عمري الآن خمسةٌ وستون عامًا

لمحة نيوز

عمري الآن خمسةٌ وستون عامًا…

ولديّ طفلان من أبوين مختلفين، وعشتُ في أكثر من دولة، وسافرتُ بين بلدانٍ لم تكن كثير من النساء في جيلي يجرؤن حتى على الحلم برؤيتها.

ورغم كل ما يقوله الناس عني…

لا أشعر بالندم على شيء.

لا على الرجال الذين أحببتهم.

ولا على المدن التي تركتُ فيها أجزاءً مني.

ولا على كوني لم أكن يومًا الزوجة التقليدية التي تعيش حياتها كاملة داخل المطبخ وخلف أبواب بيتٍ واحد.

لكن الغريب…

أن أكثر لحظة جعلتني أعيد التفكير في حياتي كلها…

لم تكن بعد طلاق.

ولا بعد خيانة.

ولا حتى بعد موت رجل أحببته.

بل كانت ليلة جلستُ فيها وحدي داخل مطار إسطنبول…

أراقب ابني الأصغر وهو يبكي لأول مرة منذ سنوات.

كنتُ وقتها في الثانية والستين من عمري.

أما هو…

فكان قد عاد لتوّه من ألمانيا بعد فشل زواجه.

أتذكر تلك الليلة جيدًا.

المطار مزدحم.

وصوت النداءات يملأ المكان.

وأنا أجلس بجواره ممسكة كوب القهوة بينما يبدو شاحبًا ومتعبًا بطريقة لم أعتد رؤيتها فيه.

ابني الذي ربّيته على القوة والاستقلال…

كان يجلس أمامي وكأنه طفل ضائع.

وفجأة قال لي بصوتٍ مكسور:

“أمي… أنا متعب.”

كانت تلك أول مرة أسمعه يقولها.

مددتُ يدي نحوه بتوتر وسألته:

“ماذا حدث بينكما؟”

ضحك بسخرية مؤلمة وقال:

“هي

قالت إنني لا أعرف معنى العائلة.”

صمتُ للحظة.

ثم سألته:

“ولماذا قالت ذلك؟”

أشاح وجهه بعيدًا…

ثم قال جملة ظلّت تطاردني حتى اليوم:

“قالت إنني أعيش دائمًا وكأن حقيبتي جاهزة للرحيل… تمامًا مثلك.”

شعرتُ حينها بشيءٍ ثقيل يسقط داخل صدري.

لأول مرة منذ سنوات طويلة…

شعرتُ بالخوف من نفسي.

أنا المرأة التي كانت دائمًا فخورة بحريتها…

هل كنتُ أهرب طوال حياتي دون أن أنتبه؟

طوال عمري كنت أعتقد أنني مختلفة عن باقي النساء.

عندما حملتُ بابني الأول في سن صغيرة…

قال الجميع إن حياتي انتهت.

لكنني رفضت الاستسلام.

عملتُ في مطاعم صغيرة.

ونظّفتُ غرف الفنادق.

وتعلمتُ اللغة التركية من الجيران عندما عشت في إسطنبول لسنوات.

ثم سافرتُ إلى إسبانيا.

وبعدها إلى كندا.

ثم إلى ماليزيا.

كنتُ أتنقل دائمًا.

كلما شعرتُ أن الحياة أصبحت ثابتة أكثر من اللازم…

أرحل.

حتى علاقاتي العاطفية…

كانت تشبه السفر.

رجلٌ إيطالي أحببته بجنون في شبابي.

تزوجت رجلٌ لبناني وعشت معه ثلاث سنوات ثم اختفى من حياتي فجأة.

ورجلٌ ياباني علّمني أن الوحدة ليست دائمًا شيئًا سيئًا.

كنت أعيش اللحظة فقط.

أحب.

أعمل.

أرحل.

ثم أبدأ من جديد.

وكنت أقول دائمًا إن هذا هو معنى الحرية.

أما أطفالي…

فقد

ربّيتهم على الفكرة نفسها.

علمتهم اللغات.

جعلتهم يسافرون معي منذ صغرهم.

ولم أسمح أبدًا أن يشعروا أن العالم مخيف.

كنت أقول لهم دائمًا:

“لا تربطوا سعادتكم بمكانٍ واحد… ولا بشخصٍ واحد.”

وكنت أظن أنني أمنحهم القوة.

لكن تلك الليلة في المطار…

بدأت أرى شيئًا آخر.

بدأت أتذكر تفاصيل صغيرة تجاهلتها لسنوات.

