أرملة شابة حكايات صابرين
كانت أرملة شابة وأمًّا لتوأمين وتقبل أي عمل في غسيل الملابس لتؤمّن قوت يومها حتى دخل حياتها رجل لم تكن تتخيل أنه سيغيّرها إلى الأبد.
كانت أمينة تغمس يديها في الماء البارد وهي تفرك قميصًا استأجرتها إحدى عائلات القرية لغسله، عندما سمعت وقع حوافر حصان يقترب عبر الطريق الترابي.
توقفت عن الغسيل ورفعت رأسها.
في ظل شجرة كبيرة، كان توأماها البالغان من العمر ستة أشهر ينامان جنبًا إلى جنب فوق حصير قديم. كان الصبي يضم قبضته الصغيرة إلى جوار وجهه، بينما أسندت شقيقته خدها على كتفه في هدوء.
لم يكن الفارس هو الرجل الذي كان يطاردها كل شهر ليطالبها بديون زوجها الراحل.
ولهذا تنفست أمينة الصعداء.
فمنذ وفاة زوجها، صار كل حصان يتوقف أمام منزلها يحمل معه دينًا جديدًا، أو تهديدًا، أو شفقةً زائفة لم تكن بحاجة إليها.
ترجل الغريب على بعد خطوات من السياج.
كان رجلًا طويل القامة، في الرابعة والثلاثين من عمره تقريبًا، يرتدي ملابس بسيطة تناسب السفر على ظهر الخيل، وقد بدت على وجهه علامات الإرهاق بعد ساعات طويلة من السير.
خلع قبعته وقال بأدب
أعتذر عن إزعاجك... هل يمكن أن أحصل على قليل من الماء؟
تأملته أمينة قبل أن تجيب.
لقد علمتها الأيام أن تميز بين المحتاج الصادق ومن يخفي نواياه. فالرجل الذي كان يطالبها بالديون كان يبتسم كثيرًا كلما أراد شيئًا، أما
أما هذا الرجل، فكان يبدو حذرًا حتى من الاقتراب أكثر مما ينبغي.
ملأت أمينة إبريقًا من ماء العين التي كانت تتدفق بين الصخور في آخر أرضها، ثم قالت
اشرب هنا... الإبريق لن يخرج من حدود السور.
تقبل الغريب ذلك دون أن ينزعج.
وقال بابتسامة خفيفة
من حقك ألا تثقي بالغرباء.
شرب ببطء، ثم التفت إلى التوأمين.
أهذان طفلاك؟
نعم.
تردد لحظة، ثم سأل
وأين والدهما؟
تجمدت ملامح أمينة.
فهم الرجل خطأه على الفور.
وقال معتذرًا
سامحيني... لم يكن ينبغي أن أسأل.
قالت بصوت خافت
توفي منذ خمسة أشهر.
خفض الغريب بصره.
أعتذر.
لم يقل عبارات جوفاء عن القضاء والقدر، بل أعاد إليها الإبريق وقال
أنا خالد... أملك المزرعة الكبيرة الواقعة خلف التل.
كانت أمينة قد سمعت عنه.
الأرمل الذي لا يحضر المناسبات.
والرجل الذي فقد زوجته وطفلته أثناء الولادة.
وصاحب المزرعة الذي يعمل جنبًا إلى جنب مع عماله، ويدفع لهم أجورهم قبل أن يحتفظ بشيء لنفسه.
قالت
أنا أمينة.
أومأ خالد برأسه، ثم امتطى حصانه.
لكنه لم يبتعد كثيرًا.
فبينما كان يمر بجوار المنزل، وقع بصره على ألواح السقف المتآكلة، ورأى الغيوم تتجمع خلف التلال.
قال
ستهب عاصفة هذا المساء.
أجابت
أعرف.
قال
وهذا
قالت
أعرف ذلك أيضًا.
لم يحاول إقناعها أكثر، وانصرف في طريقه.
ظنت أمينة أنها لن تراه مرة أخرى.
