سنويه ابي حكايات منى السيد
ما أعلي صوتي قولت ابنك هو اللي كان ماشي في الشوارع مديون ومحيلتوش تمن شبكة، وأبويا الله يرحمه هو اللي ستره وجوزه في شقة تمليك وعمل منه بني آدم... وأول ما أبويا مات، ابنك قالي أبوكي لو كان عايزني أحترمه كان ورثني وهو عايش!
الصدمة نزلت على وشوش عمامه وخيلانه. واحد من عمامه الكبار، راجل عجوز ومحترم، وقف من الصالون وبص لطارق بقرف الكلام ده حقيقي يا طارق؟ قولت للراجل اللي أكلك في بيته وشيلك الهم كده؟ طارق اتلجلج، وبدأ يعرق، والرجولة المزيفة اللي كان لابسها اتمسحت في ثانية يا عمي دي كدابة، دي بتتبلى عليا عشان رافضة تديني حقي في مشروع... قاطعته وأنا بقرب منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه بكل احتقار حقك؟ إنت ملكش مليم عندي، ولا ليك مكان في بيتي بعد النهاردة. الصبح هددتني بالطلاق وبالحضانة وافتكرت إنك لاوي دراعي بكلمة بابا الله يرحمه، بس نسيت إن أبويا علمني إن الكرامة متتجزأش. أنا مكنتش جاية أعمل فضيحة، أنا جاية أوريك قدام أهلك إن الست اللي كنت فاكرها ضعيفة وعايشة بالذنب، هي اللي هتخرجك من حياتها بهدومك اللي عليك.
طارق عروقه نفرت وهجم عليا وكان هيمد إيده، بس ابن عمه مسكه وكتفه وزعق فيه إنت اتجننت يا طارق؟! هتمد إيدك على واحدة ست قدامنا وفي دارنا؟! زعق فيهم وهو بيفرك في إيديه كالمجنون غوري برة! إنتي طالق! طالق بالتلاتة! والله لأرميكي في الشارع ومش
هتشوفي مليم، وبنتك دي مش هتلمحي طيفها!
ضحكت، ضحكة رنت في الصالة كلها، وطلعت تليفوني وسجلت آخر جملة قالها وهو بيزعق ميرسي يا طارق، وفرت عليا مصاريف قضية الطلاق للضرر، كده كده التسجيل ده هيروح للنيابة بكرة الصبح مع باقي المحاضر. ولبسك وحاجتك في شنطتين زبالة قدام باب الشقة في مدينة نصر، بواب العمارة عنده أوامر ميدكش المفتاح، ولو لمحت خيالك في الشارع، محضر عدم تعرض معمول وجاهز.
لفيت ضهري ومشيت في الطرقة. حماتي كانت بتدعي عليا وتصرخ، وسلايفها واقفين يتفرجوا بشماتة واضحة فيها وفي ابنها، وعمامه مطاطيين روسهم من الخزي ومحدش فيهم قدر ينطق بحرف واحد يدافع بيه عنه.
نزلت السلم، كل درجة بنزلها كنت بحس إني باخد نفسي أسهل. الهواء اللي كان خانقني الصبح بقى صافي وبارد. أول ما طلعت على الشارع، الشمس كانت لسه منورة، بس حسيت إنها بتنور طريق جديد خالص. مسكت تليفوني ورنيت على نهاد رمى اليمين قدام أهله وعمامه وسجلته صوت وصورة يا نهاد. نهاد ردت بضحكة انتصار كده قفل الضلفة على صباعه بالكامل، الليلة دي تباتي وانتي حاطة في بطنك بطيخة صيفي، وبكرة الصبح نتقابل في المحكمة.
ركبت عربية تانية ورجعت على بيت ماما. دخلت، لقيت سلمى قاعدة بتلون وبتضحك. حضنتها بقوة، وحسيت بنبضات قلبها الصغيرة، وقولت في سري مش هسمح لأي حد في الدنيا يكسرك يا بنتي، ولا هخليكي تكبري وانتي شايفاني مكسورة.
أمي بصتلي من غير ما تتكلم، شافت النور اللي رجع لوشي، وقامت عملتلي كوباية شاي بالنعناع كانت أحلى كوباية شربتها في حياتي.
بس وأنا قاعدة في الصالة بالليل، التليفون رن... مكانش طارق. كان رقم غريب، ولما فتحت السكة، جالي صوت راجل وقور بيقولي مدام ياسمين صبري؟ أنا المستشار رأفت، المحامي الخاص بوالدك الحاج صبري الله يرحمه... باباكي كان سايب معايا صندوق ووصية تانية خالص مقفولة بالشمع الأحمر، ومشروطة متتفتحش إلا بعد وفاته بسنتين بالظبط، أو في حالة... انفصالك عن الأستاذ طارق.