ابني الأكبر لم يستقر في وظيفة أكثر من عامين.

الأصغر يدخل العلاقات ثم يهرب منها سريعًا.

وكلاهما لا يعرف كيف يبقى طويلًا في مكان واحد.

وفجأة…

شعرتُ برعب حقيقي.

هل أورثتُ أولادي الخوف من الاستقرار دون أن أقصد؟

حاولتُ طرد الفكرة من رأسي.

لكن بعد أسابيع قليلة…

حدث ما هزّني أكثر.

كنتُ في شقتي الصغيرة في برشلونة عندما اتصل بي ابني الأكبر.

قال إنه يريد زيارتي.

فرحتُ كثيرًا، خصوصًا أننا لم نجتمع نحن الثلاثة منذ سنوات.

وعندما وصل…

لاحظتُ شيئًا غريبًا.

كان هادئًا أكثر من المعتاد.

يجلس طويلًا صامتًا.

وينظر من النافذة وكأنه يفكر في شيء ثقيل.

وفي الليلة الثالثة…

جلس أمامي فجأة وقال:

“أمي… هل أنتِ سعيدة فعلًا؟”

ضحكتُ وقلت:

“بالطبع.”

لكنه لم يبتسم.

ثم قال:

“أنا لا أقصد السفر أو المال… أقصد من الداخل.”

تجمّدتُ قليلًا.

لأنني لم أتوقع السؤال.

ثم أكمل:

“أحيانًا أشعر أننا قضينا حياتنا كلها نهرب من شيء لا نعرفه.”

شعرتُ بانقباض غريب.

وحاولتُ تغيير الموضوع، لكنه أكمل بهدوء:

“أتعلمين ما أكثر ذكرى تؤلمني من طفولتي؟”

هززتُ رأسي بصمت.

فقال:

“أنني لم أكن أعرف أين سنعيش بعد ستة أشهر.”

انكسرت ابتسامتي فورًا.

لأنني فجأة…

تذكرت كل شيء.

الشقق المؤقتة.

الحقائب المفتوحة دائمًا.

المدارس التي كانوا يتركونها فجأة.

وأعياد الميلاد التي كنا نحتفل بها أحيانًا في مطارات ومحطات قطار.

أنا كنت أرى تلك الحياة مغامرة.

لكن هل رآها أطفالي بالطريقة نفسها؟

ظلّ ابني ينظر إليّ طويلًا…

ثم قال بصوتٍ منخفض:

“كنتِ حرة يا أمي… لكن أحيانًا كنتِ بعيدة جدًا أيضًا.”

شعرتُ وكأن أحدهم طعنني ببطء.

لأنها أول مرة…

أسمع الحقيقة من الجهة الأخرى.

أنا التي كنت أعتقد أنني أم مثالية لأنني علمتهم القوة…

ربما نسيتُ أن الأطفال يحتاجون أحيانًا إلى شيء أبسط بكثير.

الاستقرار.

بيت يعودون إليه.

أصدقاء يبقون سنوات.

وشعور بأن هناك مكانًا ثابتًا ينتظرهم دائمًا.

في تلك الليلة…

لم أستطع النوم.

جلستُ وحدي قرب النافذة حتى الفجر، أستعيد عمري كله.

الرجال الذين مرّوا في حياتي.

المدن التي أحببتها.

والأبواب التي أغلقتها خلفي دون

أن ألتفت.

ولأول مرة…

تساءلتُ بصراحة مؤلمة:

هل كنتُ شجاعة فعلًا؟

أم كنتُ أخاف التعلّق أكثر مما أعترف؟

لكن قبل أن أجد الإجابة…

رنّ هاتفي عند الرابعة فجرًا.

وكان المتصل ابني الأصغر.

وحين فتحت المكالمة…

سمعته يبكي بطريقة هستيرية وهو يقول:

“أمي… لقد فعلت شيئًا كارثيًا.” 

تجمّد الدم في عروقي فور سماع صوته.

لم أكن معتادة على بكاء ابني الأصغر.

طوال حياته كان الأكثر هدوءًا بيننا…

الأكثر قدرة على إخفاء ألمه.

لكن تلك الليلة…

كان ينهار حرفيًا.

صرختُ بقلق:

“ماذا حدث؟!”

سمعتُ أنفاسه المضطربة قبل أن يقول بصوت متقطع:

“أنا في مركز الشرطة.”

شعرتُ بأن الأرض تميد تحت قدمي.

تم نسخ الرابط