جديدة
متأخرة قليلًا،
لكنها حقيقية.

تم نسخ الرابط