سنويه ابي حكايات منى السيد
وحبيبتي ياسمين، لو بتقرأي الجواب ده، يبقى أنا عند اللي خلقني، وإنتي يا إما عديتي سنتين صابرة على اختبار صعب، يا إما طارق بان على حقيقته ورميتي ورا ضهرك كل خوف. أنا عارف إني قولتلك حافظي على بيتك، بس قولتلك الكلمة دي وأنا فاكر إن الراجل اللي معاكي عنده أصل ويستاهل تصبري علشانه. لما اشتريتلك الشقة في مدينة نصر، شوفت في عينيه طمع الذئاب مش فرحة الراجل لمراته وبيته. ساعتها عرفت إن لو سبتلك فلوسي عايمة قدامه، هياكل حقك وحق بنتك سلمى باسم الشراكة والمشاريع. عشان كده يا بنتي، المحلين اللي قولت إني شاريهم؟ هما مش متسجلين باسمي أصلاً، دول متسجلين باسمك إنتي هبة غير مشروطة من يوم ما اتجوزتي، وريع إيجارهم السنتين اللي فاتوا بيتحط في حساب بنكي مقفول باسم سلمى تحت وصايتك إنتي بس، والمبلغ ده كفيل يعيشكم ملوك ومتحتاجوش لمخلوق. أما بقى الصندوق اللي قدامك ده، ففيه حقك اللي طارق كان فاكر إنه هيورثه... دي أوراق ملكية قطعة أرض في التجمع كانت شراكة بيني وبين مستثمرين، ودلوقتي بقت تسوى أضعاف تمنها. أنا مسيبتلوش مليم، لأن الراجل اللي ميعرفش يصون بنتي بلقمته وتعبة، ميستاهلش ياكل من شقايا. ارفعي راسك يا ياسمين، انتي بنت صبري، والبيت اللي يتهد عشان كرامتك تتبني، ده مش بيت... ده كان سجن وربنا نجاكي منه.
حضنت الجواب وعيطت، مش حزن، ده كان عياط راحة وامتنان لراجل حمى بنته حتى من تحت التراب. نهاد مسكت الأوراق وبدأت تقرأ العقود والتوكيلات، وعينيها بتلمع بانبهار يا نهار أبيض يا ياسمين! الحاج صبري الله يرحمه كان داهية ومأمنك تأمين حديدي! المحلين دول في أهم شارع تجاري وإيجارهم الشهري بمبلغ وقدره، وحساب سلمى فيه ملايين! طارق ده طلع ولا حاجة، ولا يقدر يطول قشة واحدة من ده كله، ده قانوناً لو حاول ينفس، إحنا نرجعه على الصفر بجد!
المستشار رأفت ابتسم وقال دلوقتي يا بنتي، الأوراق دي كلها تحت تصرفك. طارق لو عرف بالثروة دي هيتجنن وهيحاول يرجع بأي طريقة، أو هيحاول يبتزك بقضايا في محاكم الأسرة عشان يساومك على تنازلات. والأستاذة نهاد عارفة شغلها كويس.
خرجنا من مكتب قصر النيل والدنيا بتلف بيا، بس الرؤية كانت أوضح من أي وقت. ركبنا العربية ورجعنا البيت.
الساعة كانت حوالي أربعة العصر لما تليفوني رن تاني، والمرة دي كانت نمرة غريبة برضه، بس لما فتحت كان صوت عم طارق الكبير، الحاج محمود، راجل من الناس المحترمة اللي كان حاضر الفضيحة إمبارح في عين شمس بنتي ياسمين، عيب عليا لما أكلمك وأنا في سني ده، بس إحنا ولاد أصول، واللي حصل إمبارح سوّد وشنا قدام الناس كلها. طارق غلط، غلطة متغتفرش، وأنا بنفسي قعدت معاه ومع أمه وكسرت رقبته بالكلام. هو ندمان ومتبهدل وعايز يجيلك البيت يبوس على راسك ورجل والدتك ويصلح كل حاجة، والطلاق ده طلقة واحدة ونقدر نرده عند المأذون الليلة. إحنا عيلة ونشتري خاطرك يا بنتي، عشان خاطر البت الصغيرة اللي ملهاش ذنب.
