صياد مصري لقى طفل صغير مبلول
وبدأت قوات الإنقاذ في توسيع نطاق البحث على طول الساحل.
بعد الحصول على إذن وفحص الحقيبة، وجدوا بداخلها ملابس إضافية، وأدوات إسعافات أولية، وسترات نجاة، وبعض الأوراق، وحقيبة نسائية صغيرة، وهاتف محمول موضوع داخل غلاف يحميه من المياه.
لم يكن في الحقيبة ما يفسر كل شيء، لكنه أكد أن الأسرة كانت تستعد لاحتمال حدوث طارئ أثناء الرحلة.
شغّل أحد أفراد الشرطة الهاتف بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة.
وعلى شاشة القفل ظهرت صورة عائلية.
طفل صغير يقف بين رجل وامرأة.
وبالاستعلام عن البيانات الموجودة على الهاتف والأوراق، توصلت الشرطة إلى هوية الأسرة.
الأم اسمها مي أحمد، والأب أحمد سامح، والطفل هو ابنهما الوحيد، يوسف.
تم إبلاغ الجهات المختصة، وبدأ البحث عن الأب والأم على امتداد المنطقة الساحلية.
وأثناء مراجعة الصور الموجودة على الهاتف، ظهر مقطع تم تصويره قبل ساعات قليلة.
كانت الأسرة على المركب.
الأب يقود، والأم بجوار طفلها.
لكن في خلفية المقطع، ظهر البحر وقد بدأ يتغير.
السماء أصبحت أكثر غيومًا، والموج ارتفع بشكل واضح.
لاحظ عماد المشهد، ثم اقترب من رجال الإنقاذ وأشار إلى منطقة بعيدة خلف مجموعة من الصخور.
وقال:
— لو الموج شد عليهم هنا، ممكن يكونوا وصلوا للحتة دي.
نظر إليه أحد رجال الإنقاذ باستغراب.
فأكمل عماد:
— أنا عارف المكان ده كويس. من البحر مش باين تقريبًا، لكن لو حد وقع في المياه والموج أخده، ممكن يترمي ورا الصخور دي.
تحركت فرق الإنقاذ فورًا ناحية المكان الذي حدده عماد.
وبعد دقائق من البحث، سمع أحدهم صوتًا خافتًا.
كان هناك شخص عالق بين الصخور.
اقتربوا منه، ليجدوا مي.
كانت مرهقة للغاية، وملابسها مبللة، وجسدها يرتجف من البرد، لكنها كانت على قيد الحياة.
وبمجرد أن رأت رجال الإنقاذ، سألتهم بصوت متقطع:
— ابني... يوسف؟ لقيتوا ابني؟
أخبروها أن الطفل بخير وأنه تم العثور عليه على الشاطئ.
انفجرت مي في البكاء.
ولم تستطع أن تقول شيئًا آخر.
في تلك اللحظة، فهم الجميع لماذا ظل الطفل ينظر إلى البحر منذ لحظة العثور عليه.
كان ينتظر والدته.
لكن البحث لم ينتهِ.
كان الأب لا يزال مفقودًا.
واصلت فرق الإنقاذ البحث في المنطقة، وبعد فترة عثروا على أحمد بين مجموعة من الصخور على مسافة بعيدة.
كان قد أصيب في ساقه، لكنه ظل متشبثًا بالصخور طوال الليل، محاولًا ألا تجرفه المياه.
وبعد نقله إلى المستشفى، بدأت الصورة الكاملة للحادث تتضح.
عندما اشتد الموج وبدأ المركب يفقد توازنه، حاول أحمد حماية ابنه.
ألبسه سترة النجاة بسرعة.
وفي الوقت نفسه، أخذت مي حقيبة الطوارئ.
لكن موجة قوية جدًا ضربت المركب.
وسقط الجميع في المياه.
حاول الأب والأم الوصول إلى بعضهما، لكن التيار فرق بينهم.
أما الطفل يوسف، فقد حمله الموج باتجاه منطقة أقل عمقًا، حتى وصل إلى الشاطئ.
وهكذا انتهى به الأمر جالسًا وحده بجوار البحر، بينما كان والداه يحاولان النجاة بين الصخور.
أما الحقيبة التي ظن عماد في البداية أنها قد تكون دليلًا على كارثة أكبر، فقد أصبحت هي نفسها أحد أهم الأدلة التي ساعدت رجال الإنقاذ في الوصول إلى الأسرة.
بعد عدة أيام، وبعد أن استقرت حالة الأب والأم، ذهب عماد إلى المستشفى للاطمئنان عليهم.
وكان هناك مشهد لم ينسه طوال حياته.
دخل إلى الغرفة، فوجد مي جالسة وبجوارها أحمد، بينما كان يوسف بين ذراعي أحد أفراد الأسرة.
وبمجرد أن رأى الطفل أمه...
مد يديه إليها.
اقتربت منه مي بسرعة واحتضنته بقوة، وظلت تبكي وهي تقبله.
أما أحمد، فظل ينظر إليهما للحظات، ثم وضع يده على رأس ابنه.
لم يكن أحد منهم بحاجة إلى الكلام.
فبعد ليلة كاملة في البحر، وبين الصخور والموج والبرد، عادت الأسرة أخيرًا إلى بعضها.
وبالنسبة لعماد، لم يكن ذلك اليوم مجرد رحلة صيد عادية.
فهو اعتاد طوال سنوات عمله أن يرى البحر هادئًا وغاضبًا، وأن يعرف أن الموج لا يمكن التنبؤ به دائمًا.
لكن ذلك الصباح علمه شيئًا آخر.
أحيانًا، قد يبدو الشيء الذي يقذفه البحر مجرد بداية لمصيبة...
ثم تكتشف بعد ساعات أنه كان الخيط الذي قاد إلى النجاة.
طفل صغير، وحقيبة سوداء، ومركب خالٍ...
ثلاثة أشياء بدت في البداية بلا علاقة ببعضها.
لكنها في النهاية قادت رجال الإنقاذ إلى أم وأب كانا على بعد خطوات من أن يضيع أثرهما إلى الأبد.
وكان أكثر ما بقي في ذاكرة عماد من ذلك اليوم...
ليس الحقيبة.
ولا المركب.
ولا حتى العاصفة.
بل ذلك الطفل الصغير الذي ظل جالسًا في صمت على الشاطئ، مبللًا ومرتعشًا من البرد...
وهو ينظر إلى البحر، وكأنه كان واثقًا أن أمه ستعود إليه.