سنويه ابي حكايات منى السيد
مكتبها مخضوضة ياسمين؟! خير يا حبيبتي، مالك شكلك عامل كده ليه؟ سلمى جرالها حاجة؟ قعدت على الكرسي الجلد الأسود، وفتحت شنطتي وطلعت منها أوراق بابا اللي كنت مجهزاها في فايل من غير ما طارق يعرف، ورميتها على المكتب أنا مش قادرة أستحمل دقيقة زيادة يا نهاد. طارق بيهددني بكسرتي، بيهددني ببابا ووصيته، وعايز ياخد شقى عمري ويلوي دراعي بسلمى.
قعدت نهاد قدامي، مسكت إيدي وقالتلي بحزم المحامين اللي يطمن اهدي بس واشربي كوباية مية، واحكيلي من طقطق لسلامو عليكم، ومفيش مخلوق يقدر يلوي دراعك طول ما إنتي على حق.
حكيتلها كل حرف. حكيت عن السنوية، عن قعدته بالترنج، عن الكلمة اللي غرزت في صدري زي الخنجر لما قال إنه ما نابوش حاجة من أبويا، وعن تهديده بالطلاق والحضانة قبل ما يقفل الباب وراه بربع ساعة. نهاد كانت بتسمع وهي بتهز راسها بضيق، وبتكتب نقط في مفكرتها. لما خلصت، ضحكت ضحكة سخرية خفيفة ورمت القلم
بيهددك بالحضانة؟ طارق ده شكله مبيفهمش ألف باء قانون، أو متخيل إنك جاهلة بالقانون زيه. سلمى عندها كام سنة؟ ست سنين؟ الحضانة معاكي إنتي بقوة القانون لحد خمستاشر سنة، ده غير إن شقة الزوجية مكتوبة باسمك إنتي في الشهر العقاري وباباكي الله يرحمه دافع تمنها كاش. يعني حتى لو الشقة مكانتش باسمك، إنتي حاضنة وليكي حق التمكين، فما بالك بقى وإن الشقة ملكك خالص مالص؟ هو اللي في الشارع يا ياسمين، مش إنتي!
الكلام نزل عليا زي المطر في عز الصيف، بس برضه كان في غصة في حلقي ووصية بابا يا نهاد؟ بابا قالي حافظي على بيتك، بابا اتعذب لما جدي وجدتي اتطلقوا وكان بيترجاني مابهدلش عيالي. نهاد مسكت وشي بإيديها الاتنين وبصت في عيني وقالتلي كلام فوقني تماماً أبوكي الله يرحمه قالك حافظي على بيتك، مقالكيش حافظي على واحد شايفك بنك وشايف بنتك كارت إرهاب! أبوكي لما كتب الشقة باسمك ومكتبهاش باسمه هو أو باسمكم إنتو الاتنين، كان حاسس بحاجة وقاري اللي قدامه. الحاج صبري كان تاجر وشاطر ومبيرميش قرشه في الأرض، وحماكي من طمع طارق حتى وهو في قبره. إنتي مش بتكسري وصية أبوكي، إنتي بتحمي بنتك ونفسك من واحد لو طال يبيعكم عشان حتة مخزن هيعملها.
الكلام حط النقط على الحروف، والغيامة اللي كانت على عيني انقشعت. فتحنا الفايل وبدأنا نشتغل إحنا مش هنتسرع بالخلع أو الطلاق دلوقتي عشان منخسروش حقوقك القانونية نهاد قالتلي بخطة واضحة ومحبوكة، إحنا هنعمل محضر إثبات حالة إنه ساب بيت الزوجية وهددك، وفي نفس الوقت هنرفع دعوى نفقة زوجية ونفقة صغار، وهنقدم أصل عقد الشقة للحي والقسم عشان ميعرفش يقرب من الباب لو حاول يغير الكوالين. بس الأهم من ده كله... إنتي ناوية تعملي إيه النهاردة في سنوية حماه؟
ابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي ابتسمتها لطارق الصبح مش قولتله هجيب معايا حاجة مهمة وأحصله؟ أنا رايحاله... بس مش بالأكل ولا الشرب.
خرجت من عند نهاد، عديت على بيت أمي الأول. أمي كانت قاعدة في الصالة ماسكة سبحتها وبتدعي لبابا. أول ما دخلت شافت في وشي ملامح أبوها، قوة مكانتش متعودة عليها مني. مالك يا بنتي؟ رجعتي من المقابر وشك مخطوف،
ودلوقتي جاية وعينيكي فيها شرار. قعدت عند رجليها وحطيت راسي على ركبتها، وحكيتلها كل اللي حصل من غير زواق، حتى كلام طارق عن بابا وإن كان المفروض يرميله عضمية قبل ما يموت عشان يحترمه. أمي وقفت على حيلها رغم تعب ركبتها، والسبحة وقعت من إيدها نطع! قليل الأصل وناكر للجميل! بقى صبري اللي جابه من شقة إيجار في العشوائيات وقعده في ملك في أرقى حتة، يتقال عليه كده؟! اسمعي يا ياسمين... لو رجعتيله بعد اللي قاله ده، لا إنتي بنتي ولا أعرفك. أبوكي كان بيقولك حافظي على بيتك لما يكون في راجل صاينك، مش راجل بيستنى يموت عشان يقسم تركته وهو حي!