أخدت نفس عميق، وقولت بكل هدوء وأدب يا حاج محمود، حضرتك فوق راسي وليك كل الاحترام والتقدير. بس طارق مندمش عشان غلط في حقي، طارق ندمان عشان لقى نفسه طالع من المولد بلا حمص، طارق كان عايش معايا مستني موت أبويا عشان يورث، ولما لقى مفيش ورث هددني بكسرتي وببنتي. الراجل اللي يعاير مراته بوفاة أبوها ويقول عليه مسبلوش عضمية في حياته، ده ميتعاشرش ولا يتبكي عليه. وبنتي سلمى مش هتعيش تتربى في بيت شايف أمها بنك وشايفها كارت إرهاب. الموضوع اتقفل يا حاج، وطارق ورقة واتحرقت من حياتي.
الحاج محمود سكت لثواني، وبعدين اتنهد تنهيدة تقيلة وقال حقك يا بنتي، وشهادتك لله إنتي بنت أصول، وابن أخويا هو اللي رخص نفسه وخسر جوهرة كانت في إيده. ربنا يعوضك خير.
قفل معايا، ومفاتش ساعتين، ولقيت البواب بتاع عمارة مدينة نصر بيتصل بيا مخضوض يا ست ياسمين! الأستاذ طارق هنا تحت العمارة ومعاه أمه وعاملين دوشة في الشارع وعايز يطلع يكسر باب الشقة! وبيقول إن دي شقته وهيدخل غصب عن أي حد! قولت للبواب ببرود ماتفتحش الباب يا عم حسين، وخلي الأمن يقفل البوابة، ودقيقة بالظبط والشرطة هتكون عندك.
فتحت تليفوني ورنيت على نهاد، وبسرعة اتحركنا ومعانا صور المحاضر الرسمية بتاعة الصبح وعقد ملكية الشقة النهائي. وصلنا العمارة، كان الشارع ملموم وطارق واقف في نص الشارع بيزعق وعروق رقبته ناطة، وأمه عمالة تصرخ وتلطم وتقول للجيران الست الفاجرة طردت ابني ورمت هدومه في الشارع واستولت على ماله وشقته!.
أول ما شافني نازلة من التاكسي، جرى عليا وعينيه حمرا كأنه مجنون يا فاجرة! جاية بعد ما خربتي بيتي وفضحتيني قدام عيلتي؟! قسماً بالله ما هتخرجي منها سالمة، والشقة دي شقتي ودفعت فيها دم قلبي، ومش هسيبك تاخدي بنتي ولا مليم من فلوسي!
وقفت قدامه بمنتهى الثبات، ولا حتى اتهزيت خطوة لورا. الناس كلها كانت بتبص، وظابط الدورية وصل في نفس اللحظة ونزل من البوكس ومعاه أمينين شرطة في إيه هنا؟! مين اللي بيعمل شغب في الشارع وبيعطل الطريق؟! حماتي جرت على الظابط الحقنا يا باشا! مرات ابني طردته وعايزة تاخد شقته وحيلته! نهاد طلعت كارنيه النقابة والملف الرسمي وقدمته للظابط اتفضل يا فندم، أنا المستشارة القانونية للمدام ياسمين صبري. ودي الأوراق الرسمية المسجلة بالشهر العقاري، الشقة دي ملك خالص للمدام ياسمين، والأستاذ طارق ملوش أي صفة قانونية هنا. ده غير إن المدام عاملة فيه محضر عدم تعرض الصبح برقم 4302 إداري مدينة نصر، بسبب تهديداته المستمرة، وأهو بيهجم عليها في الشارع وبيحاول يكسر البوابة زي ما شهود العيان والبوابين شافوا.
الظابط بص في الورق، وبص لطارق اللي وشه اتقلب تماماً وبدأ يرجع لورا الكلام ده مظبوط يا أستاذ؟ الشقة باسمها ومعاها محضر عدم تعرض؟ طارق حاول يلف ويدور يا باشا دي مراتي، وخلافات عائلية... طلعت تليفوني وشغلت التسجيل قدام الظابط والشارع كله غوري برة! إنتي طالق! طالق بالتلاتة! والله لأرميكي في الشارع.... الصوت كان واضح ورنان، صوت طارق وهو بيرمي اليمين بكل جبروت وغرور.
الظابط بص لطارق بقرف حقيقي مراتي إيه بقى؟ إنت مطلقها بالتلاتة وبتتهجم على ملكها وبتخرق محضر عدم التعرض! اركب البوكس يا أستاذ من سكات وبلاش شوشرة، والست الوالدة تتفضل تروح بيتها بدل ما تاخد إشغال طريق واعتداء على ملك الغير.
