حكاية سمر
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت:
"لواحد من البلد."
سألناها كلنا في نفس اللحظة:
"مين؟!"
قالت:
"مش هقدر أقول."
وقتها اتعصبنا أكتر، وقلنا لها إن بعد كل اللي حصل لازم نعرف الحقيقة، وإن الناس اللي بعتت فلوس من حقها تعرف فلوسها راحت فين.
سمر فضلت تبكي، وبعد وقت طويل قالت:
"هو شخص إنتوا كلكم تعرفوه... ويمكن عشان كده بالذات مش عايز أقول اسمه."
بدأت تشرح لنا.
قالت إن من كام شهر، بالصدفة عرفت إن الراجل ده داخل على أزمة كبيرة، وإنه محتاج عملية وعلاج بمبلغ ضخم، وإن كل اللي حواليه فاكرينه مرتاح ومستور، لكن الحقيقة إن معظم فلوسه كانت محطوطة في شغله، وإن الظروف اتعقدت عليه، ومبقاش قادر يوفر تكلفة العلاج.
ولما حاولت تساعده، رفض.
قال لها:
"أنا مش هطلب من حد حاجة، واللي حصل لي ده محدش يعرفه."
سمر قالت له:
"طب لو أنا ساعدتك؟"
رد عليها:
"ساعديني لو تقدري، بس في السر... أنا مش عايز حد يعرف إني محتاج."
وقالت لنا إن الجملة دي فضلت ترن في ودانها، لأنها كانت شايفة الراجل ده طول عمره واقف جنب الناس، يساعد ده، ويسند ده، ولو حد احتاج حاجة عمره ما كان يتأخر.
وقالت:
"أنا عارفة إني غلطت لما كدبت عليكم، بس مكنتش عارفة أعمل إيه تاني... لو قلت لكم الحقيقة، كان هيرفض ياخد جنيه، ولو سيبته، كان ممكن حالته تسوء."
واحد من أصحابنا قال لها:
"طيب والفلوس اللي اتجمعت؟"
قالت:
"معظمها راح في علاجه، ولسه معايا جزء صغير، وكنت مستنية العملية تتم وأرجعهوله لو فضل منه حاجة."
بصينا لبعض.
لكن لسه السؤال الأهم موجود...
مين الشخص ده؟
سمر فضلت رافضة تقول اسمه، لحد ما واحد مننا قال لها:
"طب على الأقل خلينا نروح له ونطمن عليه."
سكتت.
وبعدين قالت:
"هو مش عايز حد يعرف."
قلت لها:
"إحنا عرفنا خلاص، ولو هو فعلًا شخص غالي علينا، مش هنروح نفضحه... هنروح نقف جنبه."
بعد إلحاح طويل، وافقت.
لكن أول ما قالت لنا العنوان، أنا حسيت بقشعريرة في جسمي.
العنوان كان بيت واحد من أشهر وأعز الناس علينا في البلد.
راجل كلنا كنا بنفتكره عايش أحسن مننا.
راجل كان لما ييجي قعدتنا يدفع الحساب كله ويضحك ويقول:
"سيبوا الفلوس دي لأصحابها، أنا الحمد لله مستور."
راجل عمره ما اشتكى.
عمره ما طلب جنيه.
عمره ما قال إنه محتاج.
ولما وصلنا بيته، اتصدمنا أكتر.
البيت اللي كنا فاكرينه دايمًا مليان ناس وضحك كان هادي بشكل غريب.
دخلنا، لقيناه قاعد لوحده.
كان وشه متغير، وخاسس بشكل واضح، وأول ما شافنا حاول يضحك ويقول:
"إيه ده؟ جايين تعملوا عليا غارة؟"
لكن ضحكته مكانتش طالعة من قلبه.
قعدنا جنبه، ومحدش عرف يبدأ الكلام.
لحد ما هو بص لسمر، وبعدها بص لنا، وقال:
"هي قالت لكم؟"
سمر نزلت عينيها.
رديت عليه:
"إحنا عرفنا كل حاجة."
اتنهد وقال:
"كنت عارف إنها هتتكشف."
قلت له:
"ليه مخبي علينا؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
"عشان أنا طول عمري بحاول أبقى سند للناس... مش عايز في يوم أبقى أنا الحمل اللي على حد."
الكلمة دي وقعت علينا كلنا.
ساعتها فهمنا إن الراجل اللي كنا فاكرينه أغنى وأكتر واحد مستور في البلد، كان بيخبي عننا وجع كبير جدًا.
كان محتاج العلاج فعلًا.
وكان بيحاول يبيع جزء من حاجته عشان يوفره، لكن سمر سبقته وساعدته بالطريقة الوحيدة اللي عرفتها.
وقتها صاحبنا اللي كان أكتر واحد متعصب لسمر بص لها وقال:
"إنتِ غلطتي... غلط كبير كمان، بس أنا فهمت ليه عملتي كده."
سمر انفجرت في العياط وقالت:
"أنا مكنتش عايزة حد يعرف إنه محتاج... أنا كنت عايزة أساعده من غير ما أكسر نفسه."
سكتنا كلنا.
وبعدها جمعنا باقي المبلغ اللي كان ناقصه، لكن المرة دي بالحقيقة، من غير صورة كدب ولا قصة مختلقة.
ولأول مرة، هو وافق ياخد المساعدة.
مش لأنه اتغير...
لكن لأنه عرف إن الناس اللي حواليه مش شايفاه ضعيف.
شافوه واحد منهم.
وبعد فترة، العملية تمت ونجحت، وبدأ يتعافى.
أما سمر، فإحنا مبرأناهاش من كذبتها، بالعكس، قلنا لها إن الخير عمره ما يبرر الكذب، وإنها كان ممكن تقول الحقيقة بطريقة تحفظ كرامته بدل ما تحط ناس كتير في موقف زي ده.
لكننا كمان فهمنا حاجة عمرنا ما هننساها...
إن مش كل واحد بيضحك قدامك يبقى مرتاح، ومش كل واحد بيقول "أنا الحمد لله كويس" يبقى فعلًا مفيش في قلبه ولا حياته وجع.
والأغرب من كل ده إن بعد ما الموضوع خلص، الراجل نفسه طلب مننا حاجة واحدة بس.
قال لنا:
"محدش يحكي لحد أنا كنت في إيه... خلوا الناس فاكراني زي ما كنت."
ومن يومها، كل ما أشوف شخص بيظهر قدام الناس إنه مرتاح ومبسوط، بفتكر حكايته.
وبفتكر سمر.
وأفتكر إن فيه نوع من الناس مشكلتهم مش إنهم مش محتاجين...
مشكلتهم إن كرامتهم بتخليهم يموتوا من الاحتياج ولا يمدوا إيدهم لحد.
أما سمر، ففضلت شايلة غلطتها في قلبها، وكل ما نفتكر الحكاية تقول:
"أنا لو رجع بيا الزمن، كنت هساعده برضه... بس المرة دي من غير كذبة."تمت صابرين