لكنها كانت مخطئة.
بعد ساعتين عاد وهو يحمل سلمًا، وصندوق أدوات، وستة ألواح جديدة مثبتة إلى جانب سرج حصانه.
قال قبل أن تعترض
أنا لا أقدم صدقات... أنتِ أعطيتِني الماء، وأنا سأصلح السقف. وهكذا لا يبقى لأحد فضل على الآخر.
كادت أمينة ترفض.
ثم نظرت إلى طفليها.
كان التمسك بالكبرياء أسهل بكثير عندما لا ينام طفلان تحت سقف قد ينهار فوق رأسيهما.
قالت
لا تدخل المنزل.
ابتسم خالد وقال
لم أكن أنوي ذلك.
ظل خالد يعمل حتى بدأت الأمطار تهطل.
نزل عن السلم وثيابه مغطاة بالغبار، تناول كوبًا من القهوة الخفيفة الذي قدمته له أمينة، ثم غادر دون أن يطلب شيئًا.
وبقي المنزل جافًا تلك الليلة.
خلال الأسابيع التالية، مر خالد بالطريق المؤدي إلى منزلها أكثر من مرة.
أحيانًا كان يحمل كيسًا من الفول ويقول إنه اشترى كمية أكبر مما يحتاج.
وأحيانًا كان يصلح جزءًا من السياج، أو يترك حطبًا جافًا، أو ينحت للتوأمين ألعابًا صغيرة من الخشب.
لم يكن يبقى بعد غروب الشمس.
ولم يدخل المنزل يومًا دون إذنها.
ولم يلمح، ولو مرة واحدة، إلى الزواج.
ولعل هذا بالذات... هو ما جعل أمينة تبدأ في الوثوق به.
كان زوج أمينة، جلال، يعمل راعيًا للمواشي في مزرعة يملكها الرجل الذي كانت
كان جلال بشوشًا، طيب القلب، لكنه يندفع وراء شهامته دون أن يفكر في العواقب.
وفي إحدى العواصف، ألقى بنفسه في الوادي لينقذ عجلًا جرفته السيول...
لكنه لم يخرج حيًا.
وصل الخبر إلى أمينة بينما كان التوأمان لا يزالان حديثي الولادة بين ذراعيها.
لم تصرخ.
ولم تبكِ.
وقفت في مكانها تستمع إلى رجال المزرعة وهم يخبرونها أنهم ظلوا يبحثون عنه حتى وجدوا جسده عالقًا بين جذور شجرة كبيرة على ضفة السيل.
وفي يوم الجنازة، حضر صاحب المزرعة مرتديًا السواد، وقال بصوت مفعم بالشفقة
كان جلال من أفضل رجالي... وأعدك أن أسرته لن تحتاج إلى شيء ما دمت حيًا.
وفي الأشهر الأولى، أوفى بوعده.
أرسل لها أكياسًا من الذرة.
وسدد عنها بعض المستحقات القديمة.
وأحضر ملابس للتوأمين.
لكن بعد ذلك...
بدأ يسأل عن عين الماء.
كانت العين التي تقع في أرض أمينة لا تجف أبدًا.
حتى في أشد سنوات الجفاف، كانت المياه تخرج صافية بين الصخور، فتروي أرضها الصغيرة، ثم تنساب إلى الأراضي المجاورة.
أما مزارع الرجل، فكانت تعتمد على نهر يجف كل صيف.
وكان يحتاج إلى تلك المياه.
في البداية، حاول شراء العين منها.
فرفضت.
ثم عرض عليها أن تتزوج ابن أخيه، وهو أرمل سيئ السمعة، عُرف بقسوته على العمال وإضاعته أمواله في القمار.
فرفضت مرة أخرى.
عندها...
اختفت الابتسامة من وجهه.
وفي صباح أحد الأيام، جاء ومعه كبير عماله.
أخرج من جيبه ورقة قديمة صفراء وقال
زوجك اقترض مني