كلام أمي كان الختم الأخير على قراري. سلمى كانت نايمة جوة، بوستها وقولت لأمي خلي بالك منها يا ماما، أنا مش هتأخر.
نزلت، وطلبت أوبر وقولتله يطلع على عين شمس، عند بيت حماتي، الست فوزية.
الساعة كانت داخلة على اتنين الضهر، يعني المعازيم وقرايبهم ماليين الشقة، والقرآن شغال، وروايح صواني اللحمة والفتة طالعة لحد مدخل العمارة. طلعت السلم خطوة خطوة، وكل خطوة كانت بتفكرني بيوم سنوية بابا لما كنت لوحدي في المقابر والشمس حامية ومفيش راجل واقف في ضهري يقرأ الفاتحة، ومحدش حس بيا ولا سأل.
وصلت قدام الباب ولقيته موارب. زقيته ودخلت بهدوء تام.
الصالة كانت مليانة ستات من قرايبهم، والرجالة قاعدين في الصالون جوة وصوت طارق عالي وهو بيتكلم في التجارة والفلوس كأنه مليونير زمانه. أول ما حماتي شافتني، قامت وقفت ووشها جايب ألوان، ومسكت في دراعي بغل مكتوم وهي بتبتسم قدام الناس أهلاً يا هانم! لسه فاكرة تشرفي؟ الناس كلت وشربت والخدمة خلصت وإنتي لسه واصلة بهدوم الخروج ومكياجك؟! ده بدل ما تيجي من الصبح تقفي في المطبخ وتغسلي المواعين زي باقي سلايفك؟ صوتها كان عالي كفاية عشان يخلي الصالة تسكت، ورجالة الصالون يسكتوا كمان.
طارق طلع من الأوضة، كان لابس جلابية بيضا ومسبك شعره وعامل فيها الراجل الكبير صاحب الواجب. أول ما شافني، عينيه لمعت بانتصار رخيص، افتكر إني خفت من تهديده الصبح وجاية ألحق نفسي وأبوس رجليه قدام أهله عشان ميتطلقنيش. قرب مني وقال بصوت جهوري قدام عمامه وخيلانه اتأخرتي ليه يا ياسمين؟ ماكنش العشم يا بنت الناس، أهلي مستنيينك من الصبح تشيلي معاهم، هو ده الواجب اللي علموهولك؟
الهدوء اللي كان فيا كان يرعب. وقفت في نص الصالة بين الستات والرجالة، وفتحت شنطتي بهدوء تام. لا يا طارق، أنا جيت أوجب برضه... مش إنت الصبح قولتلي إنك مستني مني حاجة مهمة عشان تقتنع بيا وترضى عني؟ طارق وشه نور وافتكر إني جايباله شيك، أو عقد تنازل عن جزء من ورث بابا ما كان من الأول يا بنت الأصول، لازم يعني نتخانق الصبح ونشد عشان تفهمي الأصول؟
طلعت من الشنطة إنذار رسمي على يد محضر، وصورة ضوئية من محضر القسم، وحطيتهم في إيده قدام كل الحاضرين دي الأصول بتاعتك يا طارق. ده إخطار رسمي بإنك معندكش أي صفة قانونية في الشقة اللي بابا الله يرحمه جابهالي وكتبهالي باسمي. وده إخطار بدعوى التمكين والنفقة اللي نهاد رفعتهم الصبح.
الهدوء اللي كان في الصالة اتحول لسكون مميت، لدرجة إن صوت تلاوة الشيخ في الكاسيت كان بيتردد في الحيطان. طارق مسك الورق، عينيه كانت بتجري على السطور ومش مستوعب، وشه اتقلب من الأبيض للأصفر، وبعدين بقى دموي من الغيظ والإحراج. إنتي... إنتي اتجننتي؟! جاية بيتي ووسط أهلي في سنوية أبويا تعملي النمرة دي؟! حماتي صوتت ولطمت على صدرها يا فضيحتنا قدام الناس! جايبة المحاضر لبيتنا يا ياسمين؟! ده إحنا اللي لميناكي بعد ما كنتي عانس داخله على الأربعين!
بصيت لحماتي ومن غير