أرملة شابة حكايات صابرين
المحتويات
مبلغًا لشراء هذا المنزل.
أجابته أمينة بثبات
الأرض ورثتها عن أمي.
ابتسم ابتسامة باردة وهو يلوح بالورقة أمامها.
وقال
لكن هذه الورقة تقول إن الأرض رُهنت ضمانًا للدين...
بدا التوقيع وكأنه توقيع جلال بالفعل.
لكن أمينة كانت تعرف كل خطٍ رسمه زوجها بيده.
فقد كان، بسبب إصابة قديمة في إبهامه، يميل دائمًا بالحرف الأخير من توقيعه إلى الأسفل.
أما في تلك الورقة...
فكان التوقيع مستقيمًا تمامًا.
قالت بحزم
هذه الورقة مزورة.
أعاد الرجل الورقة إلى جيبه وقال ببرود
أمامك ثلاثون يومًا لسداد الدين... وبعدها ستصبح الأرض، وعين الماء، ملكًا لنا.
قالت بثبات
لا وجود لهذا الدين أصلًا.
ابتسم ساخرًا وقال
الأوراق تتحدث بصوت أعلى من كلام أرملة.
وقبل أن يغادر، عاد يذكرها بابن أخيه.
وقال
ابن أخي يستطيع إنهاء كل شيء... زواج واحد، وتختفي الديون كلها.
في تلك اللحظة...
فهمت أمينة الفخ.
لم يكونوا يريدون منها أن تسدد الدين...
بل كانوا يريدونها أن توقع بنفسها على ضياع كل ما تملك.
حين وصل خالد في ذلك المساء، وجدها جالسة أمام الموقد، تمسك مسبحة قديمة كانت قد ورثتها عن والدتها.
حكت له ما حدث بصوت هادئ، دون أن تذرف دمعة واحدة.
قال خالد
أريد أن أرى الورقة.
أجابت
لم يسمح لي حتى بلمسها.
سألها
هل سبق أن أخبرك جلال بأنه اقترض مالًا وسجله عند الكاتب بالعدل؟
هزت رأسها.
أبدًا.
تنهد خالد، ثم قال
إذا كان الأمر لا يتجاوز تسعمائة جنيه.
وقفت أمينة بسرعة حتى سقط المقعد من خلفها.
وقالت بحزم
لا.
نظر إليها في دهشة.
فقالت
وماذا سأكون بعد ذلك؟ امرأة استبدلت دين رجلٍ متجبر بدين رجلٍ طيب؟
قال بهدوء
لن أطالبك بشيء.
ابتسمت بمرارة.
الجميع يقول ذلك في البداية.
أصابت كلماتها خالد في الصميم، لكنه لم يحاول الدفاع عن نفسه.
واكتفى بالقول
معك حق... ولو دفعت المال في الخفاء فلن أفعل سوى إخفاء الجريمة. سأبحث في السجلات أولًا.
قالت بقلق
لا أريدك أن تعرض مزرعتك للخطر بسببي.
ابتسم ابتسامة هادئة.
لن أفعل هذا من أجلك وحدك... إذا كان ذلك الرجل يلفق الديون للأرامل، فلا بد أن يوقفه أحد.
في صباح اليوم التالي، توجه خالد إلى البلدة، وقصد الكاتب بالعدل، وطلب منه مراجعة السجلات القديمة.
وبعد ساعات طويلة من البحث...
لم يجد أي قرض مسجل باسم جلال.
لكنه وجد ما هو أخطر من ذلك.
وجد حالتين أخريين...
لأرملتين فقدتا أرضيهما بعد أن قدم الرجل نفسه أوراقًا تحمل الختم ذاته، وبالصيغة نفسها تقريبًا.
وكانت إحداهما، وتُدعى فاطمة، لا تزال تعيش في أطراف البلدة.
ذهب خالد لمقابلتها.
كانت تحمل ندبة قديمة فوق جبينها، وتعيش مع أبنائها الثلاثة.
وروت له قصتها.
قالت إن الرجل اخترع دينًا وهميًا بعد وفاة زوجها.
ولما عجزت عن سداده...
أجبرها على الزواج من أحد رجاله.
ثم خفضت رأسها وقالت بصوت مرتجف
كان يضربني باستمرار... وحين حاولت تقديم شكوى، وجدوه ميتًا في إحدى
سألها خالد
هل ما زلتِ تحتفظين بتلك الورقة؟
أخرجت فاطمة نسخة من الورقة كانت تخفيها بين صفحات مصحف قديم.
