بصمة بالإكراه ج 2 حكايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

السكوت اللي نزل على أوضة المستشفى بعد ما قفلت السكة في وش شاهيناز كان أتقل من جبال الحِطام. حازم كان واقف متصنم، ملامح وشه مفزوعة وعينيه مبرقة في التليفون اللي في إيدي كأنه قنبلة موقوتة. ريقه نشف تماماً، وحاول يبلعه كذا مرة من غير فايدة، وصوته طلع مخنوق ومتقطع
ندى.. أنتي.. أنتي فاهمة غلط والله العظيم.. شاهيناز دي.. دي مجرد دكتورة بتعامل معاها في الشغل، والمكالمة دي.. دي كانت بتهزر.. أيوه بتهزر عشان كنا عاملين رهان على صفقة أجهزة!
بصيتله بجمود، شفايفي حتى متكرمشتش بعصبية. نزلت رجلي من على السرير ببطء شديد رغم نغزات جرح العملية القيصرية اللي كانت بتكوي بطني كوي. مسكت تليفوني الخاص وشيلته في جيب الروب، وبصيت في عينيه مباشرة
الرهان ده كان تمنه اتنين مليون و ألف جنيه يا حازم؟ بالمليم؟ الفلوس اللي شقيت بيها في تراب المناصرة وريحة الغِرا والجلد وسهر الليالي عشان أجيب بيهم المخزن؟ الفلوس اللي أخدت بصمة إبهامي عليها بمنديل مبلول وأنا بلفظ أنفاسي الأخيرة في المطبخ ومية بنتك مغرقة السيراميك وأنت وأمك واقفين فوق راسي تسرقوني؟
حازم وشه اتقلب من الخوف للبجاحة فجأة. الرعب اتحول لشراسة رخيصة، مسك دراعي بقوة وهو بيجز على سنانه
اسمعي هنا بقى وبطلي نغمة الضحية دي! الفلوس دي فلوسي! أنتي عايشة في خيري، والقرشين اللي عملتيهم دول مكنوش هيجوا لولا اسمي ومركزي! وأه.. حولت الفلوس لشاهيناز، وهنفتح المركز الطبي، والورق اتسجل خلاص.. وريني بقى هتعملي إيه؟ هتروحي تقولي للظابط جوزي خد فلوسي؟ هيقولك دي فلوس بين راجل ومراته في بيت واحد! البصمة بصمتك، والتليفون تليفونك، ومعندكيش ربع دليل يثبت إني مديت إيدي على حاجة! اقعدي ساكتة ولمي الدور بدل ما أرميكي في الشارع من غير هدومك ومن غير البت كمان!
سحبت إيدي من قبضته بمنتهى الهدوء ونفضت دراعي كأن حشرة وقفت عليه.
تمام يا حازم.. كويس إنك قولت كل اللي في بطنك وعرفتني أصلك اللي كنت مغمية عيني عنه سنين.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح، وفوزية دخلت وهي ماسكة شنطة يدها الجلد المزيفة، وبتبص لينا بانتصار وشماتة فاقعة
صوتكم عالي ليه في المستشفى يا واد؟ هي مش عايزة تلم لسانها برضه؟ بقولك إيه يا بت أنتي.. بكره هتكتبي تنازل رسمي عن نصيبك في الشقة اللي في التجمع، وتسيبي التوكيل بتاع عربيتك لحازم، وإلا بنتك دي مش هتشوفي ضفرها، وهثبت إنك مجنونة ومش مؤهلة لتربية عيال! إحنا ولاد ناس وعيلتنا مفيهاش واحدة بيئة بتاعت ستاير ومفروشات تكسر كلمتنا!
بصيت لفوزية وابتسمت ابتسامة باردة جداً، ابتسامة خلت شعر جسمها يقف للحظة.
بكره ده هيجي يا حماتي.. بس مش زي ما أنتي متخيلة خالص. ربنا يمهل ولا يهمل.
خرجوا الاتنين من الأوضة، وحازم قفل الباب وراه برزع خفيف عشان يلحق ميعاده مع شاهيناز في كافيه المعادي. أول ما اتأكدت إن خطواتهم بعدت، رفعت تليفوني التاني وكلمت الأستاذ عصام المحامي.
ألو، أيوة يا متر.. حازم اعترف بكل حاجة في وشي، ورايح يقابل شاهيناز دلوقتي في المعادي عشان يمضوا العقود الرسمية بتاعة المركز والأجهزة. ممتاز يا ندى! كل خطوة متسجلة ومحسوبة بالمليم. أنا دلوقتي واقف قدام مكتب رئيس نيابة الأموال العامة في التجمع الخامس، ومعايا العقيد شريف من مباحث الإنترنت، وتقرير الإسعاف الرسمي اللي مختوم من مديرية الصحة وطوارئ 123 طلع خلاص. مكتوب فيه إيه يا متر؟ مكتوب بالنص تم العثور على المذكورة في حالة غيبوبة تامة وهبوط حاد بضغط الدم نتيجة نزيف حاد وانفصال مشيمة، وتم عمل إنعاش قلبي مبدئي في تمام الساعة 232 مساءً. يعني التحويل اللي حصل 231 تم وانتي غير واعية وفاقدة للأهلية الطبية تماماً! ودي في القانون جناية استغلال عجز وشروع في قتل مقترن بجريمة سرقة أموال بالاحتيال التكنولوجي. والنيابة أصدرت إذن فوري بتتبع خط سير التحويل وتجميد الحسابات المرتبطة بيه! والفلوس اللي راحت لشاهيناز؟ شاهيناز مش عارفة إن البنك المركزي نزل إشارة تحفظ فوري على الحساب التحويلي بتاع شركتها لحين التحقيق، لأن التحويل بمبلغ ضخم وفي يوم عطلة رسمية بدون فواتير ضريبية مسبقة. اسمعي مني بقى.. أنتي لازم تيجي على القسم أو النيابة تعملي المحضر بنفسك عشان تكتمل أركان التلبس! ربع ساعة وهكون عندك يا متر.
طلبت الدكتورة المسؤولة عن حالتي ووقعت على إقرار خروج على مسؤوليتي الشخصية. الممرضات حاولوا يقنعوني استنى عشان الجرح والطلق اللي كان هادد حيلي، بس الدم اللي كان بيغلي في عروقي كان مديني طاقة تهد جبال. مكنش وجع جسم.. كان وجع كرامة وشقا سنين بيضيع قدام عيني. ركبت تاكسي، وعيني على بنتي اللي نايمة في الحضانة في الدور التالت، وقولت في سري حقك وحق شقايا راجع يا بنتي.. ومش هسيبك تعيشي راسك مكسورة لأشكال زي دول.
وصلت النيابة، وهناك كان الأستاذ عصام مستنيني ومعاه ملف أزرق تقيل. دخلنا على وكيل النيابة، راجل ثلاثيني ملامحه صارمة وعينيه صاقبة مبيفوتهاش حرف. قعدت على الكرسي بالعافية، وحكيت كل كلمة من أول ما نزلتني فوزية السوق في نص التاسع أشيل الخضار واللحمة، لحد ما وقعت في المطبخ ومية الجنين بتغرق رجلي، ورمي التليفون، والمنديل المبلول اللي مسحوا بيه إبهامي عشان يلقط على سنسور البصمة.
وكيل النيابة بص لتقرير الإسعاف،

تم نسخ الرابط