ج 2 حكـايات مني السيد حصري
قبضت الجمعية... ١٠٠ ألف جنيه كاملين
الكلمة نزلت عليا في الصالة زي الصاعقة. حسيت إن الأرض بتلف بيا، ورجليا رخيت تماماً فمسكت في ضهر الكنبة عشان ما أقعش.
حادثة؟ وأنا السبب؟!
ماما قامت مفزوعة من المطبخ، بتنفض إيديها من الدقيق وعينها مبرقة حادثة إيه يا حاج؟! طارق ماله؟ وجراله إيه؟ واستفتحنا البلاوي منين على المسا كده؟!
بابا كان حاطط الموبايل على ودنه، وصوت الصريخ والعويل اللي طالع من السماعة كان مالي الصالة كلها، كأننا واقفين في سرادق عزا مش في بيتنا. صوت أمه كان طالع مسعور، بتولول وتلطم ابني بيموت بسببكم! ابني دمه في رقبتك يا أحمد أنت وبنتك! طالع من عندكم دمه فاير ومش شايف قدامه وركب مع بتاع النقل ولبسوا في عامود نور على أول الطريق الزراعي! والله ما هسيبكم، والله لأحبسكم وأبهدلكم وأفضح بنتك في منطقتها كلها!
بابا فضل ساكت ثواني، وشه اتجمد كأنه صخرة، وبعدين رد عليها بنبرة تقيلة وثابتة ابنك ربنا يشفيه ويقومه بالسلامة يا أم طارق، وإحنا لا دعينا عليه ولا لينا يد في قضا ربنا وقدره، ولو ليكي حق بالقانون أو بالعرف اطلبيه، لكن قلة الأدب والاتهامات الباطلة دي مش هسمح بيها.
وقفل السكة في وشها قبل ما تكمل صراخها.
ماما قعدت تلطم على صدرها بخفة وتقول يا مصيبتي السودة! البت لسه قالعة الدبلة الضهر، والمغرب الواد يعمل حادثة؟! الناس هتقول إيه يا حاج؟! هيقولوا وشها فقر عليه وقصفت عمره! وهيقولوا البت سابته في محنته عشان الفلوس!
بابا بص لماما بصة سكتتها في ثواني اخرسي يا ولية وماتقوليش الكلام الخايب ده! وش فقر إيه وخرافات إيه؟! الواد طايش، وربنا جاب عاقبة طمعه وسوء نيته في نفسه، بنتنا مالهاش دعوة ولا عملت جريمة عشان تخاف. هي رمت باطل كان راكبها، والحمد لله إن الحبل اتقطع قبل ما تدخل بيته.
أنا كنت واقفة مش قادرة أنطق، في صراع بياكل في روحي من جوة. جزء مني.. الجزء الطيب، الغبي، اللي اتربى على العشم والحنية، كان حاسس بغصة في حلقه طب لو حصله حاجة بجد؟ لو مات؟ مش يمكن كان زعلان ومنهار عشان كده ركب ومخدش باله؟ لكن الجزء التاني، الجزء اللي صحي الضهر لما عايرني بسني وهددني بفسخ الخطوبة وشقا سنيني، كان بيصرخ في وشي اوعي ترجعي خطوة واحدة لورا، ده فخ جديد لو دخلتيه برجلك هتدفني نفسك بإيدك!
عمي إبراهيم وخالي عصام جم على رنة التليفون في دقايق، لأن بيوتنا كلها في نفس الشارع. قعدوا في الصالة، وبدأوا يتكلموا بصوت هادي وعاقل. عمي قال لبابا يا حاج أحمد، إحنا ولاد أصول وبنعرف الواجب. الواد عمل حادثة، في مستشفى إيه؟ المستشفى الميري اللي على أطراف البلد. إحنا نروح، نطل عليه من بعيد، ونعرف حالته إيه بالظبط عشان نقفل الباب في وش أي لسان عايز يتبلى علينا أو يرمي تهم جزاف، وناخد معانا حد من معارفنا هناك.
بابا هز راسه عندك حق، أنا هروح معاك يا إبراهيم، بس نهى مش هتعتب المستشفى، ولا رجلها تخطي برة الباب ده الليلة.
بصيت لبابا وقلتله بابا.. خالي.. عشان خاطري طمنوني، أنا مش عايزة أكون سبب في أذية حد مهما كان، بس أنا مستحيل أرجعله حتى لو قام سليم معافى.
بابا حط إيده على راسي وطبطب عليا اطمني يا بنتي، إحنا رايحين نعمل الواجب والشهامة اللي اتربينا عليها، مش رايحين نطاطي لحد ولا نرجع في كلمة قلناها.
نزلوا التلاتة بابا وعمي وخالي. الساعات اللي فضلت فيها قاعدة في البيت مع ماما كانت كأنها سنين. عقارب الساعة كانت بتتحرك ببطء يزهق. ماما رايحة جاية في الصالة تسبح وتستغفر، وتدعي إن ربنا يعديها على خير. وأنا ماسكة الموبايل في إيدي، قافلة النت، وكل شوية يجيلي رسايل من صحابنا المشتركين نهى إيه اللي حصل لطارق؟، نهى طمنينا بيقولوا طارق في العمليات؟، هو إنتوا فركشتوا بجد؟.
الخبر انتشر في البلد زي النار في الهشيم، وطبعاً الرواية اللي انتشرت كانت من تأليف وإخراج حماتي إن البنت الطماعة سابته عشان طلب منها تساعده في الشقة، والواد من كتر حرقته وقهرة قلبه عمل حادثة وكان هيروح فيها!
قعدت أضغط على شفايفي لحد ما حسيت بطعم الدم. الغل والظلم كان واكلين قلبي. يعني فوق ما كانوا عايزين يسرقوني، كمان بيشوهوا سمعتي ويطلعوني أنا المجرمة وهو الضحية الغلبان؟!
الساعة عدت واحدة بعد نص الليل لما سمعت صوت مفتاح بابا في الباب. قمت وقفت على حيلي وماما جريت على الباب. دخل بابا وعمي وخالي، وشوشهم ما كانش عليها علامات حزن ولا فجيعة، بالعكس.. كانت وشوشهم عليها علامات سخرية وقرف تام!
بابا قلع الجاكيت ورماه على الكنبة، وقعد ينفخ. ماما سألته بلهفة ها يا حاج طمنا؟ الواد في العناية المركزة؟ هيعيش؟
خالي عصام ضحك ضحكة عالية مليانة استهزاء عناية مركزة إيه يا ست أم نهى! ده ولا حتى خد غرزة في صباع رجله الصغير!
برقت بعيني مش مصدقة إيه؟! يعني إيه يا خالو؟ مش بيقولوا العربية اتقلبت بيهم ودخل في عامود؟!
عمي إبراهيم قعد وولع سجايره وقال بنبرة مليانة اشمئزاز الحكاية كلها فيلم هابط من أفلام أم طارق وابنها.. العربية النص نقل أصلاً كانت ماشية براحة جداً، حكت في رصيف وبتاع النقل فرمل، الفانوس اتكسر، وطارق اتخبطت كتفه