كان توقيع زوجها مزورًا...
وبالطريقة نفسها التي زُوِّر بها توقيع جلال.
عاد خالد ومعه الدليل.
لكن الرجل صاحب النفوذ كان قد علم أن أحدًا بدأ يحقق في الأمر.
وفي صباح اليوم التالي، ظهر كبير عماله أمام منزل أمينة.
كان وحده.
ألقى نظرة على التوأمين، ثم قال ببرود
الأطفال الصغار ضعفاء... تكفي حمى، أو سقطة، أو حيوان يتسلل إلى البيت ليلًا.
تناولت أمينة الساطور المعلّق في المطبخ، وقالت وهي تشير به نحوه
اخرج من أرضي.
ابتسم بسخرية.
جئت فقط لأذكرك بأن المهلة أوشكت على الانتهاء.
قالت بثبات
وأنا أذكرك أن أحدًا لم يدخل هذا البيت دون إذني منذ دفنت زوجي.
بصق على الأرض قرب السياج وقال
النساء اللواتي يعشن وحدهن يظنن دائمًا أنهن أقوى مما هن عليه.
نظرت إليه دون أن ترمش.
وقالت
والجبناء يهددون الأطفال عندما يعجزون عن هزيمة أمهم.
استدار وغادر.
لكن أمينة، في تلك الليلة، أوصدت الباب بإحكام، ونامت والساطور تحت فراشها.
وصل خالد عند الغروب.
وحين علم بما حدث، اسودّ وجهه من شدة الغضب.
قال
غدًا سأقدم الأدلة إلى القاضي.
هزت أمينة رأسها.
ذلك الرجل يستطيع شراء القضاة.
أجابها
إذن سنتحدث أولًا أمام أهل القرية. قد يشتري صمت موظف... لكنه لن يستطيع شراء آذان الجميع.
نظرت إليه
لماذا تفعل كل هذا من أجلي؟
طال صمته.
ثم جلس على المصطبة، تاركًا بينهما مسافة محترمة، وقال بصوت خافت
كانت زوجتي تُدعى سارة... ماتت قبل سبع سنوات أثناء الولادة، وماتت طفلتنا معها.
ساد الصمت للحظات.
ثم تابع وهو ينظر إلى التوأمين النائمين
طوال تلك السنوات كنت أظن أن حب أي إنسان من جديد يعني أن أمنح القدر فرصة أخرى ليكسرني.
تنهد، ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
لكن يوم طلبت منك شربة ماء... أدركت أنني كنت أخلط بين الحياة وبين مجرد البقاء على قيدها.
ثم نظر إليها وقال
أنتِ لا تحتاجين إليّ كي أنقذك يا أمينة... لكنك ذكّرتني أن الإنسان ما زال يستطيع أن يختار الوقوف إلى جوار شخص آخر عندما تهب العاصفة.
امتلأت عينا أمينة بالدموع.
وقالت بصوت مرتجف
أنا ما زلت أحب جلال.
ابتسم خالد بهدوء.
ولم أطلب منك يومًا أن تتوقفي عن ذلك.
قالت
وأنت ما زلت تحب سارة.
نعم.
همست
إذن... كلانا مكسور.
هز رأسه ببطء.
وقال
لا... نحن مجروحان. وهناك فرق كبير بين الجرح والانكسار.
مدت يدها ولمست ذراعه لمسة سريعة.
كانت لحظة قصيرة...
لكن خالد شعر وكأن نورًا أضاء بيتًا ظل مهجورًا لسنوات.
وقبل شروق الشمس...
وصل أربعة رجال من المزرعة إلى منزل أمينة.
سمعت أصوات خيولهم.
لفّت نفسها بعباءتها، ووضعت التوأمين داخل صندوق خشبي قرب الموقد، ثم خرجت تحمل الساطور.
قال أحد الرجال
لدينا أوامر بإخلاء المنزل.
أجابته بثبات
أرني أمرًا
ابتسم باستهزاء.
لسنا بحاجة إلى أمر.
قالت وهي ترفع الساطور
إذن لن يدخل أحد.
وتقدم الرجال خطوة.
فقالت بصوت دوّى في المكان
أول
متابعة القراءة