كل ليلة كنت بصحى على صريخ حكايات صابرين محمد
المحتويات
ويقول كل شيء ممتاز الكسر بيلم بصورة طبيعية.
أشرت إلى الرائحة. فهز كتفيه بلا مبالاة.
طبيعي مع الحر والعرق متقلقش.
خرجت من المستشفى وأنا أحاول أن أصدق كلامه.
لكن يوسف لم يتوقف عن الصراخ وفي الأيام التالية، بدأ يفقد شهيته وارتفعت حرارته وصار جسده يضعف ساعة بعد أخرى، بينما كانت تلك الرائحة تزداد سوءًا حتى أصبحت تملأ الغرفة كلها.
وفي إحدى الليالي بينما كنت أبدل له ملابسه رأيت شيئًا أبيض صغيرًا يخرج من الفتحة نفسها ثم يختفي داخل الجبيرة مرة أخرى وهنا أدركت أنني لم أعد أملك رفاهية الشك وأن أي دقيقة تأخير قد تكلفني ابني كله.
لم أعد أفكر في كلام الطبيب ولا في اعتراض زوجتي.
ولا حتى في احتمال أن أكون مخطئًا كل ما كان يشغلني في تلك اللحظة هو أن ابني يذبل أمام عيني يومًا بعد يوم وأنا أقف عاجزًا أردد لنفسي أن الأمر طبيعي.
اتجهت إلى المطبخ بخطوات سريعة وأمسكت السكين مرة أخرى.
لكن قبل أن أعود إلى غرفة يوسف، سمعت صوتًا خلفي.
خالد استنى.
التفت، فوجدت أمينة، المربية التي كانت تعمل عندنا منذ أن كان يوسف رضيعًا، تقف عند باب المطبخ. كانت تنظر إليّ بوجه شاحب، ثم قالت بصوت خافت
أنا ساكتة من أول يوم علشان قلت يمكن أكون بتوهم. لكن الريحة دي مش ريحة جبيرة.
تجمدت في مكاني
يعني إيه؟
ابتلعت ريقها وقالت اشتغلت مع أطفال كتير وشفت جروح والتهابات كتير لكن اللي بيطلع من أوضة يوسف ده ريحة لحم بيفسد.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي في تلك اللحظة خرجت زوجتي من الغرفة بعدما سمعت حديثنا وما إن رأت السكين في يدي حتى تغير لون وجهها.
قالت بعصبية لم أعهدها فيها إنت لسه مصمم تعمل المصيبة دي؟
أجبتها وأنا أحدق في عينيها هفتح الجبيرة.
اقتربت مني بسرعة وأمسكت بذراعي بقوة حتى سقطت السكين على الأرض لو فتحتها ممكن الولد يفضل بعاهة طول عمره.
لأول مرة منذ زواجنا شعرت أن خوفها لم يكن على يوسف.
كان خوفها من شيء آخر. في تلك اللحظة دوى صوت يوسف من الداخل، صرخة طويلة مزقت قلبي.
جرينا جميعًا إلى غرفته وجدناه يحاول أن يحك الجبيرة بجانب السرير بكل قوته، حتى تشققت أطرافها قليلًا وهو يصرخ
طلعوهم بالله عليكم طلعوهم بيعضوني
أسرعت أمينة نحوه لتمنعه من إيذاء نفسه، لكنها توقفت فجأة وحدقت في فتحة صغيرة عند طرف الجبيرة.
ثم صرخت يا خالد بص!
اقتربت وأنا أكاد لا أتنفس ومن داخل الفتحة خرجت يرقة بيضاء أخرى هذه المرة لم تختفِ بسرعة.
تزحزحت ببطء فوق الجبس، ثم سقطت على الملاءة.
لم يعد هناك مجال للشك رفعت رأسي نحو زوجتي.
كانت تنظر إلى الأرض. لم
اكتفت بخطوة صغيرة إلى الخلف وهنا اتخذت قراري.
انحنيت، التقطت السكين مرة أخرى وجلست بجوار يوسف.
وضعت يدي على كتفه وقلت وأنا أحاول أن أخفي ارتجاف صوتي
سامحني يا ابني كان المفروض أصدقك من أول يوم.
وقبل أن أبدأ بقطع أول طبقة من الجبيرة اندفعت زوجتي فجأة نحوي بكل قوتها، محاولة أن تنتزع السكين من يدي وهي تصرخ بشكل هستيري
محدش هيلمس الجبيرة!
تجمدت في مكاني. لم تكن تصرخ خوفًا على يوسف كانت تصرخ خوفًا من أن تُفتح الجبيرة.
دفعتها بعيدًا دون أن أشعر، فسقطت على الأرض وهي تحاول النهوض من جديد، لكن أمينة أمسكت بها لأول مرة وقالت بصوت حازم
سيبيه الولد بيموت.
لم أعد أسمع شيئًا. لا صراخ زوجتي ولا بكاء أمينة ولا حتى دقات قلبي.
كل ما كنت أراه هو يوسف وقد أغلق عينيه من شدة الألم، بينما يده السليمة تتشبث بملابسي كأنه يخشى أن أتراجع مرة أخرى.
غرست طرف السكين بحذر في أول طبقة من الجبيرة.
بدأت أفكها قطعة بعد قطعة.
وما إن انفصل جزء صغير منها حتى خرجت رائحة كادت تخنقني.
تراجعت للخلف لا إراديًا ووضعت يدي على أنفي. لم تكن رائحة التهاب عادي كانت رائحة تعفن.
رفعت أمينة طرف الجبيرة بحذر وإذا بشيء أبيض صغير
يرقة ثم ثانية ثم ثالثة.
وفي ثوانٍ قليلة بدأت يرقات أخرى تتحرك بين طبقات الجبس، كأنها كانت تبحث عن طريق للخروج.
صرخت أمينة.
أما أنا فلم أستطع حتى الصراخ.
واصلت نزع الجبيرة وأنا أرتجف وكلما انكشفت مساحة أكبر من ذراع يوسف، كانت الحقيقة أكثر رعبًا.
جلده لم يعد بلونه الطبيعي.
كان متورمًا بصورة مخيفة، تغطيه جروح ملتهبة وبقع سوداء متناثرة وآثار تآكل في أماكن متعددة، بينما التصقت بين طبقات القطن بقايا متعفنة ذات رائحة لا تطاق.
فتح يوسف عينيه بصعوبة ونظر إليّ وهمس
قلتلك إنها كانت بتاكلني.
عندها فقط انهرت. ركعت بجوار السرير وأخذت أقبل رأسه وأنا أبكي كطفل صغير.
سامحني والله سامحني يا يوسف أنا اللي ظلمتك.
لم يكن هناك وقت للبكاء.
حملت يوسف بين ذراعي واندفعت إلى السيارة، بينما اتصلت أمينة بالإسعاف في الطريق.
أما زوجتي فبقيت واقفة في منتصف الصالة.
لم تجرِ خلفنا.
ولم تسأل إلى أين سنذهب.
كانت فقط تراقبنا بوجه شاحب وكأنها تعرف أن كل شيء انتهى.
في قسم الطوارئ، تحولت المستشفى إلى خلية نحل.
أحاط الأطباء بيوسف وأزالوا ما تبقى من الجبيرة، ثم بدأوا تنظيف الجروح وإعطاءه المضادات الحيوية والسوائل.
بعد أكثر من ساعة خرج الطبيب المناوب وكانت ملامحه متجهمة.
قال
مين اللي ركب الجبيرة دي؟
أخبرته باسم الطبيب
متابعة القراءة