كل ليلة كنت بصحى على صريخ حكايات صابرين محمد

لمحة نيوز

كل ليلة كنت بصحى على صريخ ابني وهو بيتوسل ليا أقطع ليه دراعه بإيدي ويحلف إن فيه حاجة عايشة جوه الجبيرة وبتاكل فيه، مع إن كل الأشعات كانت بتأكد إن الكسر بيلم كويس واللي اكتشفته بعدها خلاني أكره اليوم اللي دخلنا فيه المستشفى.
أنا خالد عندي ستة وتلاتين سنة من يوم ما مراتي ماتت وأنا مفيش في حياتي أغلى من ابني. المشكلة إن ابني من بعد وفاة أمه بقى يشتكي من أي حاجة ، كل شوية يقولي إنه تعبان ولما آخده للدكتور يطلع مفيهوش حاجة ومع الوقت بقيت مقتنع إنه بيبالغ علشان يلفت انتباهي وده خلاني ما بقتش أصدق أي شكوى يقولها.
كل حاجة اتغيرت يوم ما وقع في المدرسة وكسر دراعه.
لما المدرسة كلمتني جريت عليه وأنا قلبي هيقف من الخوف. لقيته قاعد على كرسي في أوضة الإسعافات وشه أصفر ودراعه وارمة وكل ما يحاول يحركها يصرخ من الوجع.
خدته على المستشفى على طول. الدكتور عمله أشعة ، بعد ما بص عليها، طمني وقال إن الكسر بسيط وهيحتاج جبيرة كام أسبوع. وبعدها هيرجع طبيعي زي الأول.
ركبوا له الجبيرة ورجعنا البيت وافتكرت إن الموضوع انتهى.
لكن أول ليلة صحيت على صوت صريخ يوسف وهو بينادي عليّا.
جريت على أوضته، لقيته قاعد على السرير  وشه كله عرق وبيبصلي بعينين

مليانين رعب.
أول ما شافني مسك في هدومي وهو بيقول يا بابا اقطع دراعي بالله عليك اقطعه.
افتكرت إنه مش مستحمل الوجع، فقعدت أهديه وقلت ليه إن الدكتور قال طبيعي أول يومين يحس بألم.
لكن هز راسه بسرعة وهو بيبكي وقال جملة لحد النهارده صوتها بيرن في وداني أنا مش خايف من الوجع. يا بابا أنا خايف من الحاجة اللي جواها.
سألته باستغراب حاجة إيه؟
قرب مني وقال بصوت واطي وهو بيرتعش فيه حاجة بتتحرك جوه الجبيرة وبتاكل في دراعي.
فضلت أبص ليه كام ثانية وبعدها حضنته وضحكت وقلت ليه إنه بيتخيل
نام بعدها بصعوبة. لكن الليلة اللي بعدها صحيت على نفس الصريخ والليلة اللي بعدها نفس الكلام.
كل يوم كان بيقولي الجملة نفسها. يا بابا الحقني الحاجة دي بتاكل فيا.
وكل يوم كنت آخده للدكتور والدكتور يبص على الجبيرة ، يأكدلي إنها سليمة وإن مفيش أي سبب يخلي الولد يصرخ بالشكل ده.
ومع الوقت بدأت أفتكر إن يوسف رجع لطبيعته القديمة. بيبالغ وبيحاول يلفت انتباهي بأي طريقة.
خصوصًا إنه كان بيقولي نفس الكلام بالحرف كأنه حافظه.
وفي مرة وأنا خارج من أوضته بعد ما فضل يعيط أكتر من ساعة سمعت صوت مراتي
متشغلش بالك الأطفال ساعات بيعيشوا جوه خيالهم.
بصيت لقيتها واقفة عند باب الأوضة
، بتبص ليوسف وهو بيصرخ، واكتفت بابتسامة صغيرة وقالت بكرة هينسى كل اللي بيقوله.
ساعتها، صدقتها. لكن بعد كام أيام 
بدأت ألاحظ حاجة غريبة كل ما أقرب من يوسف كنت أشم ريحة وحشة طالعة من ناحية الجبيرة.
افتكرتها في الأول ريحة عرق لكن يوم بعد يوم الريحة كانت بتزيد ولما سألت الدكتور، قال إن ده طبيعي ومفيش داعي أقلق.
رجعت البيت وأنا بحاول أقنع نفسي بكلامه.
لكن في الليلة التي تلتها 
دخلت غرفة يوسف وأنا أحاول أن أقنع نفسي بأن كل ما يحدث مجرد أوهام لطفل خائف وأن الأيام القليلة القادمة ستنتهي بنزع الجبيرة وعودة كل شيء إلى طبيعته.
اقتربت من سريره بهدوء، فوجدته غارقًا في النوم للمرة الأولى منذ أيام، لكن ملامحه لم تكن ملامح طفل مرتاح؛ كان جبينه يتصبب عرقًا وشفته السفلى ترتجف كأنه يحارب كابوسًا لا يراه أحد غيره.
مددت يدي أعدل الغطاء وفجأة لمح بصري نقطة بيضاء دقيقة تتحرك فوق حافة الجبيرة.
في البداية ظننتها نملة صغيرة. اقتربت أكثر. حبست أنفاسي.
لم تكن نملة كانت يرقة صغيرة، شاحبة اللون، تزحف ببطء من فتحة ضيقة بين طبقات الجبس، ثم ما إن اقترب وجهي حتى ارتدت إلى الداخل واختفت.
شعرت ببرودة تجتاح ظهري وفي اللحظة نفسها وصلت إلى أنفي رائحة
نفاذة لم أعد أستطيع خداع نفسي بشأنها لم تكن رائحة عرق ولم تكن رائحة جبيرة مغلقة، بل كانت تشبه رائحة شيء بدأ يتعفن منذ أيام.
قفزت من مكاني واندفعت نحو المطبخ، أمسكت أول سكين وقعت عليها يدي وعدت أجري وأنا لا أفكر إلا في شيء واحد 
سأفتح هذه الجبيرة الآن مهما قال الطبيب. مهما كانت العواقب.
لكن قبل أن أصل إلى يوسف، فوجئت بزوجتي تقف في وجهي.
انتزعت السكين من يدي بعنف لم أعهده فيها وصاحت بصوت مرتفع 
إنت اتجننت؟! هتضيع دراع الولد! الدكتور قال محدش يقرب من الجبيرة.
كانت هذه أول مرة أراها تفقد هدوءها. أول مرة ترتبك إلى هذا الحد.
وفي تلك اللحظة، استيقظ يوسف على أصواتنا وما إن رآني أحمل السكين حتى تشبث بي وهو يبكي 
اقطع دراعي يا بابا بالله عليك أنا حاسس إنها بتاكلني من جوه.
نظرت إلى عينيه ولأول مرة منذ وفاة أمه لم أرَ فيهما طفلًا يحاول لفت الانتباه.
رأيت رعبًا حقيقيًا ومع ذلك ترددت.
كلمات الطبيب كانت تدور في رأسي وكلمات زوجتي تخنق أي قرار أحاول اتخاذه.
وفي النهاية ألقيت السكين جانبًا وحملت يوسف إلى المستشفى مرة أخرى وأنا أتمسك بأمل أخير أن يخبرني أحد أنني أتوهم.
لكن الطبيب الذي يتابع يوسف. لم يستغرق أكثر من دقيقة وهو
يفحص الجبيرة قبل أن يبتسم ابتسامة مطمئنة
تم نسخ الرابط