وأنا عندي واحد وعشرين سنة

لمحة نيوز

وأنا عندي واحد وعشرين سنة كنت سددت كل ديوني واشتريت أول بيت باسمي وبنيت شغلي اللي بقى بيدخل دخل كبير وكل ده من غير ما آخد جنيه واحد من أمي أو أبويا.

أول ما المحامي يبدأ يراجع شركة طارق ويكشف الفلوس اللي اتحولتله في السر والمستندات اللي اتقدمت للمحكمة ساعتها الحقيقة كلها هتطلع للنور. هما كانوا عايزين يعملوا مني عبرة لكن اللي هيحصل ، هيخليهم يعرفوا بنفسهم إيه اللي بيحصل لما كدبة عائلية تدخل قاعة المحكمة وتقف قدام أدلة محدش يقدر ينكرها.

لم أكن أعرف وقتها أن تلك المكالمة التي جمعتني بالمحامي داود لن تكون مجرد بداية معركة قانونية، بل ستكون بداية أول مرة ينظر فيها شخص غريب إلى حياتي كلها بعين لا تعرف المجاملة ولا تنحاز لأحد.

بعد أن انتهيت من شرح كل ما حدث، ساد صمت قصير على الطرف الآخر من الهاتف، ثم قال بصوت هادئ لم تهزه غرابة ما سمعه:

"أنا مش هسألك إذا كنت مظلوم ولا لأ... أنا هسأل سؤال واحد بس. عندك أي مستند يثبت إنك بدأت شغلك بنفسك؟"

ابتسمت رغم كل ما كنت أشعر به.

"عندي كل حاجة."

في اليوم التالي حملت حقيبة كبيرة وضعت فيها كل ما احتفظت به طوال

السنوات الماضية.

أول فاتورة اشتريت بها جهاز الكمبيوتر المستعمل الذي بدأت عليه عملي.

إيصالات الإنترنت التي كنت أدفعها وأنا طالب.

عقود أول العملاء.

الإقرارات الضريبية.

كشوف الحساب البنكي منذ كان عمري ثمانية عشر عامًا.

حتى دفتر صغير كنت أكتب فيه كل جنيه يدخل وكل جنيه يخرج، احتفظت به دون أن أعرف أنه سيصبح يومًا دليلًا على براءتي.

ظل داود يقلب الأوراق لساعات كاملة دون أن يقاطعني.

كلما انتهى من ملف، وضع عليه ملصقًا صغيرًا، ثم انتقل إلى الذي يليه.

وأخيرًا أغلق آخر ملف، ورفع رأسه نحوي وقال:

"أنا شايف تعب سنين... لكن المحكمة مش بتحكم بالمشاعر. المحكمة بتحكم بالأدلة. وعلشان كده هنجيب أدلة أكتر."

لم أفهم قصده.

فسألته:

"إحنا عندنا كل اللي يثبت حقي... محتاجين إيه تاني؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

"أنا مش هدافع عنك بس... أنا هراجع كلامهم كلمة كلمة. ولو كتبوا ادعاء واحد كدب، هعرف."

خرجت من مكتبه وأنا أشعر لأول مرة أن الحمل الذي كان فوق صدري بدأ يخف قليلًا.

لكنني لم أكن أعلم أن المفاجآت الحقيقية لم تبدأ بعد.

بعد ثلاثة أيام

اتصل بي داود وطلب مني أن أحضر إلى مكتبه فورًا.

دخلت عليه فوجدت أمامه ملفات أكثر من المرة السابقة.

لم يقل مرحبًا.

لم يسألني كيف حالي.

بل دفع نحوي ورقة واحدة وقال:

"بص."

كانت كشفًا لتحويلات بنكية.

في البداية لم أفهم.

ثم قرأت الاسم.

طارق.

وتحت اسمه عشرات التحويلات القادمة من حساب أبي.

تحويل بمبلغ كبير.

ثم بعده بشهرين تحويل آخر.

ثم بعده بستة أشهر مبلغ أكبر.

ظللت أقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى حتى شعرت أنني فقدت القدرة على العد.

قلت بصوت منخفض:

"إيه ده؟"

قال داود:

"دي التحويلات اللي قدرنا نوصل لها لحد دلوقتي... ولسه في غيرها."

ظللت أنظر إلى الأرقام وأنا أحاول استيعابها.

كانت مبالغ لم أر مثلها في حياتي.

أموال تكفي لأن يبدأ الإنسان مشروعًا جديدًا كل عام.

رفعت عيني إليه.

"يعني أبويا كان بيموله بكل ده؟"

هز رأسه بهدوء.

"كل مرة مشروع يقع... كان يضخ فلوس جديدة."

سكت قليلًا ثم أضاف:

"وفي المقابل... أنت."

فتح ملفًا آخر.

كان يحتوي على كشوف حسابي البنكي.

ظل يقلبها أمامي حتى وصل إلى أول كشف

منذ سنوات.

قال:

"عارف لقيت إيه؟"

هززت رأسي.

قال:

"ولا تحويل واحد من والدك أو والدتك."

شعرت بأنفاسي تتباطأ.

كنت أعرف الحقيقة.

لكن رؤيتها مكتوبة أمامي كانت مختلفة.

قال:

"هما بيقولوا إنك بنيت شركتك بفلوس العيلة."

ثم رفع الورقة أمامي.

"والبنك بيقول إن الكلام ده ما حصلش."

ساد صمت طويل.

ثم قال وهو يضم الأوراق:

"لكن في حاجة أغرب."

ناولني نسخة من صحيفة الدعوى.

وأشار إلى فقرة محددة.

"شايف السطر ده؟"

قرأت:

"قام المدعى عليه باستغلال موارد الأسرة وعلاقاتها التجارية لتأسيس نشاطه."

ابتسم داود للمرة الأولى منذ عرفته.

ابتسامة صغيرة لكنها كانت مليئة بالثقة.

وقال:

"دلوقتي قولي... والدك عنده شركة أصلًا؟"

نظرت إليه باستغراب.

"لأ."

"عنده مؤسسة تجارية؟"

"لأ."

"عنده سجل استيراد أو تصدير؟"

"أبدًا."

أغلق الملف وقال:

"يبقى هنطلب منهم قدام المحكمة يثبتوا الجملة دي."

سألته:

"ولو معرفوش؟"

رد بهدوء:

"يبقى أول كدبة هتقع."

خرجت من مكتبه وأنا لأول مرة منذ استلام أوراق القضية أشعر أن

الحقيقة ليست ضعيفة كما كنت أظن.

مرت الأيام سريعًا حتى جاء موعد أول جلسة.

دخلت المحكمة وأنا أتنفس بصعوبة.

لم يكن خوفي من الحكم.

كان خوفي من المشهد.

أن أرى أمي وأبي يجلسان في الجهة المقابلة كخصوم.

وحين دخلت القاعة، وجدتهما بالفعل هناك.

كانت أمي تتجنب النظر إلي.

أما أبي فكان ينظر نحوي بنفس النظرة التي كان يرمقني بها وأنا طفل كلما أخطأت.

لكنني هذه المرة لم أكن طفلًا.

ولم أكن مخطئًا.

تم نسخ الرابط