أهله استولوا على كل حاجة وسابوله بيانو
أهله استولوا على كل حاجة وسابوله بيانو قديم مكسّر... لكن سر مستخبي جواه قلب حياته رأسًا على عقب.
كان آخر أكتوبر، والجو بارد والهواء بيمر بين شواهد القبور، والناس كلها واقفة تودع الحاج فؤاد المنياوي، واحد من أشهر رجال الأعمال في مصر، بعد حياة طويلة بدأها من الصفر وانتهت بثروة كبيرة ما كانش حد يتخيل يومًا إنها هتتوزع بالطريقة دي.
كريم كان واقف بعيد عن الناس، إيده في جيب جاكيته القديم، وعينيه على قبر أبوه. ملامحه كانت هادية، لكن الحقيقة إن الحزن اللي جواه ما بدأش يوم وفاة أبوه، ده كان موجود من سنين.
على الناحية التانية، كان شريف، أخوه الأكبر، واقف وسط مجموعة من رجال الأعمال والصحفيين، لابس بدلة غالية وبيستقبل كلام المواساة بابتسامة حزينة محسوبة، بينما داليا، أخته، كانت محاطة بصديقاتها ومعارفها، وكل واحدة فيهم بتحاول تظهر قد إيه هي متأثرة برحيل والدها.
لكن محدش فيهم كان يعرف فؤاد في آخر سنين حياته زي كريم.
الحاج فؤاد بدأ حياته تاجرًا بسيطًا في وكالة البلح، وبعد سنين
لكن لما كبر، بدأ الزهايمر يسرق منه ذاكرته واحدة واحدة.
في البداية كان بينسى مواعيد، وبعدها أسماء الناس، وبعد فترة بقى ممكن يبص لابنه أو بنته للحظات من غير ما يعرفهم.
شريف كان دايمًا عنده حجة جاهزة.
مرة يقول إنه مسافر لمتابعة شغل في الإمارات، ومرة يقول إن عنده صفقة مهمة، ومرة يعتذر لأنه مشغول بإدارة الشركات.
وداليا كانت بتزور أبوها على فترات متباعدة، تجيب هدية غالية أو باقة ورد، وتقعد شوية قبل ما ترجع لحياتها وسفرها ومناسباتها.
أما كريم، فكان هو اللي موجود كل يوم.
هو اللي كان يساعد أبوه في الأكل، ويغير له هدومه، ويقعد جنبه بالليل لما يصحى مفزوع وينادي على زوجته الراحلة، وكأنه نسي إنها ماتت من سنين.
وفي الليلة الأخيرة، حصل شيء غريب.
فتح الحاج فؤاد عينيه وبص لكريم بنظرة مختلفة تمامًا، نظرة صافية خالية من الشرود، كأنه رجع للحظة واحدة للرجل اللي كانه قبل المرض.
مسك إيد
"افتكر... المزيكا عمرها ما بتنسى."
كريم ما فهمش قصده، لكنه وعد نفسه إنه مش هينسى الجملة دي.
وبعدها بدقائق، رحل والده.
بعد يومين من الدفنة، اجتمع الإخوة الثلاثة في مكتب المحامي لفتح الوصية.
كان كريم ساكت، بينما شريف وداليا قاعدين بثقة، وكل واحد فيهم تقريبًا كان عارف هو عايز إيه.
بدأ المحامي يقرأ.
الشركات والأسهم والأعمال التي تركها والدهم ذهبت إلى شريف، بينما ذهبت الفيلا الكبيرة وبعض الأراضي والتحف إلى داليا.
ثم توقف المحامي لحظة، وقلب الصفحة.
وقال:
"أما كريم، فقد أوصى له والده بالبيانو الخشبي القديم الموجود في الصالون."
ساد الصمت للحظات.
ثم انفجر شريف بالضحك.
وقال باستهزاء:
"هو لسه البيانو الخردة ده موجود؟"
داليا ابتسمت وقالت:
"أنا كنت فاكرة إننا بعناه مع العفش القديم."
كريم بص لهم، لكنه ما ردش.
كان ممكن يطلب حقه، أو يعترض، أو يسأل أبوه ليه عمل كده، لكنه كان عارف إن أبوه اختار بنفسه.
فقال بهدوء:
"هخده."
وفي اليوم التالي، بدأ البيت
عمال ينقلون الأثاث، وسماسرة يدخلون ويخرجون، وشريف يتابع نصيبه من الشركات، وداليا تختار القطع التي تريد الاحتفاظ بها.
أما كريم، فلم يأخذ غير البيانو.
حمله على عربية نقل صغيرة، وخرج به من البيت.
وهو في الطريق، فضل يبص من شباك العربية على البيت الذي عاش فيه أبوه، وحس كأنه بيخرج من حياة كاملة، من غير ما يعرف إن أبوه ترك له داخل البيانو شيئًا أهم من أي عقار أو شركة.
البيانو احتل نصف غرفة في شقة كريم الصغيرة.
كان قديمًا، الخشب متآكل، وبعض مفاتيحه لا تعمل، لكنه كان أغلى شيء أخذه كريم من بيت أبيه.
مرت أيام وهو يكتفي بالنظر إليه.
وفي ليلة ممطرة، جلس أمامه وحاول يصلح أحد المفاتيح.
ضغط عليه مرة...
فغاص المفتاح إلى الداخل بطريقة غريبة.
استغرب كريم، وفك الجزء الخشبي بحذر، فوجد خلف الميكانيزم مساحة مخفية لم يكن يعرف بوجودها.
مد يده إلى الداخل، وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
كان عليه قفل قديم.
فتح كريم الصندوق، فوجد بداخله أوراقًا ومستندات وأكياسًا
"إلى ابني كريم."
تجمد مكانه للحظات.
ثم فتح الرسالة.