التليفون وقع من إيدي على الكنبة، وسكتت لثواني طويلة كأن الزمن وقف. الصوت اللي في السماعة كان هادي بس الكلمات نزلت على دماغي زي المطرقة. المستشار رأفت؟ محامي بابا الخاص اللي كان ماسك دفاتره القديمة والصفقات الكبيرة اللي حتى أمي مكنتش بتتدخل في تفاصيلها؟
مسكت الموبايل تاني بإيد بتترعش ورديت وصوتي مخنوق ألو... أيوة يا سيادة المستشار، سامعة حضرتك. بتقول وصية تانية؟ مشروطة بالانفصال؟ تمام يا مدام ياسمين صوته كان حاسم ووقور زي ما كنت فكراه من سنين، الحاج صبري، الله يرحمه ويحسن إليه، كان عامل حساب كل خطوة في حياته ومماته. طلب مني بالنص إن بعد وفاته بسنتين بالتمام، أو لو حصل طلاق بينك وبين الأستاذ طارق، أفتح الصندوق والظرف ده بحضورك إنتي ووالدتك الكريمة. وبما إن السنتين خلصوا، وبلغني بالصدفة من زميلة لينا الأستاذة نهاد إن في إجراءات طلاق حصلت النهاردة، فكده الشرطين اتحققوا. مستنيكم بكرة الساعة حداشر الصبح في مكتبي في قصر النيل.
قفلت السكة وبصيت لماما. كانت قاعدة متبعة المكالمة وعينيها مبرقة والسبحة وقفت بين صوابعها رأفت؟! وصية إيه وصندوق إيه يا ياسمين؟ أبوكي كان مخبي إيه؟ قعدت جنبها ومسكت إيديها الباردة مش عارفة يا ماما، بس بابا عمره ما عمل حاجة غلط في حياته، ولا عمره أذى حد. بكرة الصبح هنروح ونفهم كل حاجة.
الليلة دي كانت أطول ليلة عدت عليا في عمري. كل نص ساعة تليفوني يرن، أرقام غريبة، ورقم طارق، ورقم حماتي، ورسايل شتيمة ممزوجة بترجي وتهديد. طارق كتبلي رسالة فيها انتي فاكرة نفسك هتعلمي عليا قدام أهلي وتخرجي سليمة؟ والله لأقعدك على الحديدة وبنتك دي هحرمك من شوفتها. عملت للأرقام كلها بلوك، وضميت سلمى في حضني ونمت، لأول مرة من سنين أنام نوم عميق من غير ما أصحى مرعوبة من خناقة تانية يوم الصبح.
تاني يوم، الساعة عشرة ونص الصبح، كنت قدام عمارة عتيقة في شارع قصر النيل في وسط البلد. الأسانسير القديم بالقفص الحديد طلع بينا للدور التالت. دخلنا مكتب الأستاذ رأفت، ريحة الورق القديم وخشب الماهوجني فكرتني بريحة بابا لما كان بيرجع من تجارته. الأستاذة نهاد كانت واصلة قبلنا بربع ساعة وقاعدة مستنية، وشها كان فيه فضول محامين مع ابتسامة تشجيع.
المستشار رأفت استقبلنا بترحيب حار، باس راس أمي وقعدنا قدام مكتبه الضخم. البقاء لله يا حاجة، والحمد لله إن ربنا نجا بنتك في الوقت المناسب. الحاج صبري كان صاحب عمري، وعاش ومات وهو قلبه على بنته الوحيدة. فتح الخزنة الحديدية الكبيرة اللي وراه، وطلع صندوق خشب مطعم بالصدف مقفول بقفل نحاسي، ومعاه ظرف بني كبير مختوم بالشمع الأحمر. حط الصندوق والمفتاح قدامي على المكتب. الظرف ده اتكتب وتوثق قبل وفاة أبوكي بشهرين اتنين بس يا ياسمين. يومها جه هنا، قعد على نفس الكرسي اللي إنتي قاعدة عليه دلوقتي، وقالي يا رأفت، أنا شاكك في طارق من أول يوم دخل بيتي، طمعان في رزقي وعينه فارغة، بس بنتي قلبها أبيض ومش هتشوف ده غير لما أنا أموت ويقع القناع عنه. لو بنتي فضلت مستحملة عشان وصيتي، ربنا يعينها، بس لو طفح بيها الكيل أو عدت سنتين وهو لسه بيلوي دراعها، افتحلها الأوراق دي.
دموعي نزلت من غير ما أحس، ونهاد كانت بتبص للظرف بتركيز. فضيت الشمع وفتحت الظرف، كان فيه جواب بخط إيد بابا نفس الخط الرقعة المميز اللي كنت بشوفه في كشاكيل حساباته.
الجواب كان مكتوب فيه بنتي