حماتي أول ما شافت ابنها هيتسحب على القسم، قعدت على الرصيف تعيط وتندب طارق! يا نهار أسود يا ابني! هيدخلوك الحبس عشان حتة شقة؟! طارق كان بيبصلي بنظرة كلها انكسار وهزيمة، العيون اللي كانت الصبح بتهدد وتتوعد وبتقول أبوكي مسبليش حاجة، دلوقتي كانت بتترجاني برمش عينها إني أقول للظابط خلاص. قربت منه وهو داخل البوكس، وقولتله بصوت واطي سمعه هو بس بابا مسبلكش حاجة في حياته، بس بعد مماته سابلي أنا اللي يخليني أفرم أي حد يفكر
يدوس على كرامتي أو كرامة بنتي. الشنط بتاعتك راحت على بيت أمك في عين شمس، والقواضي اللي هتشوفها في المحاكم السنين الجاية هتخليك تلف حوالين نفسك ومش هتلاقي مليم تصرفه على مشاريعك الوهمية. ابقى افتكر بقى تسأل أهلك في السنوية الجاية... هو مين اللي نابه حاجة من التاني؟
البوكس قفل بابه، ومشي بيه على القسم. الجيران فضوا التجمع، وكل واحد بدأ يطبطب عليا ويقولي جدعة يا بنتي، راجل قليل الأصل وميستاهلش ضفرك.
طلعت شقتي، دخلت الصالة، ريحة البيت كانت هادية ونضيفة، مفيهاش أثر للتوتر ولا للخوف من رجوعه ولا للزن اللي كان بيطحن في دماغي ليل نهار. قعدت على الكنبة اللي كان ممدد عليها قبلها بيوم، وفتحت الشباك، الهوا النضيف دخل ملى الأوض كلها.
مرت ست شهور على اليوم ده. المحاكم مشيت زي الساعة السويسرية بفضل نهاد والمستشار رأفت. إثبات الطلاق طلع رسمي، ونفقة سلمى اتحكم فيها بأقصى مبلغ ممكن يتخصم من مرتبه الحكومي شهرياً، وتنازل هو عن أي حق في حضانة أو نزاع بعد ما عرف حجم القضايا اللي كانت هتدخله السجن بتهمة خيانة الأمانة والشغب ومحاولة التعدي. سمعت من بعيد إنه رجع قعد في أوضة في بيت أمه، شغال على قد مرتبه، وشه محني قدام كل عيلته وقرايبه اللي عرفوا حقيقته وإن طمعه هو اللي رماه في الحضيض وخلاه يخسر الستر والنعمة اللي كان عايش فيها.
أما أنا... فأخدت ريع المحلات، وبدأت أستثمر جزء منه في تجارة الاستيراد اللي بابا كان بيحبها، كبرت المشروع الصغير وفتحت مكتب باسم صبري للاستيراد والتجارة، تخليداً لاسم الراجل اللي علمني إزاي أكون قوية. سلمى دخلتها أحسن مدرسة لغات، وكل يوم الصبح بصحيها بابتسامة وبوصلها بنفسي، وشايفة في عينيها أمان وبراءة كنت محرومة منهم.
وفي يوم السنوية التالتة لوفاة بابا... نزلت الصبح بدري، بس المرة دي مكنتش لوحدي ولا مكسورة، ومكنتش مستنية منّة من حد عشان يوصلني. كنت راكبة عربيتي الخاصة، وجنبي أمي، وفي الكرسي اللي ورا سلمى لابسة فستان أبيض جميل وماسكة بوكيه ورد كبير. وصلنا المقابر عند باب النصر. قعدنا جنب قبر بابا، وزعنا الصدقات على الغلابة والمحتاجين، وقرأنا سورة يس وصوتنا كان هادي ومطمن. حطيت إيدي على الرخام البارد بتاع القبر، وابتسمت من كل قلبي ودمعة دافية نزلت على خدي، وقولتله في سري اطمن يا بابا... حفظت وصيتك بجد. حفظت كرامتي، وحميت بيتي وبنتي من اللي كان هيهدهم. حقك رجعلك، واسمك هيفضل مرفوع ومش هيتداس عليه أبداً. نمت إنت يا حبيبي مرتاح... وإحنا عايشين في خيرك وبفضلك بعد ربنا.
قومت، مسكت إيد سلمى الصغيرة، وخرجنا من المقابر والشمس طالعة بتدفي المكان كله، وإحنا بنبص لبكرة من غير خوف، ومن غير ما نسمح لأي حد يكسرنا تاني.